مطصفى الزِّيــن

لست أدري ،أهي محض مصادفات، أم هو توجيه غيبي لطيف، ما يقود خطواتي في الوقوف عند كتب بعينها، دون سواها،لأقرأها ،ومنها الروايات؛ فقبل شهر واحد، وجدت نفسي مستغرقا في قراءة رواية “ابن سينا:أو الطريق إلى اصفهان”للروائي الفرنسي-المصري (ولد وقضى جزءً من طفولته بمصر)جيلبرت سينويه(1947- ).وبعد أقل من أسبوعين وجدت صاحبي ، ذاك القدر اللطيف، يضع بين يدي رواية حديثة جديدة عربية،هي “فردقان: اعتقال الشيخ الرئيس” ،للروائي الكاتب المصري الشهير يوسف زيدان(1958- )؛ أي رواية أخرى،تشتغل فنيا على سيرة الطبيب الفيلسوف ابن سينا(370-428هـ)،أحد أهم أعلام الحضارة العربية الإسلامية ،في العصر الوسيط.
صدرت الطبعة الأولى من رواية سينويه،في الفرنسية، طبعا ، لغة الكاتب،سنة 1987؛أي قبل ما يزيد على واحدة وثلاثين سنة.و قد ترجمها إلى العربية،بكفاءة عالية وإبداع،الشاعر المترجم التونسي آدم فتحي ، ونشرت ترجمتها سنة 1999؛أي قبل عشرين سنة تقريبا.
نحن،إذن،أمام موضوع من صميم الأدب المقارَن: ابن سينا ، ومرحلة من تاريخ الشرق الإسلامي ،ما بين الرواية الفرنسية والرواية العربية،وإن كان الأمر يتعلق بكاتبين كلاهما ولد ونشأ بمصر،ولايفصل بين ميلاديهما إلا عقد واحد من الزمن تقريبا .
*هل كان يوسف زيدان يعرف أن جيلبرت سينويه قد نشر قبله، بنحو واحد وثلاثين عاما رواية بطلها ابن سينا ،تستلهم سيرته ومرحلة من تاريخ فارس وأفغانستان وإمارات أخرى مجاورة كثيرة؟هل كان يعرف أن رواية سينويه قد ترجمت إلى العربية قبل عشرين عاما؟ وإن كان يعرف ذلك؛ فهل قرأها أو اطلع عليها؟ وإن كان فعل ذلك؛ فهل وجد رواية الفرنسي(المصري مولدا)،لا تستوفي ابن سينا حقه،مثلا؟ أم أنه وجد له منظوراً يختلف عن منظور سينويه ،في تاريخ المنطقة والمرحلة وفي الكتابة الروائية،التاريخية خاصة؟ وهل قدم زيدان ،فعلا رؤية مختلفة عن رؤية ،ورؤيا، سينويه؟ورواية ترقى إلى مقام رواية”..الطريق إلى أصفهان” الممتعة حقا؟
أفترض أن يوسف زيدان قد اطلع على رواية سينويه،لأن المفروض أنه مسح،أو جرد، ما كُتب في الموضوع قبل أن يباشر كتابة “فردقان”، وهو المتمرس بالكتابة التاريخية،وأراد أن يكتب روايته عربيةً مختلفة فنيا.
* كل من زيدان وسينويه يعتمدان سيرة ابن سينا التي أملاها على تلميذه أبي عبيد الجزجاني الذي لازمه خمسا وعشرين سنة تقريبا، وهي سيرة موجزة ليست إلا في عشرين صفحة.
*لكن الروائي الفرنسي ، يوهمنا ، فنيا، أنه لا يفعل إلا أن يترجم ما كتبه الجزجاني حول أستاذه الشيخ الرئيس،ويسلمه دفة السرد،باعتماد ،ليس ما أملاه عليه من سيرته،ولكن من خلال كل ما شاهده وشهده معه،وما حكاه له أو ما سمعه عنه؛وبالتالي فالجزجاني هو الراوي المركزي،وهو شخصية أساسية في الرواية،يسرد برؤية محايثة(مع)،أو يفتح محافل سردية تلفظية أمام رواة آخرين متعددين.

