منعم وحتي

كنت أبلغ من العمر 6 سنوات حينها، وقد بصم ذاكرتي تاريخ 10 و11 أبريل 1979، لم يذهب والدي للعمل، وظلت المناشير النقابية للدعوة لإضراب رجال التعليم تملأ المكان، لم يخبرنا والدي بأي شيء، لكن همساته ووالدتي عن بعد تشي بتوتر غير معلن، كانت السيارات من نوع R4 ميم حمراء لا تفارق محيط بيتنا، لكن عقلنا الصغير لم يكن يستوعب حجم الأضواء الكاشفة المسلطة على المكان.

مر اليومان، واستمر مكوث والدي بالبيت، وضع غير معتاد بالنسبة لنا و نحن صغار أن لا يلتحق المُدَرِّسُ، أبي، بفصله بالمدرسة المجاورة، واستمر الوضع أياما متوالية، وحاول أبي أن لا يُشعرنا بأي مركب نقص، وقد أحاط الموضوع بتكثم شديد، لم أعرف التفاصيل إلا من أقراني في المدرسة، صور لي البعض والدي كمصارع أسطوري من زمن الحكايات الخرافية، والبعض الآخر يخشاني ويتكلم معي بصوت خافت عن أبي كخارج عن الملة والدين، وآخرون نظروا إلي بعين الشفقة، فهمت بعقلي الصغير إذاك أن شيئا جللا قد وقع وكان البطل أبي.

تذكرت الاجتماعات المارطونية لوالدي ومحيط أصدقائه والكلام الكبير الذي يتداولونه، كنت استرق السمع أحيانا عن غير قصد، لم أفهم جله، لكن صرامة الحديث وجديته تؤشر إلى أن أمرا يدبر و أن الأمر جلل، علمت بعدها أن أبي كان يقود معركة كبرى لإنجاح معركة 10 و 11 أبريل 1979 وكانت فعاليتها ونجاحها واسعين جدا، تابعت بعدها توقيف والدي عن العمل بسبب نشاطه النقابي، وكان خطاب الحسن الثاني إذاك بطرد المضربين عن العمل، انتقاما من جرأة قيادة المعركة إلى مداها والتشبث بمطالب الزيادة في الأجور والأسعار كانت في ارتفاع صاروخي.

كان والدي حريصا على أن لا نشعر بأي مركب نقص وهو معطل عن العمل قسرا وبأمر السلطات العليا، إلى درجة أنه كان يصر على بعثنا في الرحلات المدرسية وسط أقراننا حتى لا نحس بأي نقص أو تحسر نفسي بين زملائنا، مرت على هاته العواصف 18 شهرا بالتمام و الكمال، ولا. يفارق ذاكرتي ما حييت أن صاحب محل البقالة المجاور، لم يكن أيضا يردنا عن أي شيء نحتاجه طيلة هاته المرحلة الصعبة، وعلمت بعدها أن دفتر ديون والدي بقي يتراكم طيلة هاته المدة حتى انتهاء التوقيف بعد فترة طويلة وعودة والدي لمزاولة مهنته، حيث سدد الدين بالتقسيط، ولا أنسى نضالية وتضامن بقية الرفاق والمعارف الذين امتلكوا جرأة تضامن سنوات الرصاص، ولكن ذاكرتي موشومة ببقال من نواحي سوس بادر إلى تضامن بهذا الشكل الأسطوري لأنه كان فعلا يمتلك جرأة نادرة في مراحل شد الحبل هاته.

الزمان غير الزمان، لكن الأكيد أن توقيف أو إعفاء رب أو ربة أسرة عن العمل لسبب سياسي أو نقابي له توابع اجتماعية ونفسية تقتضي مسؤولية جماعية لإيقاف مآسي الأسر، وتكرر هاته الإجراءات التعسفية تفرض علينا تفعيل شعارنا الذي رفعناه كشرط لطي صفحة انتهاكات سنوات الرصاص: “حتى لا يتكرر هذا”.

منعم وحتي.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube