د. محمد الشرقاوي

لا تكفي مقولة “امرأة بألف رجل” في تأبين روح ناشطة ومدافعة من العيار الثقيل عن حق المستضعفات في الأرض، ممن اكتفى القاموس المغربي بهندسة تسمية خاصة: “أمهات عازبات”. ولم يكترث جل أهل البحث العلمي بمعضلتهن أو كيف نضفي على وضعهن النفسي والمجتمعي والاقتصادي شرعية البحث وبلورة رؤى جديدة قد تتحول إلى سياسات عامة. والمسكوت عنه أن وضع الأمهات العازبات هو جوهر “العنف البنيوي” الذي تحدث عنه مؤسس دراسات السلام يوهان غالتون.

ونزيد في الطين بلّة بعنف ثقافي إضافي عندما يتحلل كثيرون منّا في المجتمع من الاعتراف بأن لتلك الفتيات حقا في الحياة، وحقا في الخروج من الزوايا والظلال المظلمة. والعنف الثقافي لا يرحم في تسويتهن في أغلب الأحاديث بمن لم تكترث بأخلاقهن وخرجت إلى أقدم تجارة ذاتية جدا في التاريخ. لكن الفرق شاسع بين الفئتين إذا تجاوزنا العدسات المعيارية باسم العرف والدين والأخلاق وقيم المجتمع.

معضلة الإصرار على التخيل المعياري للواقع ينال أيضا من حقيقة الاعتراف بما قامت به عائشة الشنا منذ 1959، عندما استهلت عملها التطوعي ضمن جمعية حماية الطفولة والعصبة المغربية لمحاربة داء السل. وصمّمت، من حيث تدري أو لا تدري، على أن تكون مناضلة ضد العنف البنيوي والعنف الثقافي عندما أسست منظمة تولّت مساعدة النساء العازبات وضحايا الاغتصاب، وتقديم الدعم النفساني والمادي بتدريبهن على الطبخ والحياكة والمحاسبة وغيرها من المهارات، من أجل الاعتداد باستقلالهن وادماجهن، هن وأطفالهن، في المجتمع.

ليست عائشة الشنا مجرد ناشطة اجتماعية أو مجرد فاعلة خير وإحسان، بل نظرتها الواقعية وتضامنها الإنساني الخالص مع تلك الفتيات تعيسات الحظ، وتمسكها بالتغيير المجتمعي طيلة 63 عاما يرقى بها إلى مقام الأم تيريزا، وأنا إلينور روزفلت وبقية العظيمات في التاريخ الحديث. ما فعلت هذه السيدة لتغيير مأساة فئة ليست بالقليلة من سيدات المجتمع المغربي أرفع قيمة وأكثر نفعا مما تعد به عدة أحزاب وهيئات سياسية، بل تفوقت أيضا على كثيرين من حملة شعار “خدمة المجتمع المدني”.

لك الرحمة والغفران أيتها الأيقونة في جنات الخلد. ومن سمو تركتك الإنسانية ينبغي أن يعاد تحديد مفهوم “المجتمع المدني المغربي” في فهم واقع مجتمعك، والالتزام الثابت بمبادئك، وتحقيق نتائج ملموسة بحماية من ترميهن الأعراف الثقافية وتأويلات الدين إلى عتمة الظلام!

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube