بقلم المصطفى القادري.

الإستراتيجية الإعلامية التي اعتمدها تنظيم داعش بالعراق كانت محكمة و دقيقة إلى أبعد الحدود, فلا شك أن الكثير منا يتذكر كيف إنتشرت فيديوهات إعدام الرهائن الأجانب بتلك الطريقة البشعة و الوحشية والتي خلفت ردود فعل مختلفة لدى الرأي العام الدولي بين مؤيد ومنتقد بحسب موقع الصراع و الإنتماء الأيديولوجي. قصة الصحفي جايمس فولي على سبيل المثال، انتشرت كالنار في الهشيم بعد نشر فيديو بتاريخ 14 غشت 2014. الفيديو الذي عرف حينها رواجا و انتشارا واسعا على منصات التواصل الإجتماعي حيث يظهر الصحفي و هو يتلو خطابا يطالب من خلاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما بوقف العدوان على الدولة الإسلامية. المواقع و المنصات التابعة لمؤسسات إعلامية كبرى والتي قامت بنشر وتدويل محتوى التسجيل هي نفسها التي حجبت صور التعذيب الوحشي و اللإنساني الذي تعرض له معتقلو الإحتلال الأمريكي بسجن أبو غريب. عملية الحجب بحسب تلك المؤسسات الإعلامية كانت بهدف الرفق بمشاعر المشاهدين و تجنبا لخدش الذوق العام للمجتمعات الغربية. هذه القاعدة الأخلاقية إعلاميا لم يتم إتباعها عندما تعلق الأمر بعملية إعدام الصحفي ذبحا.
بالتأكيد أن إحتياج داعش لبعض الدعاية عن طريق حملة ماركوتينغ كضرورة لخلق وجود افتراضي يتزامن مع الإنتشار الميداني. خصوصا أن تنظيم داعش يختلف في تفاصيله عن نسخته الأولى المتمثلة في تنطيم القاعدة.
الفرق بين التنظيمين يكمن في نقطة جوهرية، حيث أن تنظيم القاعدة يعتبر تنظيما سريا يمر منتموه بمراحل استقطاب شديدة التعقيد لأسباب أمنية. فالمتقدم بطلب العضوية يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط لكسب ثقة التنظيم الذي تحول كما هو معروف خلال التسعينات إلى مؤسسة حقيقية سرية وقادرة على دفع رواتب أعضائها الذين أصبحوا قادرين على التنقل عبر العالم لللقيام بالمهام المنوطة بهم. أما عملية غسيل الأموال فكانت تتم عبر مشاريع الأعمال الخيرية لفائدة البوسنا أو من خلال عناصرها المدربة على القيام بعمليات هندسية محاسبية معقدة للإفلات من رقابة المؤسسات المالية الدولية. في حين كان الأعضاء يشرفون على مخيمات التدريب التي تضمن اكتساب عناصرها لمهارات قتالية بما في ذلك تلك التي تم اكتسابها خلال دورات التكوين التي قدمها الجيش الأمريكي للمحاهدين الأجانب في أفغانستان خلال الحرب مع السوفييت.

في حين جاءت داعش لتؤسس دولة الخلافة الإسلامية، و الدولة في حكم المنطق لا يمكن أن تكون سرية، بل تحتاج إلى مجال جغرافي تتواجد فوقه. لذلك نجد أن داعش عمدت إلى تقديم كل أشكال الخدمات الإجتماعية من قبيل نظام الصحة و التعليم والعدل …الخ حتى يتم إغراء أسر بأكملها من المؤمنين بفكرها بالإلتحاق و الإستقرار بدولتها دونما الإلتفات للمسائل الأمنية التي تعامل معها تنظيم القاعدة تجنبا لكشف هوية منتسبيه أو لعملية اختراق من أجهزة دولية. على سبيل المثال، الرسالة التي أرادت داعش تقديمها لباقي مسلمي العالم من خلال نشرها لفيديو بمناسبة عيد الفطر الموافق لشهر غشت لسنة 2014 حيث يظهر أفراد من مختلف الجنسيات ويصفهم بالمهاجرين على غرار هجرة الرسول الأكرم و أصحابه مع التأكيد على دعوة باقي المسلمين المقيمين بدول الغرب بالهجرة إلى دولة الإسلام الحق و الهروب من دول الكفر إلى أرض الأمن و الأمان حيث الشريعة الإسلامية هي القانون الأوحد وكرامة الجهاد متوفرة لمن أحب.

الوعود التي قدمها تنظيم الدولة الإسلامية بتوفير الجو الملائم للحياة الإسلامية، نجحت إلى حد كبير في استقطاب أسر بأسرها قدمت من مناطق الشرق الأوسط و باقي دول إفريقية إلى جانب المسلمين المقيمين في البلدان الأوروبية و الحالمين بالعيش تحت ظلال خلافة إسلامية طال انتظار عودتها.