  • لكن في “فردقان” زيدان يكاد الجزجاني يختفي،فلا يذكر إلا مرة أو مرتين ؛لأن ز يدان اعتمد الرؤية السردية التقليدية؛الرؤية من خلف،وسلم ،كليا، دفة السرد إلى الراوي العليم،قريبا من أسلوب المؤرخ أو السرد التاريخي الكلاسي.
  • لكن سينويه ،وان بدا لكتقليديا،أو كلاسيا،من حيث الزمن الروائي،إذ يعتمد الخط الكرونولوجي التتابعي،انطلاقا من مشهد أو “مقامة”فيها ابن سينا شابا في الثامنة عشر ،وهو يعالج رجلا من جيرانهم في بخارى،يعاني من احتباس البول ،بفعل حصوة بقضيبه،أو وهو في بيتهم العائلي في عشاء حضره مجموعة من أصدقاء أبيه منهم الفردوسي الذي كان يتحدث عن كتابه ملحمة الشهنامه من آلاف الأبيات،وعالم رياضي فلكي؛أي أن رواية سينويه،تبدأ من نبوغ ابن سينا واشتهاره المبكر بلقب الشيخ الرئيس،إذ سرعان ما سيصبح طبيب القصر والملك الساماني ببخارى..وينمو الحكي والأحداث على امتداد أربعين سنة،أي حتى مشهد رحيل البطل ابن سينا وهو في الثامنة والخمسين من عمره؛أقول،وإن بدت لك بنية الزمن هذه عند سينويه كلاسية خطية دياكرونية؛فإن بنية الزمن في رواية زيدان أكثر تقليدية،وإن اعتمدت تكسير الزمن، واختصار المكان أو الفضاء،أو بالأحرى،زمن السرد ، كما يأتي بيانه:
  • زمن السرد في” فردقان” محدود محصور في ما قضَّاه الشيخ الرئيس معتقلا في قلعة فردقان،بأمر من أمير همذان ووزيره،وهي مدة أسابيع معدودة ؛فتبدأ الرواية بلحظة ترقب (المزدوج )مسؤول القلعة لحظة وصول الأسير الاستثنائي ابن سينا،وتنتهي بلحظة خروجه من القلعة، وتوديعه (ماهتاب )الفتاة الاستثنائية العبقرية الرائعة العالمة الطبيبة التي جاءت وأخيها (ماهيار )من الرستاق المجاور، لتتلمذ على ابن سينا.. ؛فعلى خلاف سينويه الذي صور القلعة معتقلا صامتا،وجعل ابن سينا لا يتعامل فيه إلا مع أحد الحراس في صمت؛يجعل زيدان القلعة خلية نابضة بالحياة،وبالجند الذين انكب ابن سينا على معالجتهم،صاخبة بزعيق “الزعاق” رئيس الحراس،وبضيوف المزدوج وابن سينا مثل شيخ الرستاق( ماهيار)( ومهتاب) التي تقضي أماسي و ليالي بأ كملها مع معلمها ممليا،أو حبيبة عشيقة في سريره..،الذي أهداه إياه منصور المزدوج. *يكسر زيدان بنية الزمن،ويجعل “زمن القصة” ارتداديا،يعود إلى طفولة البطل وإلى ترحلاته المأساوية مابين بخارى والري وهمذان .. وإمارات وممالك في زمن الإضطرابات والحروب ما بين السامانيين والبوهيين،و والمملوكين الذين أصبحوا ملوكا ،وخاصة منهم محمود الغزنوي السفاح الذي أقام عاصمته بغزنة/افغانستان،وغزا الهند سفاحا منتهكا مجرما،قبل أن يتجه غربا فيبسط نفوذه على بخارى وهمذان وأصفهان التي سينتهي إليها ابن سينا أخيرا.يرتد السرد إلى علاقة ابن سينا ب(روان)، بل يعود إلى علاقته ب(سوسن) أيام شبابه،من خلال السؤال المحرج الذي توجهه ماهتاپ إلى ابن سينا حول العلاقة الكامنة وراء كتابه المبكر “البر والإثم”.وفي الوقت الذي يعتقد فيه القارئ أن زيدان سيسلم دفة السرد مباشرة إلى ابن سينا،ويجعل ماهتاپ محكيا له،إلا أنه يفضل أن ينوب عنه نفس الراوي العليم في سرد القصة المأساوية ،حكاية البطل مع سوسن،حتى إذا ما استعرضها في صفحات طوال،وعادت ماهتاپ تطلب من ابن سينا سر الكتاب،أجابها بجملة أو جملتين طالبا منها أن تعفيه من سرد القصة لانها مؤلمة،من شأنها أن تنكأ جراحه التي لا تكاد تندمل..
    • ورغم أن زيدان وسع “زمن القصة “لما يقارب سبعا وثلاثين سنة من حياة ابن سينا؛أي من أيام أن كان في الخامسة، إلى وهو في الثانية والأربعين؛إلا أنه أوقف السرد،قبل رحيل ابن سينا بنحو ستة عشر عاما،المدة التي سيقضيها في أصفهان قبل وفاته مسموما من طرف بعض مملوكيه..ولكن الراوي،كثيرا ما كان يستبق الأحداث،و”يحرق الفلم” كما يقال.
      .* تتفق الروايتان في المعطيات السيرية الأساسية،في الفضاء وفي ترحلات البطل ..وفي كثير من الاحداث؛ولكنهما تختلفان في تفاصيل تخييلية كثيرة،ومنها ،بالخصوص،ما يتعلق بمعشوقات ابن سينا،فليس في رواية الفرنسي أية فتاة في حياة البطل توازي أو تشبه ،من قريب أو بعيد،مهيتاپ في رواية زيدان،هذه الأيقونة التي اكتمل فيها الجمال الجسدي بالجمال العقلي والروحي،المرأة العالمة المتفلسفة الطبيبة الكاتبة،تفتقت عنها مخيلة زيدان ونزعته إلى إعلاء المرأة أو الأنثى إلى الأصل والمثال والروح،كما هي بطلته في روايته السابقة “ظل الأفعى”،أو كما بطلته في “النبطي”..بل يمكن أن نعتبر ماهتاپ في فردقان،محاولة من الكاتب،لخلق امرأة مثالية شرقية توازي الفيلسوفة الأسكندرانية هيپاتا في رواية زيدان “عزازيل”،وفي التاريخ.كما أن ” روان”في رواية زيدان،وهي فتاة مملوكة أهديت لابن سينا من ملك الري مقابل علاجه ابنه الذي كان يعاني مناخوليا في أقصى درجاتها،وهي الفتاة التي استقدمها معه إلى همذان،وظلت معه أسابيع عذراء لم يمسسها،ولم يطمثها،إلا بعد لأي،تضيع منه مباشرة قبل اعتقاله ،في غمار الفوضى التي أثارتها رسالة ابن سينا عن الجند في همذان؛ذلكم أن زيدان يتصور ويصور الشيخ الرئيس طهرانيا متعففا رغم فحولته،بل يجعله متعففا معرضا عن النساء لعشرين سنة،بعد الجرح المأساوي الذي خلفته علاقته بسوسن التي تختلف في رواية زيدان عنها في رواية سينويه الفرنسي؛فهي عند هذا فتاة يافعة في الخامسة عشرة من عمرها،تدخل في علاقة حب وجنس محموم مع ابن سينا وهو في الثامنة عشرة من عمره،يعرف ،فيما بعد،أنها تزوجت بعدما رحل؛بينما “سوسن” زيدان امرأة أرملة تكبره بعشرين عاما،لها حكاية مدهشة،ومصير مأساوي ،بعد إثمها،بعد ان أيست من زواجها من ابن سينا،وكان مصيرها أن قتلت شر قتلة من مملوكيها العبدين.وليس في رواية زيدان،من توازي “مريم”المسيحية اليونانية،التي تنبأ بلقاء ابن سينا بها ذلك العازف العراف الأعمى ،وبقدر مأساتهما،والتي انقذها ابن سينا من مضطهديها ومن مرضها،واستخلصها أيقونة للجمال المدوخ،وهي امرأة كانت فرت من بلاط الخليفة المقتدر العباسي الفظيع ببغداد،وسيكتب لها ولابن سينا أن يعثر عليها المقتدر مجددا في أصفهان،وينتزعها من حبيبها،لكن السم الذي طلبته من ابن سينا،لن تتجرعه،بل ستغتال به المقتدر،كما سيعلم ابن سينا وهو يحتضر بعد أن شرب من نفس السم.
    • يعرض سينويه سيرة ابن سينا نموذجا لعبقرية إسلامية من العصر الوسيط،ليس بما ألفناه من منظور استشراقي ماكر،متنكر لمنجزات الحضارة العربية الإسلامية،وإنما بنوع من الإعجاب بالسبق ،ويعرض تلك المنجزات الطبية والفلكية والرياضية والفلسفية بكفاءة ودقة الطبيب والعالم،مقربا الفجوة بين تلك المنجزات الشرقية المدهشة وما أعقبها في الحضارة الغربية الحديثة،وإن لمسنا تحيزا شعوبيا ،ليس عند البطل و ليس عند الكاتب،ولكن ،عند بعض الشخصيات،ضد العرب الذين كثيرا ما نعتوا بآكلي السحليات،أي بالبداوة والتخلف الحضاري بالقياس إلى فارس منشأ البطل،و حيث تجري أحداث الرواية. ولا يقل عرض زيدان عنه كفاءة وعمقا وإحاطة بالقضايا والمصطلحات..وتآليفه وإملاءاته المتنوعة تنويعا؛ لكنه يقدم البطل أقرب إلى الطهراني المثالي المتعفف، قريبا من نزوع زيدان الصوفي،حتي إذا ما حميت العلاقة تحول إلى فحولة مدهشة،كما يقدمه فيلسوفا يراهن على المنطق باعتباره وسيلة لانقاذ الشرق الاسلامي من صراع،بل حرب المذاهب بين السنة والشيعة،بينما يظل ابن سينا عند سينويه، كما يعرف عنه، رجلا مولعا بالنساء وبالخمر،يعاني ،جراء ذلك من ،القولنج -وهو الطبيب الكبير-الذي ربما عجل بموته.
      *يمكن أن نلاحظ، أخيرا، الفرق الكبير في التقنية الروائيةبين الأديبين الروائيين،أو بين الروايتين؛يتمثل في كون “..الطريق إلى أصفهان” هي رواية “مقامات”،إذ يقسم سينويه روايته التي تستغرق 480 صفحة،على ثلاثين فصلا،يسمي كلا منها مقامة،مستحضرا جنس المقامة ودلالتها باعتبرها تتمركز حول حدث أو مشهد،هو عنده أقرب إلى حيوية وحركية وتشويق المشهد السنمائي؛بينما جاءت رواية زيدان مسترسلة في سردها التقليدي،وفي توظيفها الاسترجاع الذي أصبحت الرواية،والفلم،يأنفانه بعدما أصبح مستهلكا مبتذلا؛جاءت رواية زيدان ،في150 صفحة مكتنزة بالحرف الدقيق،موزعة على سبعة فصول ،أوعناوين،هي: المزدوج-شيخ الرستاق-روان-ماهيار- ماهتاپ-سوسن -وحي بن يقضان،فيما يمكن أن نسميه “رواية المُقام” ؛مقام البطل ب قلعة فردقان معتقلا، بما يذكرنا بروايات سلفه الثقافي النهضوي جورجي زيدان وأسلوبه ؛ في مقابل رواية المقامات” عند جيلبرت سينويه،المقطعة تقطيعا فنيا رفيعا.
      وبعد؛أيمكن أن نفاضل بين الروايتين :رواية المَقامات الجيلبيرية،ورواية المُقام الزيدانية العربية؟ ؛ أعتقد أنني قارنت وفاضلت وفضَّلت.ولست أنوب،أبدا ،عن القارئ،إذا ما غامر بدوره بقراءة كل من الروايتين،اللتين سيجدهما،بالتأكيد،شيقتين ممتعتين، لا تَجُبُّ أي منهما الأخرى.

المصادر:
ــــــــــــ
*”ابن سينا :أو الطريق إلى أصفهان”-(رواية)-جيلبرت سينويهGelbert Senoué-ترجمة:فتحي آدم-منشورات الجمل-الطبعة الأولى 1999.
** “فردقان:اعتقال الشيخ الرئيس”-(رواية):يوسف زيدان-منشورات الشروق-الطبعة الأولى2018.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube