حرة بريس -بقلم أحمد الونزاني

و نعود إلى أبطال الرواية و شخوصها المختلفة. فالنسر  هنا هو رمز القوة و السلطان و عنوان الحضارة الغربية المزهوة بنظامها الديمقراطي العريق و الذي كان من تأسيس اليونان في القديم و بنظامها الحالي عهد الحداثة و النظام العالمي الجديد و هو مزيج من النظام القديم مع بعض التجديد و الاختلافات في جوهره. و إذا كانت أوروبا هي قائدة العهد القديم فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقوده الآن و لذلك فهي تتخذ من النسر رمزا لها ك دليل على القوة و التقدم و السيطرة على العالم.
و أما العتقاء فهو ذلك الطائر الغريب و الأسطوري و هو هنا كذلك يمثل الوجه المشرق للحضارة العربية والإسلامية في أوج تقدمها و عطائها و إشعاعها الحضاري. و الكاتب يعلنها صراحة بحيث تمثل هنا الخلافة الإسلامية الرشيدة القائمة على الرحمة و العدل و الإحسان. و هذا التطلع و الرغبة  هي الطاغية لدى الكاتب بحيث يسائل اللحظة التاريخية متى نعود إلى ذلك العهد المشرق من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية.
أما العنقاء حاليا فهي تمثل سلطة الاستبداد والفساد و الطغيان السلطوي. و أنظمة الجور و الظلم و البعيدة كل البعد عن الخيار الديمقراطي أو خيار الشورى الذي هو النظام الإسلامي.
أما الهدهد فهو هنا المرسول و المبشر و المبعوث الخاص في كلا الاتجاهين. من أجل وضع الأمم الأخرى على علم بأنظمتها و رسالاتها الحضارية و حثهم  على الدخول تحت نفوذها. و هنا إما تحت النظام الديمقراطي أو نظام الرحمة و العدل و الإحسان.
أما الغراب فهو رمز الحكمة و الرأي الثاقب  ، و قد يكون العكس صحيح.
أما أبو منجل فهو يمثل هنا المعارضة بدوريها السلبي و الإيجابي حسب التموقع داخل السلطة أو خارجها.

و إذا كان  أبو منجل يمثل صورة تلك المعارضة السلبية التي تنتقد لمجرد الانتقاد، بدون أي رؤية بديلة أو مشروع جدي، مناكفة فقط، و هذا حال جل المعارضات في الجنوب.
أما البطريق فهو يمثل هنا ذلك الشاهد الأمين و صاحب الرأي السديد. و هو هنا مثال لذلك المستشار الأمين.
و يبقى الطائر الثلجي متميزا بموقفه الثابت في تصديق الخبر اليقين الذي جاء به الهدهد بوجود مملكة طير العنقاء بالجنوب. 
أما العصفورة فهي ترمز إلى المثقفين عموما من أهل الشعر والأدب و المقربين و ندماء السلطان، و المدح والثناء شغلهم  و حتى النفاق لإرضاء غرور الحكام. و قد يكون الذم و النقد سببا لهلاكهم و تخليد مواقفهم عبر الأزمان.  و هذا حال كثير من مثقفينا في هذا الجنوب. المدح تزلفا و تقربا من الحكام من أجل فتات  لا يسمن و لا يغني من جوع ، و العكس صحيح.
أما البومة فهي الصوت النشاز، و المتسرع و الذي يفتقد إلى التبصر و التريت و يرى من زاوية واحدة و متهورة، و إعلان الحرب بالنسبة إليه  أجدى وسيلة لردع الخصوم و السيطرة على الأغيار .و ما أكثر البوم في الضفة هنا في الجنوب. يشعلون نار الحروب بين الإخوان لتقسيم ما تم تقسيمه عنوة و ضدا في وحدة غالبة تعيد اللحمة بين أبناء الجنوب.
أما مالك الحزين فهو رمز الأمان و السلام. و ما أحوجنا لدعاة السلام في هذه الأيام العصيبة التي تعيشها الشعوب في كل مكان بالجنوب.
أما اللقلاق فهو ذلك الطائر الخبير صاحب الباع في الهجرة و العارف بدروب الأرض و السماء من جبال و سهول و بحار و وديان و بحيرات و هضاب و بالطقس و بكل الاحوال. و ما أحوجنا إلى العارفين و الخبراء للنهوض بهذا الإنسان.
أما الطيرأبابيل فهو ذلك الجندي الوفي ذو الخصال النبيلة و الشهامة و المقدام الشجاع، المخلص في خدمة الوطن. و هنا الجندي تعني كل من يعمل من أجل رفعة الوطن و كرامة المواطنين، و خصوصا من يحملون مشعل العلم والمعرفة. و هؤلاء هم الدعامة الأساسية في بناء النهضة المحتومة، و التي هي قدر هذه الأجيال.
أما الخفاش فهو الحارس الأمين، الذي يحافظ على السر الدفين و دليلنا نحو النجاة بفتح المسالك و الدروب المغلقة. و تفادي دروب التيه و المسالك المظلمة .و ما أحوجنا إلى نبراس يضيء طريقنا و يخرجنا من هذا النفق المظلم.

كما ان الكاتب يتشوف إلى حقبة زمنية من الماضي، حيث كان الجنوب مثال يحتذى به و تقتدي به الأمم، و نبراس للأمم الأخرى، الخاضعة لسلطة الأنظمة الكنسية أو الدينية و لأنظمة شمولية و اقصائية في الشمال.
فالجنوب هنا يعني بكل وضوح الخلافة الإسلامية بقطبيها في المشرق العربي و الغرب الإسلامي. خلافة قائمة على أسس الرحمة و العدل و الإحسان، و هذه أهم المبادئ المفتقدة في النظام الديمقراطي في التجربة الغربية و بالخصوص عند اليونان كأول حضارة اعتنقت النظام الديمقراطي و جعلته أساسا لبناء الدولة، و الذي تبينت عيوبه فيما بعد نظرا لاستئثار النخبة بالحكم، و إقصاء كل من لا يستطيع الكتابة و القراءة و الطبقات الدنيا في السلم الاجتماعي من العملية السياسية إقصاء كليا. مما أدى إلى خلق بذور طبقية قائمة على القهر و التسلط و السخرة.
و هذه رؤية يأمل من خلالها الكاتب طرح السؤال التالي و هو متى سترجع الأمة العربية والإسلامية إلى سابق عهدها و تعود إلى تفوقها الحضاري و الى اشعاعها في كل المجالات : العلمية و الفكرية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . و تعود إلى ريادة العالم من جديد.
أو لماذا لا ندخل في تصالح مع ذواتنا و ثراتنا و ثقافتنا و جوهر عقيدتنا، و نقتبس من هذا  الشمال المتفوق علينا بأشواط، كل ما لا يتعارض مع هويتنا و ديننا، و نقوم بصياغة جديدة تقويمية و تصحيحية لنموذجنا من حيث تأطير شكل الدولة التي نريد : دولة العدل و الرحمة و الإحسان.
و الكاتب من خلال استعادة روح النموذج الإسلامي يضع سؤالا عريضا يسائل من خلاله اللحظة التاريخية : لماذا نجح أسلافنا في وضع نظام نموذجي للدولة كان غاية في الإحكام، استطاعوا به أن يقودوا الركب الحضاري الإنساني لقرون عدة، بل تمكنوا من أن تستلهم الأمم الأخرى تجربتهم، عبر رابط التواصل الإنساني الذي ربطوه مع الأمم الأخرى و بالخصوص الشمال، و ذلك عبر التواصل الثقافي والاجتماعي و عبر الاحتكاك بالتجربة الإسلامية بإرسال بعثات ثقافية لكل من المشرق الإسلامي و الغرب الإسلامي كذلك. (الأندلس كمثال و الخلافة الإسلامية في العهد العباسي )
و لماذا نحن فشلنا في وضع قطار نهضتنا على المسار الصحيح للتنمية الحقيقية.
ماذا نفتقد و نحن نتوفر على كل مقومات القوة و النهوض، من ثروات هائلة مادية و ثروة بشرية فتية.
هل هي التبعية و الدونية الملقنة للأجيال؛ أم أن أنظمتنا السياسية هي الحاجز أمام نهضتنا، لغياب الإرادة الفعلية لديها لتبني سياسة التغيير الحقيقية، و القطع مع هذا الفساد المنتشر كالداء في جسم الأمة بأكملها. أنظمة خانعة و خاضعة و نخب سياسية مدجنة و مثقف باع نفسه و وطنه بأبخس الأثمان و باع كل قضايا الأمة، و شعوب مقهورة ترزح في الجهل و الفقر و القهر السلطوي المفروض عليها بقوة الاستبداد من جهة، و بمساندة من ذلك الشمال أو الغرب الذي لا يرى فينا إلا مجالا حيويا و حديقة خلفية تلبي حاجاته و احتياجاته المادية و المعنوية، إستغلال المجال بكل ثرواته المادية و حتى البشرية.

و على العموم فرواية منطق الطير، استطاع كاتبها أن يصل إلى أعلى درجات الالتزام الأدبي، بطرحه لأهم مشكلات العصر الحديث و التعبير عنها بصدق. و هذه المشاكل تمس عمق وجدان القارئ لأنها تعبر عن همومه و آماله و أحلامه بجمالية أكثر وبالخصوص عندما يكون أسلوب الرمزية المستعمل تشويقي و يسرح بنا في عالم من الخيال و الإيحاء.
و أعتقد ان الكاتب نجح في طرح أهم قضية معاصرة تؤرق الإنسان عموما و في دول الجنوب و الدول العربية بالخصوص و هي قضية الديمقراطية التشاركية أو الدولة الحديثة  القائمة على أسس العدل و الرحمة و الإحسان و الارتقاء بالإنسان.
و إذا كانت تساؤلات الكاتب تعبر مباشرة عن التشوف و الرغبة في قيام نظام عالمي جديد أكثر أنسنة و أكثر عدالة يقوم على مبادئ التعاون و التعارف و التكامل بين الإنسانية جميعا، بين دول الشمال و دول الجنوب. و رغبته في قيام ذلك النظام في دول الجنوب أكثر، لأن دول الجنوب و شعوبها هي الأكثر تضررا من عدم وجود حكامة و تنمية مستدامة و عدالة اجتماعية فيها.
و كخلاصة إن الحقل الأدبي يحتل مكانة بارزة في حياة الأمم والشعوب المتقدمة ثقافيا و اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا. فهو يقوم بتغذية العواطف و تنمية الأحاسيس و الوجدان و يساهم في الاستشراف و تكوين رؤى مستقبلية، كما يسعى إلى الرقي و الارتفاع عبر معاينة هذا الوجود.
و يبقى الأدب في دول الجنوب أداة  تواصل معرفية من خلالها تطرح قضايا دول و شعوب الجنوب في عمقها الإنساني.
و هذا الانفتاح على الآخر أو الشمال، هو السبيل نحو قيام نظام عالمي جديد يكرس التعارف و التعاون والشراكة بين الإنسانية ، و هذا التفاعل الإنساني هو قدرنا المحتوم، لتحقيق السلم والأمن و التعايش على هذه الأرض.