بقلم : مراد العمراني الزكاري

في ظل ما تتمتع به وكالة الاستخبارات المركزية من سمعة سيئة بين الأوساط العالمية، نتيجة الأدوار الشريرة التي كانت تلعبها خلال حقبة الحرب الباردة، مما أجبر (جيمي كارتر) القادم من الهيئة الثلاثية، تجميد أنشطة الرابطة العالمية لمناهضة الشيوعية، كما ذكرنا سابقًا، وعين (ستانفيلد تيرنر) رئيسًا لوكالة الاستخبارات المركزية، وأوكل إليه مهمة تنظيف الوكالة من الداخل، والتوقف عن دعم الأنظمة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية، وعناصر الرابطة العالمية لمناهضة الشيوعية، الأمر الذي تسبب في غضبة الديمقراطيين من الاشتراكيين الأمريكيين (التروتسكيين )، فانفصلوا عن الحزب الديمقراطي، واتجهوا لدعم حملة الجمهوري رونالد ريكان في الانتخابات الرئاسية، أي انتقل هؤلاء من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين .
آنذاك، قرر الرئيس الأمريكي (رونالد ريكان)، إجراء عملية (تغيير واجهة) لأنشطة وكالة الاستخبارات الأمريكية، والبحث عن واجهة جديدة تشرف على الرابطة العالمية لمناهضة الشيوعية، وتُبقي على هذه الأعمال الدنيئة، في مواجهة ما أطلق هو عليه إمبراطورية الشر، أي الاتحاد السوفياتي.
ولأننا أمام استنساخ جديد لتجربة (هاري ترومان) الذي قام بتأسيس (وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية)، بعد الحرب العالمية الثانية، بديلا عن (مكتب الخدمات الإستراتيجية) سئ السمعة، وقد انتقلت نفس الوجوه العاملة بهذا المكتب بعد عامين إلى هذه الوكالة، فقد قرر المجلس الوطني للأمن الأمريكي إنشاء هيئة جديدة، سنة 1983، تتبنى نفس اللعبة القذرة في تأليب المجتمعات المدنية ضد معسكر الاتحاد السوفياتي، وخلخلته من الداخل، بخطط زعزعة الاستقرار، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم المسلحين والمتمردين.
علمنا سابقا دور هذه الهيئة، في دعم وتمويل الرابطة العالمية لمناهضة الشيوعية، في دول أمريكا اللاتينية، وجنوب وشرق آسيا، لا على نشر الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، بل مولت عمليات قتل، واغتيالات، وانقلابات على الأنظمة الشيوعية في هذه البلدان.
في حقيقة الأمر هدف ريكان إلى اختراق المجتمعات عبر البنية التحتية للديمقراطية الأمريكية بأدواتها من الصحافة الحرة، والنقابات العمالية، والأحزاب السياسية، والجامعات، ولأن خطوط التماس المشتركة بين هذا اليسار، المتطرف المناهض للاتحاد السوفياتي، تحت زعامة الأب الروحي (تروتسكي)، والإمبريالية الأمريكية على مذهب البوريتانية، هي مفهوم (الثورة العالمية)، فعند هذه النقطة يمكن للطرفين الالتقاء داخل منظومة حرب الأفكار التي أدارتها أمريكا خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، فمادامت ثورة التروتسكيين، موجهة في الأساس ضد الاتحاد السوفياتي، وليس ضد الولايات المتحدة الأمريكية، فلماذا لا يتم احتواء هذا التيار الشيوعي كرأس حربة متقدم في الحرب الباردة.

*التروتسكيون في رحاب نيد
انطلاقا من هذا المفهوم، كُلف زعيم حزب الاشتراكيين الديمقراطيين في الولايات المتحدة، اليساري المتطرف واليهودي الصهيوني (كارل جيرشمان)، بإدارة هيئة (نيد)، وقد تبعه العديد من المناضلين التروتسكيين في رحلته، من أقصى اليسار المتطرف إلى اليمين في الحزب الجمهوري.