الحملة الدعائية المكشوفة و الواسعة صممت منذ الوهلة الأولى لتصيب عصافيرا عدة رغم اختلاف وجهات طيرانها. فمن جهة خلقت العملية الإعلامية قابلية لدى الرأي العام الغربي و الدولي بخصوص مشروعية التدخل العسكري و السياسي بغرض حماية العالم من وحشية التنظييم الإرهابي الذي خلق كبديل لتنظيم القاعدة الذي لم يعد قادرا على القيام بالدور الجديد في خريطة الصراع بالشرق الأوسط. في نفس الوقت كان للوحشية الغير المحدودة دور في ترهيب التنظيمات المنافسة و إرغامها على الإنظمام لمشروع الدولة الحديث إلى جانب القدرة على استقطاب الشباب المسلم المعارض والغاضب سواء بالدول العربية التي تسودها أنظمة استبدادية أو أولئك المزدادون بالدول الغربية و الذين يعيشون على ايقاعات الضياع و سط صراع الهوية الذي يعزز من احتمالات الإستقطاب من قبل التنظيمات الإرهابية التي تعدهم بالسعادة في الدنيا و الأخرة وتمنحهم هوية بطولية في أكناف حلم تحقيق دولة الخلافة الرشيدة بدلا عن واقع الذل والمهانة والإستصغار والهوان الإحتماعي الذي يعانونه بسبب العنصرية وإشكالات الإندماج السليم في أوطان ولدوا بها لكنها تصر على التنكر لهم. هي فرضة أيضا للإنتقام من مجتمع غير عادل لم يمنحهم سوى بعض الفتات من خلال منح هؤلاء الغاضبين المجال قصد التفنن في استعمال أبشع طرق القتل و التنكيل و التعذيب و الإغتصاب.

استطاعت داعش أن تحقق نجاحا إعلاميا باهرا من خلال تمكنها من خلق علامة تجارية خاصة تجعل منها التنظيم الرائد في ممارسة القتل الوحشي ضد أعدائها، فالمحتوى الإعلامي المنتج من قبل تقنيي التنظيم تبين أنه و بلحاظ المرحلة أن التقنيات و المهارات المستعملة في إنتاج الحملة الدعائية كانت عالية الجودة و تنم عن احترافية في استعمال التكنلوجيات الحديثة. كما أنه لوحظ و بالرغم من الإنتشار الواسع لإشهارات التنظيم و مواده الإعلامية المليئة بالفضاعات و الجرائم، إلا أن الإدارة الأمريكية غضت الطرف و قللت في عدة مناسبات من خطورة التنظيم وقدرته على تهديد المصالح الأمريكية، فالرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما اعتبر في احدى تصريحاته أن الإنتشار الواسع لتنظيم الدولة الإسلامية على شبكة الإنترنيت ووسائل التواصل الإجتماعي لا يعني بالضرورة توفر التنظيم على قدرة مماثلة للإنتشار على أرض الواقع بالشكل الذي قد يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وأن داعش ستنشغل بمواجهة صراعات محلية في أماكن تواجدها.

توالت الإعدامات مع اتباع نفس الطريقة البشعة واستعمال نفس تقنيات النشر والتوزيع واستطاعت داعش تأجيج مشاعر الرأي العام الغربي الذي أصبح يطالب بوضع حد لهذا العبث الإجرامي وانتشرت موجات استنكار واسعة بسبب غزو داعش الممنهج للفضاء الإعلامي الدولي. لقد حققت داعش العالمية من خلال تطبيق استراتيجية إعلامية تفننت في مخاطبة اللاوعي لدى مواطني الغرب بنفس القدر الذي تمكنت من ولوج مساحات الإستقطاب في عقر الديار الغربية.
فعملية إختيار منفذ الإعدام الأول في حق الصحفي الأمريكي، و هو مواطن إنجليزي خاطب العالم بلكنته الإنجليزية يدخل ضمن خطة استقطاب تعتمد الكثير من المعرفة بخبايا علم الإجتماع و السيكولوجيا، فالتنظيم الجديد بقيادة أبو بكر البغدادي أبان عن ولادة تنظيم يتقن استعمال التكنلوجيا و يتفنن في التأثير على صناعة الرأي العام الدولي و يمارس ضغطا مباشرا على صناع القرار أنفسهم.

لم تكن الأسر أو الأفراد الملتحقين بالتنظيم هم الضحايا الوحيدين للإستراتيجية الإعلامية المحكمة التي نهجتها داعش، فالأطفال بدورهم استعملوا كأداة من أدوات الصراع. فإذا كان القانون الدولي يجرم تجنيد الأطفال أو اقحامهم في العمليات المسلحة خلال فترات الحروب بين الدول النظامية، إلا أن هناك خلافا دوليا حول منهجية التعاطي مع الأطفال المتورطين في جرائم الحرب أو الإرهاب.
الأمم المتحدة أكدت في العديد من المناسبات أن تنظيم داعش يعتبر استقطاب الأطفال أولوية على أعتبار انهم مضموني الولاء لمدة أطول لسهولة بناء شخصياتهم و جعلهم يؤمنون بالعنف كطريقة حياة… و أمام غياب تصور واضح معتمد من قبل القانون الدولي حول اعتبار الأطفال مجرمين أو ارهابيين يقترفون فضاعات في حق ضحايا داعش ويقومون بإنجاز مهام إرهابية تشمل العمليات الإنتحارية التي تستهدف الأسواق و المساجد أو بالقرب من الإدارات العمومية و أماكن التجمعات البشرية. أم أن الأطفال بدورهم هم ضحايا التنظيم الذي لا يضيع فرص استقطابهم أو إختطافهم من بين ذويهم ليتم إخضاعهم لعملية غسيل دماغ باستعمال تقنيات جد معقدة معززة بألعاب الفيديو لتحويلهم إلى وحوش أدمية في حجم صغير تساهم في تعزيز الأستراتيجية الإعلامية التي تعتمد الوحشية و الترهيب و سياسة الخوف كعناصر أساسية لترويج مشروع الدولة الدموية… يتبع

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube