مصطفى المنوزيمقالات الرأي

بالتي هي أحسن كلما توافقت إرادة الصدفة مع قانون المصادفة – الحلقة الثالثة

( واقعة رحيل المجاهد بنسعيد وذكرى وفاة المستشار السلاوي)
الحلقة الثالثة
ظلت علاقة إدريس السلاوي بقيادات الحركة الوطنية والتقدمية تنمو عبر قنوات صداقته بقدماء الشبيبة الإستقلالية من بينهم محمد الطاهري (عين كاتبا للدولة المكلف بالتربية الوطنية في حكومة أحمد بلافريج في ماي 1958 ) ومحمد الحبابي ( أحد قياديي الإتحاد (الوطني ) الإشتراكي للقوات الشعبية وشغل مدير الديوان للفقيد عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد والمالية في حكومة عبد الله إبراهيم في ستينيات القرن الماضي) ثم الدكتور عبد الهادي مسواك ( مناضل شيوعي وجراح وأول اختصاصي في الأذن و الحنجرة والأنف ) ، وطبعا العلاقة ( الخفية الدائمة ) التي تعمقت و ترسخت و تسيست لاحقا في عهد الحسن الثاني ، مع كل من الفقيد عبد الرحيم بوعبيد ومحمد صفي الدين الملقب بحسن الأعرج ، هذه العلاقة التي تسببت بنفس القدر في توتر علاقته بالقصر ، وخاصة خلال فترات محددة بعينها ، وعلى سبيل المثال فترة ما بين تأسيس الكتلة الوطنية ، أي ما بعد وقائع حالة الإستثناء وحصول المحاولتين الإنقلابيتين ، وفي كل مرة تتوتر فيها العلاقة بين الدولة والمعارضة ؛ ولهذا ” الشر الذي لابد منه ” ؛ يحرص الراحل الحسن الثاني على الحفاظ على شعرة ” السلاوي ” بالتأنيب دون التأديب المفضي للقطيعة الكبرى ؛ وعلى خلاف طريقة التعامل مع بقية المستشارين الآخرين ، فرغم شخصه الكتوم فكان بالنسبة للملك رجل المنعطفات الوطنية الصعبة ؛ والجميع يعرف دوره الإستراتيجي في القضية الوطنية ( الصحراوية ) بحكم تكوينه في مجال العلاقات الدولية والقانون الدولي العام ، ناهيك عن علاقاته ” المعرفية القانونية والحقوقية والأكاديمية ” مع فقهاء وقضاة محكمة لاهاي وكافة الدبلوماسيين ، فهو المشهور بنقده العلمي والحقوقي لنظرية ” التدخل الإنساني ” التي كانت بعض الدول ” العظمى ” تعتمدها للتدخل في الشؤون الداخلية للدول ” الخصم ” . لقد كان الدكتور إدريس السلاوي يعتبر أن مفهوم ” التدخل الإنساني ” في ذاته عودة للنزعة الإستعمارية لمن يتوفر على أدنى معرفة للتاريخ . ( سنعود إلى موقعه الدبلوماسي في قضايا إنسانية عالمية وعلاقته ببعض زعماء الدول ) . إنه على إثر فشل محاولة إنقلاب 10 يوليوز 1971 وما تداعى عنه من إشاعات وتوزيع إتهامات هنا وهناك حول تورط العديد من رجال الدولة وزعماء هيئات سياسية وحول شبهة تواطئهم مع الإنقلابيين العسكريين والمدنيين ، خاصة بعد تعيين الراحل الحسن الثاني للجنرال محمد أوفقير وزيرا للدفاع ، تم إعفاء إدريس السلاوي من مهمة مدير عام الديوان الملكي وذلك في بحر غشت 1971 ، وهي المهمة التي جاء إليها من منصب وزير العدل والذي عين فيه منذ يناير 1968 قادما إليها من مهمة والي بنك المغرب المعين فيها في غشت 1964 . وسوف يلاحظ المتتبع أن شهر غشت سيظل يلاحق مساره في كثير من المحطات الحاسمة ، وعلى الخصوص واقعة الإعتداء على الطائرة الملكية في 16 غشت 1972 ، وهي التي سنخصص لها حيزا خاصا لاحقا ) ، ولنتابع بأن الراحل إدريس السلاوي ، منذ عزله والغضب عليه ؛ عفوا أو إعتزاله مجال السلطة ، سيعود للمدرجات لتدريس الحقوق بكلية الدارالبيضاء ؛ وفي غشت (مرة أخرى ) من سنة 1974 سينادي عليه الحسن الثاني ويعينه ممثلا دائما للمغرب لدى الأمم المتحدة وهو منصب سيظل به إلى حدود غشت ( مرة أخرى ) 1976 ، وكان المغرب السياسي بصدد تفعيل ” أدبيات وتوصيات ” التسويات السياسية المبرمة مع الحركة التقدمية ( بزعامة علي يعتة وعبد الرحيم بوعبيد وكلاهما رفيق وصديق سابق لإدريس السلاوي ) ، والتي قامت بمراجعات وغيرت أسماء احزابها بعد رفع المنع عنها . وسيظل تحت الملاحظة والتجريب إلى صيف 1977 ، والمشهد السياسي والحزبي في خضم أول إنتخابات تشريعية بعد حالة الإستثناء ، حيث سيعين رسميا في 10 أكتوبر 1977 مستشارا للملك الحسن الثاني ، وسيظل في هذا المنصب إلى غشت 1986 حيث سيلتحق في شتنبر من نفس السنة بالأمم المتحدة بصفته ممثلا دائما للمغرب ، وعلى إثر إنطلاق ” الحوار ” مع الكتلة الديموقراطية (وهي التكتل الذي رأى النور يوم 17 ماي 1992 كإطار من أجل تنسيق مواقف الأحزاب المكونة لها: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الاستقلال، التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. كان الهدف المعلن توحيد جهودها في نضالها الموحد من أجل تحقيق مطلب الإصلاح )، سيعود إدريس السلاوي إلى مربع الإستشارة الملكية ، وهذه المرة ليرتقي إلى مهندس للتناوب التوافقي إلى أن لقي ربه في 7 فبراير 1999 .
و إن كل معطى من المعطيات سالفه يتطلب صفحات بل كتبا ، لأنه في التفاصيل تسكن الحقيقة الوطنية ، وفي الحلقة المقبلة ، سوف نعرج ، بالإسترجاع ، على التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية وتأثيرها على المغرب وخياراتها الدبلوماسية وخاصة على مستوى القضية الفليسطينية وتداعيات الثورة الإيرانية وقرارات الدولة في العلاقة مع تدبير الشأن الديني وتأثير ذلك على العلاقة مع الحركة التقدمية ، فما دور مستشاري الملك في هذا الزمن السياسي الخاص والذي شكل العقد الأخير منه فرصة لبعضهم للمساهمة في إنقاذ الوطن أو النظام خارج منطق ثنائية العنف أو التسوية ؟
يتبع في الحلقة الرابعة .
مصطفى المنوزي
منسق منتدى ضمير الذاكرة والسرديات الأمنية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube