عبد المجيد بن شاوية

أمام المواقف الدبلوماسية للعديد من الدول الإفريقية والأوربية وغيرها من الدول الأخرى من بقاع العالم تجاه ملف الأقاليم الصحراوية بالجنوب المغربي، من وراء طرح المغرب سنة 2007 لصيغة مقترح أكثر واقعية ومعقولية لإنهاء الصراع الدائر بين المغرب والبوليساريو، المجسد لحكم ذاتي تحت السيادة المغربية، مثمنة له كحل نهائي لنزاع دام قرابة الخمسة عقود من الزمن، ومعترفة بمدى جديته وواقيته السياسية، بدأ العد العكسي في اتجاه خنق الأطروحة الموهومة للبوليساريو، واندحار الدبلوماسية الجزائرية وحتى طروحاتها المعتمدة لديها في دعمها لحركة البوليساريو الانفصالية منذ افتعال الأزمة سنة 1975، في زمن كانت فيه الحرب الباردة في عنفوانها ودرجات الاستقطاب الإيديولوجي في مستوياتها القصوى بين معسكرين في شد وجذب للحلفاء من كل بقاع المعمورة.
وتفاعلا مع هذا المقترح المغربي – الحكم الذاتي – كإطار مؤسساتي في كنف سيادة الدولة المغربية وحفاظا على / وتكريسا للوحدة الترابية الوطنية، في أفق إنهاء الصراع المفتعل، تتوالى المواقف الداعمة له من قبل الدول سواء باعتماد قنصليات بالأقاليم الجنوبية أو اعترافا وتأكيدا في علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع المغرب بجدية الطرح المغربي الأكثر استجابة للتاريخ والسياسة ولمقومات الوحدة الترابية للمغرب، وعلاقاته بالعديد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الخطورة القصوى على أمن واستقرار كل الدول، سواء جنوب المتوسط أو شماله، ناهينا عن تجاذباتها وتداعياتها على مستويات عديدة في العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الدول شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، من خلال تصوراتها توجهاتها الإستراتيجية والجيوسياسية والجيوبوليكية في إطار علاقاتها الدولية وتشابكاتها المصلحية.
ملف الصحراء والأمم المتحدة:
لفهم خلفيات النزاع المفتعل على أراضي الجنوب المغربي، يجب الرجوع إلى محطات تاريخية سابقة تعود إلى قرون من الزمن قد خلت، ارتباطا بالسياسات الاستعمارية الأوربية، والتي خلفت آثارها الوخيمة على المنطقة المغاربية، ففي عام 1476 نزل الإسبان على سواحل الصحراء لصيد السمك، وبعد سنوات تصدى لهم سلطان المغرب عام 1527 أيام دولة السعديين، وتتوالى الأحداث على مسرح الصحراء بين الإسبانيين والمقاومين الصحراويين وجيش التحرير، الرافضين للاستعمار الإسباني وحتى الفرنسي في محطات مقاومة عديدة ضدهما معا في الجنوب المغربي، إلى أن وصلت إلى أروقة الأمم المتحدة سنة 1963، وصدرت قرارات بصددها خاصة أول قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (xxi 2072) القاضي بإنهاء الاستعمار الاسباني للمنطقة الصحراوية سنة 1965، وقبل هذا القرار ” في 1963 صنفت الأمم المتحدة الصحراء الغربية ضمن الأراضي التي لا تخضع لحكم ذاتي، والتي ينطبق عليها ما يعرف بتصفية الاستعمار “، ردا على الخطوة التي أقدمت عليها السلطات الإسبانية الاستعمارية التي أعلنت سنة 1961 أن الصحراء الغربية ” محافظة إسبانية “
ففي هذا الإطار تم تدويل ملف الصحراء ودخول الأطراف المعنية بهذا النزاع، وهي المغرب وموريتانيا وإسبانيا، مما جعل الأمم المتحدة تنظر في هذا الملف على خلفية الإدعاءات لكل منها وخاصة إسبانيا وموريتانيا، بعد أن قدمت عريضة كل منهما تدعي أن الصحراء جزء منها في مقابل المغرب الذي بدوره يعتبر الطرف الأساسي في هذه القضية التي تشكل محور قضيته الترابية المصيرية في خطواته لاستكمال وحدته الترابية من جهة الجنوب، في مواجهة الاستعمار الإسباني، وهو ما حمل الأمم المتحدة على مناقشة الملف سنة 1966 في الدورة 22، مما دفع الجمعية العامة إلى إصدار قرارها رقم (XXI 2229) القاضي بتنظيم استفتاء في الصحراء لتقرير مصير المنطقة.
والجدير بالذكر أن في هذه الفترة التاريخية كانت الجزائر إلى جانب المغرب ولا تنازعه في أقاليمه الجنوبية سواء دبلوماسيا أو سياسيا أو دعما لطرف ما ضدا على مشروعية مطالبه، ولم تكن لها مطامع في المنطقة، حيث في ” 15 يونيو/حزيران 1972 انبثقت مفاوضات بين المغرب والجزائر عن معاهدة حول الحدود المغربية الجزائرية نصت على اعتراف المغرب بجزائرية تيندوف، والمشاركة في إنتاج وتسويق حديد تيندوف، ودعم الجزائر لمغربية الصحراء”، إلا أن رياح التوترات العاصفية فيما بعد زجت بالبلدين في خلافات سياسية وإيديولوجية ضربت حبل ود التفاهمات السابقة وقطعت أواصر التعاون والدعم الموروثة عن فترات التلاحم الأخوي إبان مواجهة الاستعمار الفرنسي للمنطقة المغاربية، فدخلت الجزائر على الخط في دعمها لتيار صحراوي كان في البداية يقاوم الاستعمار الإسباني في حركة تحريره النضالي لإجلائه عن المنطقة الصحراوية بالجنوب المغربي، لينقلب على توجهاته الأيديولوجية المؤسسة لحركته التحريرية في تصفية الاستعمار للمناطق الصحراوية، وبذلك أصبحت الجبهة انفصالية منحت لها الجزائر منطقة تندوف لمباشرة مشروعها العسكري العدواني ضد المغرب، بدعم من الجزائر وأطراف أخرى في ظل التقاطبات الإيديولوجية الحاصلة آنذاك على المسرح الإقليمي والدولي، الأمر الذي ساهم في أن يعمر النزاع عقودا من الزمن منذ اندلاع أول شرارة رصاصة بين البوليساريو والمغرب، وعمق الأزمة السياسية بين المغرب والجزائر إلى حد القطيعة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية بينهما، رغم أن بعض المحطات السابقة سجلت نقطا إيجابية في تقارب البلدين، أهمها تأسيس اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989 بين الدول المغاربية الخمس، المغرب، الجزائر، موريتانيا، تونس وليبيا، وفترة فتح الحدود بين المغرب والجزائر، لكن أحداث فندق أطلس أسني بمراكش عام 1994 عصفت بالمبادرات المحمودة بين الأخوين الجارين وأغلقت الحدود من جديد، فدخل البلدان معا على إثرها في مرحلة شذ وجدب في علاقاتهما السياسية والدبلوماسية وحدوث قطيعة تامة بينهما على جميع المستويات في ألآونة الأخيرة.
ففي ظل هذه التطورات والسيروارات عرف ملف نزاع الصحراء عدة مراحل لمعالجته من طرف المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية بمشاركة موريتانيا والجزائر الداعمة لها تحت مظلة الأمم المتحدة ومؤسساتها، سواء على مستوى السهر على المفاوضات أو على مستوى دراسة المقترحات المقدمة من كل جانب، ناهينا عن تقارير مبعوثي الأمم المتحدة ممثلي أمنائها العامين، ومحاولة تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع للوصول إلى ” حل سياسي عادل ومنطقي وعملي ودائم ومقبول من الطرفين “، إلى أن بادر المغرب سنة 2007 بتقديم مقترحه القاضي بمنح الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا في إطار السيادة المغربية، وهو المقترح الذي رحبت به دول عديدة واعتبرته حلا عمليا وذا مصداقية وواقعية يضع حدا نهائيا للنزاع والخلاف بين المغرب والبوليساريو، في حين أن هذه الأخيرة لازالت في موقف نقيض من مقترح المغرب، متمسكة بأجنداتها السابقة، لا تتحلحل عنها قيد أنملة، ولازالت تعتقد، مدعومة من قبل الجزائر الدولة الحاضنة لها على أراضيها بتندوف، في أن حل النزاع يكون عبر إجراء استفتاء في الأقاليم الصحراوية تحت يافطة مبدأ تقرير المصير الذي أكل عليه الدهر وشرب، في ظل متغيرات جديدة على الساحة السياسية والدبلوماسية والجيوسياسية والإستراتيجية، سواء على المستويات الإقليمية أو الدولية.
وللإشارة فإن الأمم المتحدة والعديد من الدول والمؤسسات الإقليمية والدولية أبدت مواقفها الإيجابية وارتياحها تجاه المقترح المغربي، الأمر الذي يجعل البوليساريو والنظام الجزائري الذي يدعمها في زاوية جد ضيقة جدا، وفي دائرة منعزلة عن دوائر التفاعلات الإيجابية لوضع حد لنزاع دام قرابة الخمسة عقود من الزمن، دون إحراز أي تقدم في وجهات نظرهما ومواقفهما المتصلبة، وانسداد آفاقهما السياسية والدبلوماسية، خاصة مع تطورات هنا وهناك إقليميا ودوليا.

(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube