أحمد رباص

في كل المناسبات، يتناسل ويتجدد الخطاب عن أزمة المدرسة المغربية ويدلي بعض المهتمين بآرائهم حول الأزمة مصحوبة بمقترحات حلول وبدائل.
في هذا الاطار، تندرج المقالة التي نشرها محمد أديب السلاوي، اسما على مسمى، على جداره الفيسبوكي أكثر من مرة، وذلك منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات خلت تقريبا. ولكونها في متناول أي كان بحكم أن صاحبها يترك حسابه ذاك مفتوحا كما قلبه، فقد أجدني في غناء عن تلخيص مقالته وحسبي التركيز على دور التخطيط في المساهمة الأولية في بناء المدرسة الفاعلة وكذا على مسؤولية القائمين عليه المتمثلة في ضرورة التوفر على القابلية للنظر البعيد المدى الذي نبه الأستاذ محمد أديب في خطابه الى غيابه من منظور المسؤولين على التخطيط التربوي.
المدرسة مؤسسة تعليمية عرفتها المجتمعات البشرية عبر مختلف الحقب التاريخية وفي أشكال متباينة…في المغرب مثلا كان للمدرسة حضور في القرون الوسطى خاصة في المراكز العلمية التي يشهد عليها التاريخ مثل فاس ومراكش وسبتة قبل الاحتلال الإسباني… أما الآن في زمن الاستقلال فقد كثرت المدارس وتم تقريبها الى سكان الجبال والسهول وحتى الصحاري..لكن هذا التوزيع والانتشار الذي عرفته المدرسة لم يصاحبه تفكير على المدى البعيد تستحضر فيه ظروف وشروط لا بد من توفرها حتى تؤدي المدرسة رسالتها التعليمية والتربوية.
أقول هذا الكلام وأنا أفكر في التجربة الفاشلة للمجموعات المدرسية القروية التي تتكون من فرعيات نائية ومعزولة عن العالم بنيت غالبا في جوار المقابر بدون حارس وبدون سكن وبدون ماء..ومع ذلك يصر الإداريون المركزيون الماسكون بسلطة القرار المرتبط بالشأن التعليمي على تحقيق ما وصفوه بالحياة المدرسية. وهل هناك حياة بدون ماء؟ إذا كان المعلمون يحصلون على كمية قليلة من الماء تستعمل للشرب والغسل، فكيف يمكنهم الحصول على كمية من الماء كافية لسقي ما يودون غرسه في الساحة حتى يضفوا عليها مظهرا من رونق الحياة؟
قرأت قبل مدة لأستاذ جامعي في كتاب له خصصه لمعضلة التعليم في بلادنا فصلا بعنوان: “من أجل تخطيط تربوي جيد”. هذا الكتاب تخير له صاحبه الدكتور جميل حمداوي عنوان: ” من مستجدات التربية الحديثة المعاصرة” وهو من منشورات الزمن صادر عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 2008. يشير هذا الباحث في فقرة من هذا الفصل عنونها ب”جمع المعطيات الديمغرافية والدراسات الخاصة بالعمالة والاقليم”:
إلى أنه من المعروف أن التخطيط التربوي ينبني على مجموعة من العمليات الأساسية يمكن حصرها في أربع مراحل هي ، مرحلة إعداد مشروع الخطة، ومرحلة الاشتشارات وتبني الخطة، ومرحلة تنفيذ الخطة وتصحيحها، ومرحلة تقويم الخطة ومتابعتها. وتستلزم مرحلة إعداد الخطة بدورها مراحل فرعية ثلاث، وهي: مرحلة التنظيم ومرحلة الدراسة ومرحلة التنسيق.
اما التنظيم فيعني به تنظيم العمل وطريقته وتوزيع المسؤوليات والمهمات على القائمين به. وأما الدراسة فيعني بها دراسة الأوضاع القائمة في البلد، الأوضاع السكانية والاقتصادية والتربوية، بغية الاستناد اليها في وضع الخطة. وأما التنسيق فهو جملة التدابير التي من شأنها أن تجعل الوسائل المادية جميعها مستخدمة للحصول على أكبر مردود ممكن.
وأهم ما في هذا التنسيق تنسيق العمل بين القطاعات المتصلة بالتعليم وبين القطاعات التي تعنى بالتخطيط العام. وإلى ذلك، يضيف الكاتب أن ما يينبغي التركيز عليه في هذه المراحل مرحلة الدراسة التي تهتم بدراسة أوضاع الإقليم من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية السكانية لمعرفة مجموع سكان الاقليم على مستوى الدوائر والأرياف الحواضر، ومعرفة عدد الذكور والاناث، والوظائف الاجتماعية التي يمارسها السكان ، والمناطق الأكثر كثافة من المناطق الأقل كثافة، وتحديد نوع القطاعات الاقتصادية التي يمارسها سكان الاقليم ( زراعة، صناعة، خدمات )، وتبيان وتيرة التطور الديمغرافي، ومستقبل ذلك التطور، وما يطرحه الانفجار السكاني من مشاكل آنية ومستقبلية.
ويعني هذا أن التخطيط التربوي لابد أن يعود الى المعطيات الديمغرافية المتوفرة لدى السلطة الإقليمية من أجل استثمارها في المخططات التربوية والتعليمية عن طريق معرفة المعلومات السكانية المتصلة بالهرم السكاني العام وبمعدل زيادة السكان وبالتنبؤ بعدد السكان خلال مرحلة الخطة وبتوزع السكان على فئات العمر وعلى الجنسين وعلى مناطق البلد المختلفة، وبعدد السكان العاملين وتوزعهم على قطاعات النشاط الاقتصادية المختلفة، وبعدد السكان العاملين وتوزعهم على قطاعات النشاط الاقتصادية المختلفة والمهن المختلفة. اذا أخذنا فقط المجال القروي، هل يخضع بناء وتوزيع المدارس لهذه المقتضيات التخطيطية المشار اليها أعلاه؟ الجواب بالنفي لأن عددا كبيرا من المدارس الفرعية التي تتخلل فضاءنا القروي وضعت فقط من أجل إسكات واكتساب أصوات انتخابية لا غير…
لم يخطر ببالهم أبدا أن المعلمين سوف يتفادون المبيت بها ولو اقتضى الأمر منهم تجشم الرحلة المكوكية اليومية بين المدرسة وأقرب مركز حضري أو شبه حضري يتوفر فيه الحد الأدنى من شروط الحياة المعاصرة. ولكم ان تتصوروا مزاج معلم وصل الى المدرسة في حالة من التعب والعياء وما يدخل في وعكاء السفر كما يقال. أخيرا، وبعد فوات الأوان فطنوا الى مزايا المدرسة الجماعتية التي تم لحد الساعة بناء ما يفوق 50 نموذجا عبر التراب اللوطني.
لكن هذه الأخيرة لم تسلم من آفات الارتجال والعشوائية. دليلي على هذا هو البطء الشديد الذي طبع أشغال تهييئ وبناء المدرسة الجماعتية بمركز جماعة سيدي بطاش. كانت التوقعات الأولية تتحدث عن انتهاء الأشغال مع نهاية صيف 2016 علما أن الأشغال بدأت قبل سنتين، إلا أن الخريطة المدرسية بجماعة سيدي بطاش لا زالت على حالها لأن البناية الجديدة التي حملت واجهتها عنوة اسم مدرسة جماعاتية لم تستقبل سوى تلاميذ المركز والضواحي القريبة حيث أن ما تم إنجازه من المشروع لم يتعد عمارتين تشمل كل واحدة منهما 18 حجرة دراسية بالاضاقة الى ثلاثة مساكن لكل من المدير والحارس والمقتصد الذي ما زال في حكم المجهول!