بقلم: محمد بنعبو

 خبير في المناخ والتنمية المستدامة
رئيس المكتب الوطني لجمعية مغرب أصدقاء البيئة

لا يمكن حصر “علم البيئة” أو شارة “الخبير البيئي” في شواهد علمية عليا يتخرج بها المرء من كبريات الجامعات والمعاهد العليا وطنية كانت أو دولية، أو حصرهما في إلمام تقني وخبرة تراكمية ناجمة عن ممارسة ميدانية مع شرائح مختلفة تمزج بين الأطفال والشباب ضمن برنامج التربية البيئية، أو في تأطير العشرات من الورشات التكوينية ضمن برنامج وطني يهدف الى تقوية قدرات الجمعيات البيئية، بل الأدهى من ذلك، فلا علاقة لشارة “الخبير البيئي” بعدد المؤتمرات الدولية التي يشارك فيها المرء حيث لا تتعدى مهمته فيها صفة “الملاحظ”، في حين يظل “علم البيئة” انعكاسا للعلاقات بين الطبيعة والإنسان على المستوى الكوني. وفي سياق هذا التأمل العالمي، لا يجب تجاوز البعد السياسي أو تجنبه في نفس الوقت، ففي الواقع، من المهم أن تكون إيماءات المواطن الإيكولوجي الصغيرة التي تم تعلمها في المدرسة، من خلال مشاريع معينة للتربية البيئية بالفصل الدراسي هي نقطة البداية لتفكير أوسع، وبداية التشكيك في السلوك البيئي للفرد من داخل المدرسة والمنزل وفي الشارع كذلك.


ولتحديد مفهوم “الخبير البيئي” بامتياز، تؤكد لوسي صوفي، الأستاذة في جامعة مونتريال الكندية والمتخصصة في التربية البيئية، أن التربية البيئية تبدأ من: “الخبرة الملموسة وتفضيل أصول تدريس المجال، وتبني نهج متعدد التخصصات وتعزيز المشاركة النشطة للمتعلمين وتحفيز العمل التعاوني وتفضيل التوجه المجتمعي لحل المشكلات البيئية المجتمعية”.
وتبقى التربية البيئية مجالا متعدد الأوجه، بعيدا عن كونه مقصورا على المخاطر وإن كانت هائلة، لحماية الطبيعة، ويشكل أيضا نقطة دخول لفتح بوابة علمية في وجه التلاميذ أمام تحديات العالم الحالي حيث توفر التربية البيئية إمكانية تطوير فكر منهجي حقيقي، وسيكون من المهم في السنوات القادمة تعزيز الحوار بين مختلف الفاعلين: المدرسة والجماعات الترابية والجمعيات ومختلف المتدخلين من أجل خلق روابط بينهم والتوافق بشكل أفضل حول الجوانب التكميلية، ومن الضروري تطوير تكييف العرض المؤسساتي مع احتياجات نساء ورجال التعليم والمؤسسات التعليمية، ومراعاة القوانين المتعلقة بتنظيم الإدارة المدرسية، وبعبارة أخرى سيتعلق الأمر بصياغة الأهداف التعليمية بأهداف مجتمعية.

دخول مدرسي حذر عبر العالم

اليوم وفي زمن كورونا تفتح آلاف المدارس أبوابها للتلاميذ في جميع أنحاء العالم، بعد أزيد من ستة أشهر من التوقف بسبب الحجر الصحي الذي فرضته الجائحة. ومع الدخول المدرسي الجديد نشرت عدة مقاطعات بكندا وعدة بلدان أخرى توصياتها لبدء العام الدراسي هذا الخريف بدون إصابات في صفوف الناشئة، حيث يتعين على الغالبية العظمى من التلاميذ العودة حضوريا إلى الفصل، في حين ستفضل فئة أخرى من التلاميذ التعليم عن بعد لتجنب الاختلاط، وبالتالي تجنب الإصابة بالفيروس، وتختلف المعايير حول ارتداء الأقنعة من بلد الى آخر، بعدما أغلقت 194 دولة في ذروة الوباء في شهر مارس الماضي جميع مدارسها مع تضرر أكثر من 1.5 مليار تلميذ وطالب من جميع أنحاء العالم بالرغم من استمرار التعليم عن بعد لاستكمال العام الدراسي إلا أن هذه العملية لم تشمل الجميع لمجموعة من المعيقات أهمهما لوجستيكية.
وأثار بدء الموسم الدراسي هذا العام العديد من المخاوف بين الآباء الذين يستعدون لإرسال أطفالهم إلى الفصول في خضم وباء فيروس كورونا، هذا بعد تأكيد العديد من العلماء بعض النتائج والتي تبدو جد مشجعة، بخصوص انخفاض خطر حدوث مضاعفات خطيرة لدى الأطفال.
في الوقت الحالي، يبدو أن عددا قليلا من المدارس الابتدائية في جميع أنحاء العالم التي عرفت دخولا مدرسيا هادئا خلال نهاية شهر غشت الماضي، والتي طبقت إجراءات المسافة والنظافة قد تأثرت بتفشي فيروس كورونا، حيث لم يزد عدد الحالات بشكل ملحوظ بعد إعادة فتح المدارس في النرويج والدنمارك، بتواز مع ضعف انتقال العدوى داخل المجتمع.
في إقليم أونتاريو الكندي سيكون من المفروض على تلاميذ الصفوف ابتداء من الرابع ابتدائي ارتداء الأقنعة الواقية داخل المدرسة، بما في ذلك داخل الفصل الدراسي، بينما يتم تشجيع رواد روض الأطفال على ارتداء القناع، هذا ويمكن للأبوين أن يقرروا إرسال أطفالهم حضوريا إلى الفصل أم لا، مع العلم أن الشهادة الطبية لعدم إصابة الأطفال بالفيروس غير ضرورية، أما في مقاطعة اسكتلندا الجديدة الكندية فقد تم شراء أكثر من 14000 جهاز كمبيوتر محمول لتسليمها للتلاميذ الذين ليس لديهم القدرة الشرائية والذين تأثرت أسرهم بعد الحجر الصحي، بينما يوصى بشدة باستخدام القناع لجميع التلاميذ، خصوصا في الممرات والمناطق المشتركة لتلاميذ المدارس الثانوية. وتشجع الحكومة أيضا المعلمين على التدريس في الهواء الطلق عندما يكون ذلك ممكنا، أما في فرنسا سيكون ارتداء القناع إلزاميا للتلاميذ في سن 11 سنة عندما تكون المسافة لمتر واحد غير ممكنة، في حين في المملكة المتحدة سيكون إلزاميا على التلاميذ العودة إلى مقاعد المدرسة حتى ولو كانوا يعيشون تحت نفس سقف الأشخاص المعرضين للخطر ولا ينصح بارتداء القناع للتلاميذ وموظفي المدرسة في بريطانيا، وتحسبا للإصابة بالفيروس ينصح بوضع الطاولات الدراسية جنبا إلى جنب في اتجاه مقدمة الفصل لمنع التلاميذ من الوقوف وجها لوجه لفترة طويلة جدا.

دخول مدرسي بالمغرب بين تعليم عن بعد وآخر حضوري

كانت وزارة التربية الوطنية قد أعلنت في بيان لها عن اعتماد “التعليم عن بعد” كصيغة تربوية في بداية الموسم الدراسي 2020 -2021، والذي ينطلق اليوم بالنسبة لجميع الأسلاك والمستويات وبكافة المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية ومدارس البعثات الأجنبية، وذلك بالنظر للوضعية الوبائية المقلقة التي تعيشها البلاد جراء الارتفاع الكبير في عدد الحالات الايجابية بفيروس كورونا المستجد، وفي عدد الأشخاص الذين هم في وضعية حرجة وعدد الوفيات، وكشفت َوزارة التربية الوطنية أنه بجانب اعتماد التعليم عن بعد سيتم توفير “تعليم حضوري” بالنسبة للمتعلمين الذين سيعبر أولياء أمورهم، عن اختيار هذه الصيغة، على أن يتم وضع آلية تمكن الأسر الراغبة في ذلك من التعبير عن هذا الاختيار.
وسادت مخاوف لدى العديد من الأسر والأوساط المهنية والتربوية، جراء عدم حسم الوزارة في مسألة النموذج التعليمي الذي سيجري اتباعه في ظل الوضعية الصحية الاستثنائية التي فرضها استمرار تفشي فيروس كورونا المستجد.

دخول مدرسي بيئي متميز واستثنائي

ومع الدخول المدرسي الحذر عبر ربوع المعمور، تشرع مئات المدارس في تنفيذ مشاريع التربية البيئية من التعليم الأولي إلى التعليم الثانوي، عبر إدماج مجموعة من الأنشطة البيئية بالتوازي مع الانطلاقة الرسمية للدروس الحضورية عبر إخراج مسرحيات عن البيئة أو عبر مشاركة التلاميذ في برلمان الشباب من أجل البيئة، أو عبر إنشاء منطقة رطبة اصطناعية وسط المدرسة أو اعتماد الفرز الانتقائي للقمامة داخل الحجرات الدراسية، أفكار جد متنوعة للغاية تستهدف تكوين شباب من أجل البيئة والتنمية المستدامة قادرين على تحمل المسؤولية البيئية داخل المجتمع، من خلال اعتماد ميثاق بيئي توصي بنوده بضرورة الالتزام بالقواعد الصحية للوقاية من الاصابة بالفيروس بالتوازي مع تبني التلاميذ للسلوكيات الايجابية الصديقة للبيئة لتحسين البصمة البيئية للمدرسة.
ويمكن أن يؤدي تحسين البصمة البيئية للمدرسة، وتحسين ممارسات تلاميذها وأطرها التربوية في المجالين الصحي والبيئي، ونحن في زمن كورونا، إلى تحقيق العديد من الفوائد، وقائية كانت لتجنب الإصابة بالفيروس اللعين، أو بيئية مثل توفير الطاقة وترشيد استعمال الماء وتدوير المياه العادمة حيث من المرجح أن يستفيد التلاميذ والأطر التربوية بالمدرسة من مبادرات فرز النفايات وتدويرها لصنع مجسمات إيكولوجية تدعو للحفاظ على البيئة وحمايتها.
ومع ذلك لم يكن الاهتمام بالتربية البيئية ولفترة طويلة وإدماجها في المقررات الدراسية حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من المناهج الدراسية في مجموعة من الدول الأوروبية العريقة، فهل تكون هذه نتيجة إعلان حالة الطوارئ البيئية التي نواجهها اليوم و التي أعلنتها حركة الشباب من أجل المناخ في جميع بقاع العالم، إذا كان هذا هو الحال فسيكون من المنطقي أن تتبنى المدرسة القضايا البيئية وفي مقدمتها قضية حالة الطوارئ المناخية، لأنه كما أظهر الكاتب والصحفي المتخصص في البيئة في جريدة لوموند الفرنسية هيرفي كيمبف ومؤلف كتاب “كيف يدمر الأثرياء الكوكب” وبوضوح أن الأزمة البيئية والأزمة الاجتماعية مرتبطتان ارتباطا جوهريا، وبما أن المدرسة تشتغل في المجال الاجتماعي فإنه من البديهي أن تتعامل وبشكل طبيعي مع القضايا البيئية، فهل ستستجيب مشاريع التربية البيئية هذه للمهمة الأساسية للمدرسة، وهي مساعدة الأطفال والشباب على فهم العالم حتى يتمكنوا بعد ذلك من تطوير وسائل العمل في هذا العالم ومعه؟
يبدو أن الأبحاث التي تم إجراؤها تؤكد هذا الأمر، بعد أن سلطت الضوء على حقيقة إيجابية وهي الأثر المهم على المجتمع بجميع شرائحه الاجتماعية في المحافظة على المنظومات البيئية وحماية مكوناتها من تنوع بيولوجي، نباتيا كان أو حيوانيا، حيث وفقا للأشخاص الذين تم استجوابهم فإن الآثار الرئيسية والمباشرة لمشاريع التربية البيئية هي التربية على المواطنة وتحفيز الشباب من أجل الدفاع عن القضايا البيئية الحقيقية.
فهل من المهم جدا معرفة ما إذا كان ينظر إلى فكرة التعليم المتعلقة بالبيئة على أنها يجب أن يحملها عالم المدرسة، وكيف، خصوصا وأنه في التعليم الحالي لا وجود لمكان للتربية البيئية في المقررات الدراسية في العديد من الدول، فرجل التربية والتعليم مطالب بدمج هذه القضايا البيئية في الفصل الدراسي وفي المدرسة كموضوع واحد من بين العديد من المواضيع التي تثقل كاهل رجل التربية والتكوين وتعتبر مجهودا إضافيا يجب بذله لإيصال الفكر الأخضر للناشئة، في غياب تكوينات موازية ، اللهم تلك التكوينات التي يستفيد منها منسقو الاندية البيئية والتي تكون في غالبيتها سطحية ولا تلمس العمق مع الإشكاليات البيئية الكبرى التي يعرفها كوكب الأرض.

التربية البيئية عند جان جاك روسو

دمج التربية البيئية في الأنشطة المدرسية ليس بالفكرة الحديثة، حيث يعود تاريخها إلى عصر التنوير في فرنسا، ففي الوقت الذي كان فيه التعليم الشعبي يتطور كان علماء الفكر التربوي والفلسفة يطورون مفاهيم التربية البيئية داخل الفصول الدراسية، كما يذكر جان جاك روسو في مؤلفه “إيميل وشيء من التربية” أول أثر لأهمية التعليم البيئي بما في ذلك مفهوم البيئة، حيث يقدم روسو مفهومه التربوي من خلال استحضار الأساتذة الثلاثة وهم الطبيعة والإنسان والأشياء.
إن مفهوم التربية البيئية من المفاهيم الأساسية في الفكر الإنساني منذ أفلاطون، ويحضر بشكل كبير في الاتجاهات الفكرية والسياسية والتربوية، ويؤكد روسو: “التربية تأتينا من الطبيعة أو من الناس، أو من الأشياء، فنمو وظائفنا وجوارحنا الداخلية تلكم هي التربية الطبيعية وما تتعلم من الإفادة من ذلك النمو، ذلكم هو تربية الناس وما نكتسبه بخبرتنا عن الأشياء التي نتأثر بها، فذلكم هو تربية الأشياء.
ومن خلال ذكر روسو لتربية الأشياء فإنه قسم التربية إلى ثلاثة ضروب: “ومن بين ضروب التربية الثلاثة، نجد تربية الطبيعية خارجة عن إرادتنا، وأما تربية الأشياء فلا تتدخل تحت تربية سلطاننا إلا بمقدار، وأما تربية الناس فتلك دون سواها مطبوعة بنا بحق، بيد أننا لسنا مسيطرين عليها إلا افتراضا، فمن ذا الذي يتطاول فيطمع أن يهيمن الهيمنة جلها على أقوال كل من يحيطون بالطفل وأفعالهم”.
من هنا يبين روسو أن فعل التربية، يتداخل فيه ما هو إنساني وما هو طبيعي وما هو “شيئي”، أي أن لكل ضرب حدوده بحيث أن التربية الطبيعية خارجة عن سيطرة الإنسان، إذ هي خاضعة لشروط بيولوجية وفيزيولوجية بينما فعل الإنسان في التربية يمنح له هامشا من الحرية للتربية وتدجين وإدماج الفرد، أما تربية الأشياء، فهي مزيج بين الخبرات التي نكتسبها في ممارسة فعل التربية، ومحاكاتنا للأشياء.
فإذا كانت بعض المبادئ التي وضعها الفيلسوف جان جاك روسو تبدو قابلة للنقد في نظر رجال التربية والتكوين في القرن الحادي والعشرين، فقد كان جان جاك روسو مع ذلك من أوائل الذين اعتبروا أنه من الضروري جعل التلميذ يعيش الطبيعة ويختبرها ويشعر بها ويفهمها، حيث يربط بين وجوده كإنسان وإيقاعات الأرض.

تطور مفهوم التربية البيئية في القرن العشرين

خلال القرن العشرين، طور العديد من رجالات التربية تدريجيا الممارسات التعليمية والتي شملت الوسط والبيئة، وبالتالي ساهموا في تأجيج التفكير والممارسات حول هذا الموضوع من بينها ما أكده العالم والفيلسوف ورجل التربية الفرنسي سيلستان فرينيت حول أهمية “الاتصال الحقيقي مع الطبيعة” عبر السماح للطفل بالنمو بانسجام مع الطبيعة، حيث كان لدى فريني هذا الاهتمام للسماح للطفل بالتطور والتفاعل مع الوسط الطبيعي كل وفقا لقدراته وملكاته الفكرية “من خلال تلبية” الحقائق الأساسية: “الأرض، الماء، السماء، النار هذه الأخيرة التي تحمل في كثافتها مناشدات أنثروبولوجية لكل من الذكاء والحساسية”.
هذا الاهتمام بدمج التربية البيئية في مختلف جوانب التدريس المدرسي كان أيضا اهتمام جان أوفيد ديكرولي المدرس البلجيكي والطبيب وعالم النفس. في إحدى الأفكار الرئيسية لمؤلف “نحو مدرسة جديدة”، يؤكد ديكرولي أنه “يجب أن توجد المدرسة أينما توجد الطبيعة، وحيثما توجد حياة، وأينما وجدت العمل”، ومع ذلك، فإن مصطلح “التربية البيئية” نفسه وجب أن ينتظر حتى فترة السبعينيات والمخاوف المتزايدة بشأن مستقبل الكوكب حتى ليتم الشروع حقا في استخدامه ونشره على نطاق واسع.

تكيف مفهوم التربية البيئية

في الواقع، تضع التهديدات البيئية والمناخية والمتعلقة بالطاقة المجتمع ككل أمام أسئلة جديدة وملحة تتطلب من الجهات الفاعلة من جميع القطاعات، بما في ذلك التعليم، إعادة التفكير في علاقتها بالكوكب والإنسانية، لذلك تعد المدرسة واحدة من الأماكن التي يجب أن يتم فيها تكريس التربية البيئية، ولكن أيضا التربية على التنمية المستدام حيث يتعلق الأمر بتطوير التربية على المسؤولية وعلى المواطنة على امتداد كوكب الارض، وهذا أمر راسخ تماما وطبيعيا في مهام المدرسة الحالية، هذا ما أكدته الوزيرة السابقة للتعليم الفرنسي ماري دومينيك سيمونيت: “تشكل حقيقة مساعدة التلاميذ في بناء تمثلات صحيحة وكافية حول الأسئلة البيئية تعليما مستعرضا يدمج العديد من الكفاءات المسجلة في البرامج والأطر المرجعية”، وتؤكد أنه يجب أن يتم إجراء التربية البيئية والتربية على التنمية المستدامة، ولكن وفقا لخصوصيات كل مدرسة، فليس من السهل التنفيذ إذن.

صعوبة تنزيل المشروع البيئي بالمدرسة

إذا اتفق الجميع اليوم على الاعتراف بأهمية التعليم في الأبعاد الثلاثة للبيئة والطبيعة، فليس من السهل تماما التفكير في مشروع متعلق بالبيئة في المدرسة، نظرا لضيق الزمن المدرسي، ولقلة الموارد المالية واللوجيستيكية والمعرفية كذلك، ولغياب الدعم من الإدارة، ولشعور رجل التربية والتعليم بالوحدة في مواجهة المبادرات التي يبدو أنها تتطلب طاقة زائدة، مع وجود صعوبات في التواصل مع الزملاء أو التلاميذ أنفسهم، بالإضافة الى الخوف من الانطلاق في موضوع ينظر إليه أحيانا على أنه يتطلب مهارات “تقنية” للغاية، ومع ذلك سيكون من الملح التحرك في هذا الموضوع.

البصمة البيئية الكويتية

ساهم النمط الاستهلاكي الكبير للكويت في ارتفاع البصمة البيئية، لاسيما استهلاك الوقود بهدف توليد الطاقة وتحلية المياه المسمى البصمة الكربونية والذي يمثل أكثر من 80% من نسبة البصمة البيئية المحسوبة للكويت. واحتلت هاته الأخيرة المراتب الأولى عالميا رفقة مجموعة من دول الخليج العربي: قطر والإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية. ويعكس هذا التصنيف العالمي حالة البيئة الحقيقية في الدول المصنفة به ويشير كذلك إلى نسبة استهلاك الموارد مقارنة بقدرة الطبيعة على إنتاجها أو استيعابها.
إن أنماط الاستهلاك المرتفعة للساكنة ذات الدخل الفردي المرتفع كدول مجلس التعاون الخليجي ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ساهمت في تصدرها ترتيب الدول الأسوأ في مؤشر البصمة البيئية باعتبارها تستهلك الموارد الطبيعية أكثر من دول أخرى، ويبقى الجانب الأكبر من ترتيب الكويت ودول مجلس التعاون في هذا التصنيف يعود إلى الاستهلاك الزائد من الوقود بهدف توليد الطاقة وتحلية مياه البحر.

البصمة البيئية لبلجيكا

لدى بلجيكا أثقل بصمة بيئية في العالم بعد الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والدنمارك، وإذا كان سكان العالم يعيشون مثل البلجيكيين، فستحتاج البشرية إلى 4.3 كواكب لتلبية احتياجاتها، وبالتالي سيتطلب الأمر، كوكبا ونصف الكوكب لإنتاج الموارد البيئية المتجددة واللازمة لدعم البصمة البشرية ويعود نصف البصمة البلجيكية إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة باستهلاك طاقة التدفئة في المنازل وقطاع النقل.
عوامل عديدة تصنع من البصمة الإيكولوجية لبلجيكا الأقوى عالميا منها أن العزل الحراري للبنايات في بلجيكا يتم بشكل سيئ للغاية، وهناك عدد قليل جدا من حقول الطاقات المتجددة والنظيفة في حين أن النقل البري كثيف للغاية حيث أن سياسة السيارة الخاصة لمسؤولي الشركات لا تشجع استخدام وسائل النقل العام، وبالرغم من ذلك يمكن لكل مواطن العمل على المستوى الفردي لتحسين البصمة البيئية لبلجيكا عبر خفض استهلاك كميات أقل من اللحوم لأن إنتاجها له بصمة كبيرة.

التربية البيئية ببلجيكا

وأبانت بعض استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها في صفوف التلاميذ ونساء ورجال التربية والتعليم ببلجيكا، أنه فيما يتعلق بمكون البيئة والتنمية المستدامة فإن 45٪ فقط من التلاميذ يعرفون مفهوم الطاقات المتجددة والنظيفة؛ وما يقرب من 9 من كل 10 تلاميذ يتجاهلون أسباب الاحتباس الحراري، وفي المتوسط يعتقد التلاميذ أنه من الممكن للبصمة البيئية للبلجيكيين أن تتضاعف قبل الوصول إلى حد الموارد الطبيعية والمعدنية المتاحة على الأرض، وخلص استطلاع الرأي إلى أن: “نظام التعليم فشل إلى حد كبير في الوفاء بما يجب أن يشكل مع ذلك مهمته الأساسية ألا وهي تمكين كل شاب من أن يصبح مواطنا قادرا على القيام بدور فعال في العمل على تحسين بصمة بلده الايكولوجية”.

التربية البيئية لدى إدغار موران

إلى جانب الصعوبات المذكورة سابقا، دعونا لا ننسى أيضا أنه نظرا لأن الأمر يتعلق بالتفكير في القضايا العالمية والمستعرضة، فغالبا ما يكون من الضروري تجاوز أطر العمل المعتادة والبدء في تفكير معمق، سواء من حيث التدريس أو المحتوى، دعونا نتذكر حول هذا الموضوع اقتراحات إدغار موران صاحب كتاب: “المهارات السبع لتعليم المستقل” الذي يقدم منذ سنوات توجيهات للتعليم، لمواجهة تحديات المستقبل، أكد على أهمية منظور منهجي ومتعددة التخصصات من أجل إعطاء معنى لتعلم الشباب في بيئة طبيعية واجتماعية وتقنية معقدة، حيث تستحق هذه اللعبة كل هذا الجهد ويمكن أن توفر العديد من الأمثلة المثيرة خيوطا وأفكارا حتى نتجنب بعض المزالق، عبر الاستلهام من الخبرات الملموسة و”التراث التربوي” الموجود عند البدء في مشروع تربوي جديد، قد يشعر المعلم بالحاجة إلى نقاط مرجعية، سواء كانت منهجية أو مضمونة، فهناك عدد كبير من الشهادات، وتقارير المشاريع المنفذة، وسبل التفكير، وأمثلة على الأدوات التعليمية المتعلقة بـالتربية البيئية، التي اشتغل عليها متخصصون تربويون وبشكل أكثر تحديدا حيث يتعلق العنصر الأول بحقيقة أن أي مشروع للتربية البيئية يجب أن يتجاوز بشكل مثالي الفصل الدراسي المعتاد وأن يصبح قدر الإمكان مشروعا مدرسيا كاملا يعني فصل التربية البيئية عن التعليم الاعتيادي في الفصل الدراسي بكل تقنية.

المشروع البيئي مشروع مدرسي بامتياز

ويعد مشروع من هذا النوع بالفعل فرصة مثالية للعمل على عدة مستويات ولكن أيضا مع فرق مختلفة تعمل في المدرسة: المعلمين وطاقم المطبخ وطاقم الصيانة حيث يمكن للتلاميذ عند إدماجهم في المشروع أن يتدخلوا لتحسين وسطهم التعليمي لجذب الصغار للمشاركة في العملية التربوية البيئية بامتياز، أو ما يسمى التعليم بالنظير، حيث من المفروض على فريق عمل المشروع المكون من التلاميذ إيصال مخرجات المشروع التربوي البيئي إلى كل أصدقائهم وزملائهم في الفصل الدراسي، هذا ما يخلق التآزر باستخدام المهارات التكميلية، مع تعزيز اتساق الإجراءات.
فصل الأنشطة البيئية التي تستهدف تكريس التربية البيئية داخل الوسط المدرسي تجعل من الممكن أيضا عدم تقييد الوعي بالنهج الإيكولوجي اتجاه البيئة، ولكن أيضا على سبيل المثال، النظر في جوانبه الاقتصادية والاجتماعية، ولكن قبل الشروع في أي مبادرة بيئية داخل المؤسسة التعليمية تضم عدة مجموعات وعدد كبير من التلاميذ، يفضل الكثيرون تنفيذ المشاريع الصغيرة أولا، حيث الكلمة الأساسية هنا هي للتجريب ولاختبار التعاون مع الجمعيات شيئا فشيئا، واستخدم الأدوات التعليمية ذات الصلة مع مختلف الهياكل، وإدماج مجموعة من الشركاء من خارج المؤسسة التعليمية لإنجاح المشروع وتوسيع رقعة مستفيديه، وما إلى ذلك، وتدريجيا يمكن أن يصبح حماس التلاميذ المدمجين في المشروع والفاعلين بامتياز عاملا من عوامل محاكاة الآخرين.
ومع ذلك، من المهم أيضا ألا تقتصر المشاريع البيئية التي يتم تنفيذها في المدارس فقط على “الإدارة البيئية” ولكن لمساعدة التلاميذ على التفكير بشكل مختلف في علاقتهم بالبيئة والتنمية المستدامة والعيش في الطبيعة في سلام وطمأنينة وانسجام تام مع جميع مكونات المنظمات البيئية.
“دمج التربية البيئية في المدرسة ورش مفتوح بالمغرب”

بالمغرب شاركت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في تأسيس الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، وساهمت في تطويره خلال جميع المراحل من إعداد المسودة الأولية للميثاق إلى المشاورات الوطنية والإقليمية والانتهاء من الموافقة خلال دورة المجلس الوطني للبيئة وتنفيذ الإجراءات المصاحبة، وتركز إستراتيجية دعم تنفيذ الميثاق التي طورتها الوزارة على تأسيس ثقافة بيئية مدنية ودمج التربية البيئية في العملية التعليمية وتأهيل رأس المال البشري من أجل تضمن إدارة مثالية للبيئة، وللقيام بذلك حرصت الوزارة على مراقبة تفعيل الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة على مستوى المدارس وإرساء ممارسات بيئية جيدة من حيث السلوك الفردي والجماعي، ويتم ضمان هذه المراقبة من قبل المنسق الوطني والمنسقين الإقليميين الذين يشرفون على جميع الإجراءات المتعلقة بالاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، بالإضافة إلى جميع الاستراتيجيات والبرامج الوطنية الأخرى المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة وذلك من خلال “النوادي البيئية” التي تمثل أكثر من ثلثي الأندية التعليمية المدرجة في المدارس، وتجدر الاشارة الى أن الوزارة اتخذت شعارا لها للعام الدراسي الحالي: “من أجل مدرسة مواطنة” التي تعتبر عنصر “التنمية المستدامة” جزءا لا يتجزأ منها.
وتشكل البيئة إحدى ركائز التنمية المستدامة، التي تعتبرها الأمم المتحدة حاسمة بالفعل لنجاح أهداف التنمية المستدامة الأخرى التي حددتها هذه الهيئة، وبالنسبة للمغرب، فإن دمج البعد البيئي والتنمية المستدامة في عروضه التكوينية هو بالتالي ضرورة فرضت نفسها، حيث يشهد المغرب حاليا زيادة مستمرة في الدبلومات الجامعية والمعاهد العليا وفي الدورات التكوينية المؤدية إلى المهن البيئية، ويتم توفير التدريب البيئي من قبل كليات العلوم والتكنولوجيا، وكذلك من قبل كليات الهندسة في المجالات المتخصصة، لا سيما في الطاقات المتجددة، وحماية التربة، وإدارة المياه ومعالجتها، والصرف الصحي، والتنوع البيولوجي.
أما فيما يتعلق بالتربية على البيئة والتنمية المستدامة فإن الهياكل المختلفة والمسؤولة عن تكوين نساء ورجال التعليم ولا سيما المراكز الإقليمية لمهن التربية والتكوين، والتي تقدم دورات تدريبية أولية لفائدة الاساتذة والمفتشين وأطر الإدارة، تتكون من مجموعة متماسكة من الوحدات التي تهدف إلى تزويد مدرسات ومدرسي المستقبل بالمعرفة والمهارات المتعلقة بالتربية من أجل التنمية المستدامة.
من السهل نسبيا إعداد الأنشطة المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة وتقديم مثل هذا التنوع بحيث لا يمكن لأي مدرسة اليوم أن تدعي أنها لا تستطيع الوصول إليها، فمجرد إلقاء نظرة على إنجازات المدارس الإيكولوجية ومنتجات الصحفيين الشباب من أجل البيئة المنفذة في إطار الشراكة مع مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، للتعرف على أثر البرامج المختلفة على سلوك التلاميذ، كما تميز المغرب عام 2018 في مجال حماية البيئة في إطار “جائزة زيد المستقبل للطاقة” التي حصل ضمنها على “جائزة الابتكار الإفريقي”، لفائدة مؤسسة عودة السعدية في مراكش، كما صنفت اليونسكو التجربة المغربية في مؤتمر ناغويا باليابان من بين أفضل 25 تجربة في العالم في مجال التربية البيئية والتنمية المستدامة.

أول مدرسة إيكولوجية كندية

افتتحت المدرسة الفرنسية الدولية في فانكوفر أبوابها في عام 1997 وأصبحت تحمل اسم: “المدرسة الفرنسية الدولية كوسطو” منذ 14 مارس 2013، مضيفة توجها بيئيا إلى مناهجها من خلال إقامة شراكة مع مؤسسة كوسطو للتربية البيئية ومؤسسة حوض السمك بفانكوفر، إنها المدرسة الوحيدة في إقليم “كولومبيا البريطانية” الكندي التي تقدم برنامجا مشتركا معتمدا من وزارة التعليم الفرنسية ووزارة التعليم بحكومة إقليم كولومبيا البريطانية، مدرسة التميز التي تقدم أفضل ما في البرنامج التربوي التعليمي الفرنسي والبرنامج التعليمي البيئي الكندي.
وعملت المدرسة منذ عام 2016 للحصول على اعتماد “المدرسة البيئية”، وهي شارة بيئية تمنحها المنظمة الدولية للتربية البيئية، مشروع انطلق بالدانمارك منذ عام 1994 وانخرطت فيه 67 دولة و اكثر من 50000 مؤسسة تعليمية ابتدائية و التحقت فرنسا بالبرنامج عام 2005 والمغرب عام 2006، ويعتبر برنامج المدارس الايكولوجية مشروعا يوعي الأطفال بأهمية مواجهة التحديات التي تواجه العالم فيما يتعلق بحماية البيئة، والتربية على التنمية المستدامة حيث أصبحت الاستدامة أولوية كبرى لمدرسة كوستو الكندية.
وتتمثل الرغبة في التأكد من أن التلاميذ سيكون لديهم القدرة على تغيير العلاقة مع البيئة من خلال استثمارهم في المشروع التربوي منذ سن مبكرة جدا، من خلال اللعب والأنشطة المدرسية الموازية، حيث يتم تطوير الاليات لتعليم مسؤول اجتماعيا حيث تكون البيئة والسلوك المدني في قلب الاهتمامات، بينما تركز المشاريع على الإجراءات العملية التي تصمن ان يتعلم الطلاب عاما بعد عام التصرف في حياتهم اليومية وعلى نطاق أوسع في المجتمع المحيط.
وتعزز مدرسة كوستو في فانكوفر الكندية التعليم الذي يركز على المسؤولية البيئية بالإضافة إلى التحديات البيئية، خلق مساحات جديدة حيث الأطفال هم الفاعلون الرئيسيون في إنقاذ الكوكب، ويوضح آلان ديلاوي مدير مدرسة كوستو في فانكوفر: “إن كيفية إشراك الأطفال في هذا المشروع لا تقل أهمية عما نقوم به”.
واحتفلت المؤسسة مؤخرا باعتمادها لبرنامج المدارس البيئية بحفل رفع شارة منظمة التربية البيئية العالمية، العلم الأخضر الذي يعلن انضمام مدرسة كوسطو لعالم المدارس الإيكولوجية التي ستنتج دماء جديدة ستغذي في غضون السنوات القليلة المقبلة شرايين حركة الشباب من أجل المناخ الكندية والتي تشتغل منذ سنوات على إعلان حالة الطوارئ المناخية.