كان من بين هؤلاء نخبة من المثقفين مثل (بول ولفوفيتز)، أحد المحافظين الجدد، وأحد مؤسسي مشروع القرن الأمريكي، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع الأمريكي في وقت لاحق، والعديد من صحفيي مجلة (كومنتاري) الصهيونية التي تصدرها اللجنة اليهودية الأمريكية، والذين دخلوا التاريخ لاحقا، تحت اسم (المحافظين الجدد)، بعد أن تخلوا عن الخط الليبرالي الذي تأسس من خلاله المجلة، وعكفوا على الدفاع عن تيار المحافظين الجدد، وتبني النزعة العسكرية في السياسية الخارجية الأمريكية التي تخدم مصالح الصهيونية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
نجح جيرشمان عبر هذه الهيئة، في تأسيس أكبر شبكة فساد عالمية تضم بين طياتها النقابات العمالية، أي طبقة البروليتاريا بمنظور لينين، في سخرية جديدة للقدر، وأيضًا المنظمات الحقوقية، والأحزاب السياسية اليمينية، واليسارية، وإعلاميين، وصحافيين، وكتاب، وأدباء، وشباب عاطل عن العمل، ممن أطلق عليهم نشطاء سياسيين، ويتكاثرون كالخلايا العنقودية داخل البلدان المستهدفة.
العيون الخمس

هيئة (نيد) التي تدعم المعارضة داخل الدول الشيوعية، تأسست بتعاون ومشاركة جهاز استخبارات سري مشترك أطلق عليه (العيون الخمس)، بين استخبارات دول كل من: (أمريكا – بريطانيا – أستراليا – كندا – نيوزيلندا).
هذا الجهاز تأسس بغرض اختراق الجواسيس السوفيت، ليشكل أقوى تحالف استخباراتي في العالم بين خمس دول ناطقة بالإنجليزية، لا يقبل بانضمام أي دول أخرى غير ناطقة بالإنجليزية، ولا يشارك العيون الخمس المعلومات الاستخباراتية التي تتبادلها أجهزتها الاستخبارية في ما بينها، مع حلف شمال الأطلسي.
ويمكن القول أن هذا التحالف الاستخباراتي هو مطبخ التجهيز السري للعديد من المؤامرات التي تحاك ضد دول العالم، ولهذا دائما ما تكون العيون الخمس هي الأساس الذي يتمحور حوله جميع التحالفات العسكرية الدولية، مثل التحالف الدولي لغزو العراق سنة 2003، والتحالف الدولي لمواجهة داعش سنة 2014.

تمويلات نيد
الهيئة تصنف كمنظمة غير حكومية، مع ذلك فهي تتلقى دعمًا ماليا من الكونجرس الأمريكي بطريقة ملتوية. هذه الميزانية الخاصة بالهيئة، والمقررة من قبل الكونجرس، مدونة في ميزانية الدولة المخصصة لما عرف باسم (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية)، تلك الوكالة التابعة للحكومة الفيدرالية تأسست على يد الرئيس (جون كنيدي) سنة 1961، بغرض إدارة المساعدات الخارجية المقدمة للمدنيين في جميع أنحاء العالم، وبالتالي من السهل توجيه جزء من هذه المخصصات إلى هيئة (نيد) التي تعمل بدورها في جميع أنحاء العالم، بحيث تبقى بعيدة عن المساءلة القانونية من قبل الكونجرس.
أيضًا تتلقى (نيد) مساعدات مالية من ثلاث مؤسسات تابعة للمحافظين الجدد، ومملوكة لشركات متعددة الجنسيات ( أي الكوربوقراطية).
ولأن (نيد) بالشكل القانوني، ليست مؤسسة تابعة للحكومة، فإنها لا تخضع لرقابة الكونجرس، وبالتالي يتم توجيه أموال هذه المؤسسة والاستفادة منها في الدول المستهدفة، من خلال أربع مؤسسات رئيسية تمثل الغطاء القانوني لها، وعبر توجهات هذه المؤسسات الأربع، تضمن (نيد) السيطرة على كافة الطوائف العمالية، والتيارات الحزبية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، داخل المجتمعات المستهدفة، وتضمن ولاءات المناضلين الشيوعيين في مختلف أنحاء العالم، وانقلابهم على موسكو وبكين، هذه المؤسسات هي:
1- المركز الأمريكي للتضامن العمالي الدولي. التابع لاتحاد عمال الولايات المتحدة، المنوط به إفساد الطبقة العمالية وتأليبها ضد أنظمتها الحاكمة.
2- وزارة الخارجية الأمريكية. (المنسق العام).
3- المعهد الديمقراطي الوطني. التابع للحزب الديمقراطي، المنوط به إفساد أحزاب اليسار وضمان ولاءاته، وتتولى إدارته وزيرة الخارجية السابقة (مادلين أولبرايت).
4- المعهد الجمهوري. التابع للحزب الجمهوري، المنوط به إفساد أحزاب اليمين، وضمان ولاءاته، ويتولى إدارته السيناتور المعارض والمتحدث باسم الدولة الأمريكية العميقة (جون ماكين.. توفي سنة2018).
ومثلما كانت وجوه وكالة الاستخبارات المركزية هي نفس الوجوه التي كانت تعمل في السابق بمكتب الخدمات الاستراتيجية، فإن نفس الوجوه التي نفذت العمليات السرية القذرة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، هي نفسها التي يمكن قراءة أسمائها على رأس مجالس الإدارات المتعاقبة، على الصندوق الوطني للديمقراطية، الذي سرعان ما نبت له أذرع طولية من منظمات غير حكومية داخل دول حلف شمال الأطلسي، امتدت فيما بعد في جميع أنحاء العالم بشبكة من المنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الديمقراطية الأهلية، تجاوزت (6000) منظمة تنادي بحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان، وتعمل تحت غطاء المساعدات والتدريب، وما هي إلا واجهة تنفذ أجندة خاصة لوكالة الاستخبارات المركزية، بتمويل من الصندوق الوطني للديمقراطية (نيد).
فرغم أن هذه الهيئة نشأت خصيصًا إبان الحرب الباردة لمواجهة المد الشيوعي، والتصدي للأنظمة الشيوعية في جميع أنحاء العالم، بدعم وتمويل برامج ساعدت على إنشاء أكبر شبكة فساد في تاريخ البشرية من النقابات العمالية، والجمعيات، والأحزاب السياسية الشيوعية المعارضة، وفق خطط سرية من وكالة الاستخبارات المركزية، فإن أنشطة هذه الهيئة غير القانونية استمرت بعد انهيار جدار برلين وتحلل الاتحاد السوفياتي، فقد شاركت نيد في التحضير لموجة من زعزعة الاستقرار للأنظمة الحاكمة في أمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، إبان وبعد الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي.
ثم امتدت أنشطتها السرية من التبت إلى أوكرانيا، ومن فنزويلا إلى تونس، ومن الكويت إلى المغرب، في عملية إعادة لتشكيل حدود العالم بعد انهيارالاتحاد السوفياتي، وفقًا لتوصيات بوش الأب في خطاب ألقاه سنة 1991 إلى الكونجرس، حيث أعلن منتصرًا بزوغ فجر النظام العالمي الجديد.
وفي خطاب حالة الاتحاد أمام الكونجرس في20 يونيو 2004، صرح (بوش الابن)عزم الإدارة الأمريكية مضاعفة ميزانية الدولة المتعلقة بهذه الهيئة، بعد تحديد دور جديد لها على ساحة الأحداث العالمية؛ وهو إرساء مفهوم الانتخابات الحرة، وحرية التعبير بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هذه الكلمات التي قصت شريط افتتاح ثورات الربيع العبري التي اندلعت سنتي 2010-2011.
من كل ما سبق سرده من حقائق، يتضح أن الصندوق الوطني للديمقراطية (نيد)، مجرد أداة أمريكية تستخدم من أجل ترسيخ أيديولوجية الزعامة العالمية التي بدأت مع شن الأمريكيين أولى حروبهم التوسعية ضد المكسيك سنة 1846، ولأن نشأت الولايات المتحدة ارتكزت على أساس وبُعد ديني، كفكرة استثنائية يمكن أن تتحول إلى هيمنة عالمية لإمبراطورية كونية، تقدم رسول الديمقراطية، وحقوق الإنسان والحريات للبشرية في الصفوف الأولى لجماهيرها، من أجل كل هذا كانت نيد واجهة العيون الخمس.