ترجمة أحمد رباص

توزعت اهتمامات هذه المؤرخة بين مواضيع تاريخية مهمشة من قبل دوائر البحث في علم التاريخ الكلاسيكي الأكاديمي. هكذا وضعت نصب عينها النشر في الهوامش النسية المنسية، فانطقت صمت التاريخ عن محاولات المراة للإنعتاق من هيمنة الرجل انطلاقا من عصر النهضة الى يومنا هذا مرورا بعصر الأنوار. في وقت سابق، أجرى بيير هنري تافوالو، أستاذ الفلسفة في السوربون، حوار مطولا مع مؤرختنا وتم نشره بالمجلة الفرنسية “Le Point” الشهيرة. لاعتبارات تتعلق بالاحتفال بعيد المرأة الذي يصادف ثامن مارس من كل سنة، سوف يتم التركيز فيما يلي على الجوانب المتعلقة بقضية المرأة من هذا الحوار.


–إذا أخذنا عملك حول تاريخ النساء، نجد أنه مشروع ضخم نتاج عمل فريق من الباحثين.

  • بالفعل، إذا أنجزت، في المحصلة الأخيرة، الأجزاء الخمسة من “تاريخ النساء” في الغرب” في زمن قياسي، فلأن الفريق المشرف (ثمانية أشخاص يشرفون على سبعين كتابا) يعمل سويا منذ مدة ليست بالقصيرة. كتابة المؤلف ذاته لم تستغرق وقتا طويلا.
    –الأطروحة التي تمحور حولها هذا المشروع لوت عنق نظام الأمومة والأساطير المتعلقة بالأمازونيات. كتبت تقولين: “إذا نظرنا إلى أبعد ما يكون في أفق التاريخ، لا نرى سوى الهيمنة الذكورية”. المقالات التي جمعتها في “النساء وصمت التاريخ” ترتبط أكثر بجرد لمراحل الهيمنة. ترتسم ثلاث مراحل أساسية: الهيمنة المفروضة، الهيمنة المبررة بسلسلة كاملة من الحجج الداعمة لها، وأخيرا الهيمنة المرفوضة التي من المؤكد أنها ضعفت لكنها مستترة أيضا.
  • طوال القرن التاسع عشر، تكرر بالفعل الخطاب حول اللاكفاءة المهنية والسياسية بالأخص لدى النساء، وهو يرتكز على حجتين: حجة الطبيعة وحجة المنفعة الاجتماعية.
    من جهة، مع انطلاق علم الحياة، أصبحت النساء متماهيات مع جسدهن الولود وأسندت لهن لهذا السبب وظائف إنجاب الأطفال وتدبير المنزل. وهذا ما برهن حينئذ على إقصائهن من المواطنة السياسية ضمن سياق مساواتي مع ذلك. من جهة أخرى، بالموازاة مع الحجة الأولى، نجد حجة أخرى ذات نبرة تقدمية، تدعي الاستعمال المتجانس للكفاءات النسائية في تكامل كلا الجنسين لأجل الصالح العام. لقد نشط آنذاك الثناء على المراة، لكن الهيمنة ظلت دائما قوية. لهذا السبب يتعين تعديل هذا التسلسل التاريخي، لأنه حتى في الهيمنة المرفوضة اليوم، والتي هي أكثر باطنية و ونفاذا، مع افتراض أكبر قدر من الموافقة من لدن الفاعلات، نعثر على أشياء طويلة الأمد وغير متوقعة. إذا نظرنا إلى التاريخ الحديث، في أفغانستان مثلا، نصاب بالذهول من استمرار تمثلات متعلقة بتصور ذهني خاطئ عن النساء اللواتي اعتبرن عاجزات ومرغمات على التخفي. اليونان القدامى لم يتجراوا على قول مثل هذا الكلام.
    –لكن، والحالة هاته، ألا يمكن أن نرى في هذا التاريخ شيئا شبيها بالتقدم؟
  • بصرف النظر عن أي اعتبار، يبدو بالأحرى ان الحصيلة إيجابية رغم كل شيء، ولو انها ظلت هشة ومشكوك فيها. العالم الغربي هو عالم الديمقراطية وتقدم وضعية النساء مرتبط بالديمقراطية. لكن تبقى هناك مناطق ظل، والتراجعات ممكنة عندنا ، هذا لا جدال فيه، فالتاريخ ليس خطيا ولا تراكميا.
    -أنت لا تتبنين، مع ذلك، القراءات التي تقول بما أن الهيمنة أقل ظهورا تكون بالأولى أكثر قوة..
  • كلا، لا نستطيع قول مثل هذا الكلام. الهيمنة تمت بشكل أكثر نفاذا. فهي تستدعي اتفاق الفاعلين، لكن قدر النظام الديمقراطي هو التشجيع على هيمنة تعمل برضى جميع الفاعلين.

–توجد تعددية في المرافعات الممكنة عن قضية المراة، وهو ما نستطيع تلخيصه من خلال المجابهة بين نزعتين نسائيتين هما: النزعة الوجودية (سيمون دي بوفوار) التي اعتبرت أن المراة، على نحو ما، إنسان مثل الآخرين؛ أي توجد قبل كل شيء كفرد ينتمي إلى الإنسانية الكونية، ثم النزعة الماهوية التي تقتضي الاعتراف بالحقوق النوعية باسم “هوية نسائية” هي ذاتها خصوصية. لقد طرحت سؤالا عن التكافؤ: باسم ماذا يكون التكافؤ؟ باسم العدالة الفردية أم باسم الاختلاف بين الجنسين؟ ما ذا كان جوابك؟

  • أجبت بدون تردد: باسم العدالة. في إطار النقاش الذي قدمته، أتموقع بتصميم ضمن المعسكر الذي اجترحته سيمون دي بوفوار. لا يدرك الكوني كاستلاب للفرد، لكن بالعكس كوضعية تؤدي إلى تحريره. الكوني هو ما يؤدي بالفرد إلى عدم الانغلاق والتقوقع داخل هويات أو طوائف. هذا لا يعني بأن كل إحساس بالانتماء إلى جماعة ما ينبغي النظر إليه كأمر مشتبه فيه. بكل بساطة، يستحسن ألا يعترف به على أنه الاتجاه القاصر على تعيين هوية شخصية. مع ذلك، عشت بحدة هذا الإحساس بالانتماء في الحركة النسائية.
    مثلا، في اللحظة التي صوتنا فيها بكثافة على عدم حضور الرجال ضمن اجتماعاتنا، كنا في حاجة إلى أن نتلاقى ونتناقش فيما بيننا كنساء، وكان من المحتمل أن نظرات رجل، ولو أنه متضامن معنا، تمنع التواصل والكلام. من جهة أخرى، يبدو أن التعايش الاجتماعي ، مذكرا كان أم مؤنثا، شيء إيجابي جدا، بل ضروري شريطة ألا يفضي إلى انغلاق طائفي قائم على “طبيعة” مزعومة للمرأة أو الرجل وهو الشيء الذي أرفضه جملة وتفصيلا.

–إذا رفضنا الفكرة القائلة ب”طبيعة مؤنثة”، كيف نعرف المرأة إذن، التي هي موضوع عملك التاريخي؟

  • ذلك بالضبط نتاج التاريخ والثقافة الطويلة الأمد. نستطيع بسهولة أن نقول إن النساء مختلفات في طريقة إدراكهن للعالم والسياسة، ليس لأن لهن جسد امرأة يملي عليهن لست أدري أي وضعية أو نظرة أو كتابة، ولكن لأن الثقافة تنتج طرائق في الرؤية والتفكير. من زاوية النظر هاته، تكليف النساء ماضيا وحاضرا باليومي أكثر من الرجال يمنحهن طريقة خاصة للنظر إلى السياسة ك”تدبير للأشياء”. يمكن تقديم يمكن تقديم هذه الفرضية. ما يهم هو التسليم بأن الأمر يتعلق بمعطى طبيعي، بل هو صنيع التاريخ، من هنا الاهتمام بحكايته.
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube