أحمد الونزاني.

اعتقد ان تونس تمر بأعمق أزمة سياسية عرفتها منذ استقلالها، و دخولها في العهد البورقيبي، ثم بعد ذلك مع الرئيس زين العابدين بن علي. لكن بعد ثورة الياسمين، كانت الآمال معقودة على النخبة السياسية الجديدة بتجاوز مشاكل الماضي، المشاكل السياسية و الخصومات الايديولوجية و إيجاد حلول للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية خصوصا و النهوض بالقطاعات التي تعد قاطرة لأي تقدم محتمل في المدى القريب، و منها التعليم والصحة و البحث العلمي و التقني والمهني و بالتالي النهوض بالإنسان.
كانت الآمال معقودة على نجاح ثورة الياسمين و بالتالي نجاح النخب السياسية ضمنيا، لكن منذ الوهلة الأولى و مع نجاح التيار الإسلامي في أول انتخابات برلمانية حرة و نزيهة، عرفتها تونس بعد العهد الاستعماري و بعد عقود من الاستبداد السلطوي و الفساد السياسي، بدأت المناكفات الايديولوجية تظهر و الخصومات الكيدية بين الفرقاء السياسيين، طمعا في غنيمة سياسية و سلطوية و بعيدا عن ذلك التجرد المطلوب لخدمة الأوطان و الشعوب.
كان للتوافق السياسي الذي سعت إليه بعض النخب السياسية الأثر الإيجابي في تجنيب تونس أزمات سياسية هي في أمس الحاجة لتلافيها في تلك المرحلة الانتقالية و الحساسة في تاريخ تونس المعاصرة. لكن محرار الخلافات و الصراعات السياسية، كان يخضع للتقلبات التي تعرفها المنطقة العربية ككل. إذ أنه مع دخول مصر  في مرحلة الثورة المضادة بعد الانقلاب العسكري الدموي، بدأت تونس هي الأخرى تشهد و تعرف تطورات على الساحة السياسية، لكن الأمور ستتعقد بعد الفوضى الخلاقة التي عرفتها ليبيا ، فوضى السلاح و التقاطب  و الذي تحول إلى صراع داخلي و اقتتال بين الشرق والغرب (طبرق و طرابلس )، كاد يودي بتقسيم ليبيا. المحيط الملغم زيادة على التدخلات الخارجية العربية منها من محور الشر العربي الذي يقود  الثورة المضادة، و الأجنبية، خصوصا فرنسا المعمر السابق لشمال افريقيا و التي لها اليد الطولى في ما يقع من تقلبات سياسية في كل القارة السمراء. كل هذه المعطيات أدت إلى تفاقم الأزمة السياسية في تونس، تحولت إلى مناكفة حادة و كيدية ثم استئصالية مع وصول الرئيس قيس سعيد إلى سدة الحكم في تونس.
الأزمة في تونس أعقد مما نتصور، لأنها أعادتنا إلى عهد الحكم المطلق أو عهد ( أنا الدولة و الدولة أنا ).فاشية دكتاتورية اقصائية.
الأزمة في تونس تدار خيوطها داخليا من الأجهزة الأمنية و الجيش التونسي، الذي اتضح تورطه في مغامرات الرئيس قيس سعيد و توجهاته الانقلابية و الانفراد بالسلطة. خارجيا هنالك الدعم العربي الخليجي السياسي و المعنوي لمن يقودون الثورة المضادة في تونس، كما أن فرنسا ليست ببعيدة عما يحدث في تونس و حتى في ليبيا. ف المعمرون الجدد لهم ولاء راسخ للمعمر القديم، أي أن مسألة التحرير و التحرر  لم تكتمل بعد لعوائق عدة من أهمها التبعية السياسية و الثقافية و الاقتصادية للمحتل الفرنسي أو المعمر السابق لشمال افريقيا. و قد اجتهد لأقول بكل تجرد و صراحة بأنني لا أجد نفسي في هذا الوطن العربي بعد. فهل فعلا أشعر بذلك الانتماء الحقيقي لهذا الوطن العربي، الغريب عني و الغريب أنا فيه.
كل شيء مؤجل في منطقتنا العربية إلى غاية إعادة التحرير و التحرر. ف الأحلام مؤجلة و الآمال مؤجلة و تقدمنا مؤجل .
الأزمة في تونس هي أزمة حضارية بين الشمال والجنوب، شمال يريدنا في خدمة مشروعه الحضاري على حساب هويتنا و لغتنا ،مستفيدا من قدراتنا و مقدراتنا المادية و البشرية.
و بهذا ف الصراع هنا وجودي. لأننا نحن المعنيين بهذا الصراع، كما الأجيال القادمة و التي حتما ستقودنا نحو التحرر الحقيقي لتحقيق الكرامة المنشودة لأبناء الجنوب و المنطقة العربية ككل. تحرر يقوم على التعاون و التعارف و التكامل بين الإنسانية جمعاء، و يلغي كل أشكال الاستعباد و الاستغلال للعنصر البشري.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube