بقلم الزهرة حمودان

        كلما أبحرت في قراءتي لمواضيع تخص قضية المرأة، تجلى لي الفيلسوف الإغريقي بارمنيدس، راكبا عربته، تجرها بنات الشمس… يجوب الآفاق باحثا عن الوجود والحقيقة وهو يردد لازمته الفلسفية (الوجود موجود، واللاموجود غير موجود). و عند وصوله لحظة افتراق ثنائي الليل و النهار، تقع عين الفيلسوف/الشاعر على الأنثى ” منيرفا ” آلهة الحكمة، يطلب منها أن تدله عن أنثى أخرى هي ديكي، آلهة العدالة..تتحقق رغبته..تقول له الآلهة : “جئت تبحث عن الحق الذي لا يتغير..تبحث عن ظنون البشر الفانيين..تلك الظنون التي لا يوثق بها.. لكن أدرك أن تعلم هذه الأمور أيضاُ وكيف تنظر في جميع الأشياء التي تظهر وتبحث فيها”.. المشهد يجسد رجلا يوجه أسئلة ونساء من عالم الأساطير، هن من يجبن.. إجابة تشفي غليل السائل إلى المعرفة..أو بالأحرى ، هي أصل تفكيره الفلسفي، و بنات أفكاره حول مذهبه ” منطقية الميتافيزيقا”، كونه فيلسوفا مجددا بالنسبة للفلسفة اليونانية ذات تاريخ.صاغ أفكاره شعرا، ضمنها قصيدة وحيدة سماها ” في الطبيعة”، التي هي مرجعه المعرفي، فيها يقرأ متأملا سطورها الموجودة، و من خلالها نحث أبجدية الوجود الإنساني. أعود إلى المشهد بالحضور المقدس للمرأة، وبالدور المعرفي الذي أسنده بارمنيدس لها..هي شهادة ميلاد لوجود المرأة كـ  “ذات” ذات طبيعة تاريخية أنطولوجية ، تجمعها بشريكها الرجل وحدة التاريخ و الطبيعة البشرية ، و إلا فكيف كان له أن يستوحي تلك الشخصيات النسائية، وهو رجل المنطق، الذي يسعى كي يخضع الماوراء الطبيعة لمنطق يفسرعلاقة الانسان  بالوجود ..

   نترك بارمنيدس، فقد كانت محاولة فقط للحاق بأنطولوجية المرأة، والبعد الروحي لدى هذا الكائن، الذي قدسته الأديان، وغفل عنه التدوين ذات تاريخ أيضا.. حيث يبدو انه ما بين الفلسفة والتاريخ سقطت تاء التأنيث سهوا أو قصدا.. و أن حلقة تلك التاء، صارت موضوع بحث بالنسبة للرجل والمرأة معا، بنفس الاهتمام والقلق، و الهم الوجودي المشترك…و هنا ألتقط أبياتا للشاعر الألماني، ريلكة:

أن تلتقط ما رميته أنت بنفسك، فذاك

مجرد مهارة و مكسب زهيد

ولكن حين تلتقط فجأة كرة

رماها شريك أبدي

رمية لا تخطئ أبدا

نحوك..نحو أعماقك..في قوس

من قوس مبنى جسر الله الهائل

فلماذا تصبح القدرة على الالتقاط آنذاك قوة

وجود ” أنا الأنثى”، في الفعل و التاريخ، أدخلها جدل الوعي، لا أقصد مفهومه الماركسي ، إنما بالمنعطفات التاريخية التي عرفها الوعي الانساني، كما عرفها هيدجر كـ ” حركة يتجاوز بها الفكر الموجودات، إلى الإنصات لصوت الوجود المتكتم”