الكاتب: محمد الجميلي من إسبانيا

لم ينته الدارسون للظاهرة الترامبية إلى خلاصات واضحة لمعالم تميزها عن غيرها من المدارس في الحكم التي عرفتها أمريكا رغم كثرة الأتباع و المناصرين، الظاهرة الترامبية بالإضافة لإحيائها للشعبوية و الحركات اليمينية حسب مؤرخ البيت الأبيض، فهي لا تقف على أرضية فكرية أو فلسفة سياسية قائمة بذاتها كما يقول الأستاذ محمد الشرقاوي، ببساطة هي “مزيج من نرجسية و ارتجالية و اعتداد بالقوة و شراسة في الخطاب”، و بذلك فالنزعة الترامبية لم تقدم أي جديد يعتد به في مسار النموذج الديمقراطي الأمريكي بل كانت وبالا عليه فلأول مرة منذ الحرب الأهلية الأمريكية تحتاج ديمقراطية مرجعية  في النسق الغربي  لانتشار تشكيلات أمنية حول الكونغرس و العاصمة استحالت معه العاصمة إلى “ثكنة عسكرية” لضمان إنتقال سلطة يفترض فيه السلاسة و سط مخاوف أمنية جدية من تحركات محتملة لأنصار رئيس تمرد على القواعد المرعية، و يعينه على ذلك جماعات من اليمين المتطرف مدججين و عنيفين، و بشكل مهم جماعات دينية يزاوجون بين العرقية بما تعنيه من تفوق للعنصر الأبيض و “الحق الإلهي” في ريادته و رفاهيته، و من المفارقات بروز طبقة من الأنصار في صفوف المهاجرين خاصة اللاتينيين ” لاتينيون من أجل ترامب” … من الواضح أن أنصار ترامب غير معنيون باستمرار النظام، و المنهجية الديمقراطية بقدر ما يهمهم الإنتصار لايديولوجيا شوفينية فوضوية، و زعيم جسد و أحيى فيهم هذه الحمية و العصبية البيضاء…هذه الأحداث الغير المسبوقة جعلت النخبة و النظام في حرج شديد، مرد هذا الإحراج تصدر أمريكا كرسي الوعظ و الإرشاد الديمقراطي و الحقوقي في العالم بل استعملت هذه القيم كمبرر للتدخل وغزو البلدان، فإذا بها تجد نفسها أمام منعرج خطير و مشهد عالم ثالثي يرفض قواعد اللعبة الديمقراطية و يسعى لفرض الرؤية الأحادية عبر تمرد مسلح لرئيس حادث  على المشهد السياسي مصاب ب”داء الديكتاتورية” أربك منهجه الفوضوي النموذج الديمقراطي الأمريكي ، هذه الأحداث ” فتحت شهية الكثيرين في العالم العربي للسخرية من الديمقراطية الأمريكية، بل والتشكيك في فكرة الديمقراطية¨DW¨، و امتد الأمر إلى لمناوئي النظام الأمريكي و الرأسمالية الغربية منحتهم غزوة الكابيتول الفرصة للإنتقاص من هذا النظام و ازدراءه. في هذا السياق اعتبر رئيس أكبر دولة ناصبتها أمريكا ترامب العداء روحاني: ” أحداث الكونغرس دليل على أن الديمقراطية الغربية فاشلة وضعيفة وبلا أسس قوية”.RT. سي إن إن ترى أن البحث عن أوجه التشابه بين أحداث أمريكا  “و ما يحدث في أماكن أخرى، في البلدان التي يشار إليها غالبًا باسم “العالم الثالث” أو “النامية” أو “هناك”  سطحية مهما يكن” فلا وجه للمقارنة، لكن التقليل من خطورة ما جرى و التحديات الأمنية التي جعلت منتخبين يشعرون بخطر الموت في “معبد الديمقراطية” أثناء المصادقة على نتائج الإنتخابات و استمرار التهديد إلى يوم التنصيب، لم يمنع المحليلين و المتابعين من عقد أوجه التشابه بين هذه الاحداث، و ما حدث و يحدث في باقي دول العالم في السياق شبه أستاذ النزاعات الدولية محمد الشرقاوي في تدوينية  الإجراءات حول الكونغرس بالمنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد حيث قال : “وأخيرا، المنطقة الخضراء في قلب اشنطن! هي مفارقة تلغي عشرات الآلاف من الكيلومترات عندما تحاكي التدابير الأمنية الإضافية  في واشنطن ما تشهده بغداد منذ 2003، ويتماهى الوضع الأمني ويتساوى القلق لدى العراقيين من تفجيرات محلية التدبير مع خشية الأمريكيين مما أصبح إرهابا محليا أبيض غير متنازع على اصطلاحه بهذه العبارة”، تشبيه الوضع بالحالة العراقية سحب كذلك على أحداث الإقتحام الفوضوي للكونغرس و مشاهد لأنصار ترامب وهم ينهبون و يحملون قطع أثاث الكابتول…لعل أكثر صور التشابه التي أثارت الكثير من الجدل أيضا و ضع الرئيس المنتهية ولايته تحت “الحجر التويتري” و منعه من “حرية التعبير”على منصات التواصل الجماهيري، و خاصة عبر “تويتر” الذي علل قراره بتجميد حسابه  بشكل دائم بحماية “للسلم العام”، مهما كانت المبررات فنحن أمام ضرب إحدى مكاسب أمريكا التي كانت تفاخر بها “الأنترنيت الحر”، و هي التي ما انفكت تدافع عن حرية النشر على الأنترنيت في المجتمعات التي كانت توصف بالمغلقة لما تقوم به من أجراءات منع و مراقبة… قرارات الحظر، و فحص و مراقبة المحتوى، أثارت حفيظة الحلفاء الأوروبيين في الصدد سجلت السيدة ميركل تحفظات بشأن الطريقة التي حظر بها تويتر حساب الرئيس الأمريكي، المنتهية ولايته، دونالد ترامب.وأضافت ميركل أن المشرعين، وليس الشركات الخاصة، هم من يتعين عليهم قرارات بشأن وضع أي قيود ضرورية على حرية التعبير”bbc. من خارج المعسكر الغربي كان للروس تعليق لطيف فبينما تحدت مدفيديف عن “الرقابة المسعورة” ، و “الديكتاتورية الرقمية”!، اعتبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا،” حجب حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على الشبكات الاجتماعية بمثابة “الانفجار النووي” في البيئة السيبرانية، وأنه ضربة للقيم الديمقراطية التي أعلنها الغرب” سبوتنيك.
الترامبية وضعت النظام و مؤسساته أمام تحد كبير مع ما قد يحمله هذا من عناصر التفجير و التفكك فهي غدت العنف و العنصرية و الفوضوية anarquismo . و لئن قدر للمؤسسات الأمريكية كبح و ضبط هذا الجموح و تكبيل متزعمه بالمحاكمة و العزل و لو بأثر رجعي، فقد ترك لخلفه حملا ثقيلا و مسؤولية كبيرة عنوانها الكراهية و الانقسام