أحمد رباص – حرة بريس

لأجل إنجاز مهمته، كان على ابن طفيل أن يُظهر أن النتائج التي حصل عليها متفرده لا تتعارض مع الدين المرسل وحيا، ولا سيما مع الدين الإسلامي؛ لأن الفلسفة والدين، عندما يحتوي كل واحد منهما على الحقيقة المطلقة، لا يمكن أن يناقضا بعضهما البعض.
وصل حي، وهو في الخمسين من عمره، لينهض بالفكر وحده إلى معرفة الحقيقة، وهو على اتصال مع رجل توصل، بواسطة الدين، إلى نفس النتيجة. مدركا، مثل حي، الاضطرابات التي تنقلها الحواس إلى التأمل والحياة التأملية، كان يريد الهروب من مضايقات الحياة الاجتماعية، ولهذا جاء من جزيرة مجاورة يبحث عن ملجإ في الجزيرة الخالية التي يقيم فيها حي بن يقظان.
التقى المتفردان ونجح آسال (وهو اسم الرجل المتدين) في تعليم حي لغة الكلام، وعلمه مبادئ الدين وعرفه بالطقوس والشعائر التي يفرضها على الإنسان.
قص عليه آسال أحوال الناس قبل وبعد وصول الدين، وعلمه الفرائض فشهد حي وآمن بهذا الدين، ولم يجد فيه ما يخالف إيمانه، لكنه تعجب مما في طبائع الناس من آراء ضالة وعزائم واهنة، فراح حي يسأل آسال عن سبيل للوصول إلى أولئك الناس، كي يهديهم إلى سبيل الرَّشاد ويوضح لهم الحق، ولكن آسال أكَّد له أنه ما من جدوى لذلك، غير أن حي أصر على رغبته في تعليم الناس، وعقد العزم للخروج إليهم، ولما وصل إليهم وراح يدعوهم إلى الدين الجديد؛ وهو وحدة الله والكائنات، انصرف الناس عنه ولم يدركوا غايته، فتجمَّل بالصبر، وراح يأخذ بيدهم خطوة فخطوة إلى سبيل الهدى، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل، فتبيَّن له أحوالهم وقصور إدراكهم.
واستخلص حي من محادثاته مع آسال أن الحقائق الملقنة بالدين والفلسفة متطابقة تمامًا، لكنها في الدين تتخذ أشكالًا تجعلها أكثر سهولة في الوصول إلى الناس البسطاء؛ إذ أن مجسمات القرآن ووصف الحياة المستقبلية ليست سوى صور لها معنى عميق.
لقد جاء الدين لمساعدة غالبية البشر الذين لا يعرفون كيف يرتقون بأنفسهم، بواسطة الفكر، إلى الحقيقة المطلقة والسير في المسار الذي تجترحه الأخيرة. من أجل التوافق مع احتياجات الإنسان البسيط سمح الدين للبشر باكتساب الخيرات الأرضية والتمتع بها بحرية كاملة، وهو أمر لا يناسب الحكيم الحقيقي. يعبر حي عن الرغبة في السعي لدى البشر لإعلامهم بالحقيقة في ضوئها الحقيقي وكما تصورها هو نفسه. واستسلم آسال لرغبته، وإن كان ذلك ممزوجا بالأسف. صعد المتفردان إلى سفينة رست بالصدفة على جزيرتهما، وتوجهت بهماإلى الجزيرة التي كان يسكنها آسال سابقا، والتي خص سكانها حيا بأشرف استقبال. لكن بينما اخذ حي يشرح لهم مبادءه، لمس أن علاقة الصداقة التي ربطته بهم أصابها الفتور. عندها اقتنع الفيلسوف بأنه وضع لنفسه مهمة مستحيلة، قرر العودة إلى جزيرته برفقة آسال.
نبذ الصديقان المجتمع إلى الأبد، وكرسا أنفسيهما لحياة الزهد والتأمل.
على سبيل الختم، تعتبر(حي بن يقظان) رواية تحكي قصة شخص يدعى حي بن يقظان نشأ وحيدا متفردا في جزيرة، وترمز للإنسان، وعلاقته بالكون والدين، واحتوت مضامين فلسفية، وشارك في تأليفها عدة أشخاص من الأدباء العرب والمسلمين فكان أول مؤلف لقصة حي بن يقظان هو الفيلسوف ابن سينا، وكتبها أثناء سجنه، ثم أعاد بناءها الشيخ شهاب الدين السهروردي، وبعدها أعاد كتابتها الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، ثم كانت آخر رواية للقصة من قبل ابن النفيس الذي تنبه إلى بعض المضامين الأصلية الخاصة برواية ابن سينا، والتي لم تكن توافق مذهبه، فأعاد صياغتها لتكون رواية حي بن يقظان عن صالح بن كامل.
إن أشهر مؤلف من بين هؤلاء الأربعة التصقت القصة باسمه هو ابن طفيل. وقد كان لهذه الرواية أثر كبير لدى (جون لوك) الفيلسوف الإنجليزي، الذي كتب كتاباً يصف فيه العقل كصفحة بيضاء خالية من كل القواعد والمعوقات الموروثة.
وكذلك نشرت دورية (المراسلات الفلسفية للجمعية الملكية) مراجعة ممتازة تمتدح كتاب (حي بن يقظان) المترجم، فكانت هذه الرواية هي الأساس لعديد من روائع الفكر والأدب العالمي مثل كتاب (عقيدة القس من جبل السافوا) للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، وكذلك نجد الأحداث المشتركة واضحة بينها وبين رواية (روبنسون كروزو) للكاتب دانييل ديفو، وقصة ماوكلي فتى الأدغال وشخصية طرزان التي تتحدث معظمها عن سلوك الإنسان عندما يجبر على العيش وحيدا في بيئة منعزلة.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube