أحمد رباص

للحديث عن الإعلام الرقمي، لا بد من الانطلاق من البداية الفعلية لتاريخ الإعلام عبر الإنترنت،التي تعود إلى بداية عقد الثمانينيات. في الواقع، بفضل جهاز كمبيوتر وإمكانية الوصول إلى “خدمة الكمبيوتر” (المزود الأول للوصول إلى خدمة عبر الإنترنت)، كجزء من صحافة تجريبية مترابطة، كان من الممكن قراءة المقالات على الإنترنت ابتداء من يوليوز 1980. انتهى هذا المشروع في سنة 1982، قبل وقت طويل من الانتقال إلى الديمقراطية. ولسبب وجيه لم يكن الإنترنت واضحا بما فيه الكفاية كما في الوقت الحالي، لكن المسيرة الرقمية الحتمية لوسائل الإعلام تواصلت وازدهرت إلى حدود اللحظة الراهنة.
في كتاب “التاريخ الفرنسي للصحافة على الإنترنت”، بقلم باتريك إيفينو، يمكننا أن نقرأ أن الصحف اليومية الفرنسية، ولا سيما صحيفة “لوموند”، بدأت وظيفتها الرقمية في نهاية التسعينيات. بالفعل، أنشأت “لوموند” في عام 1997 شركة فرعية سمحت للمضمون الورقي بالانتقال إلى الويب. في الوقت الذي كانت فيه الإنترنت بالفعل مملكة لحرية الولوج، ظهرت مسألة النموذج الاقتصادي على الفور.
في ذلك الوقت، كانت الاستخدامات الرقمية لا تزال مشبعة إلى حد كبير باستعمالات المستهلكين التقليدية، وكان الويب آنذاك مجرد انعكاس للحامل الورقي. لم يكن أحد يستغل القوة الرقمية للخدمات الجديدة. وغني عن البيان القول إن الأمور تغيرت كثيرا منذ ذلك الحين.
في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهر لاعبون نظيفون أوائل، أي أن شغلهم الشاغل الإصدارات الرقمية فقط. في فرنسا، مثلا، تأسست “ميديابارت” في عام 2008، و “الزنقة89” في عام 2007، و “بقشيش” في عام 2006، وكان مؤسسوها كلهم يتحدرون من وسائط أقدم وأكثر كلاسيكية هي، على التوالي، “لوموند” و”لو نوفيل أوبسرفتور” و”لو كنار أونشيني”. كانت النماذج الاقتصادية متنوعة بالنسبة للاعبين النظيفين: الاشتراك في “ميديابارت”، مجانا وتمويله من خلال الإعلان عبر “الزنقة 89”.
طورت وسائل الإعلام التقليدية أيضا مواقعها الإلكترونية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بل ذهبت إلى حد تقديم نسخة بي دي إف من جرائدها أو مجلاتها، ولا يزال هذا هو الحال بالنسبة لمنابر أخرى قليلة العدد.
في البداية، قاموا فقط برقمنة مقالاتهم الورقية قبل الابتعاد عن الورق والاستفادة الكاملة مما يمكن أن تقدمه لهم التكنولوجيا الرقمية من حيث الاستجابة والوقت والديناميكية.
كانت صحيفة “الجارديان” أول صحيفة بريطانية تعطي الأولوية لخدمتها عبر الإنترنت والتي استفادت بالفعل من مزايا الإنترنت وابتعدت عن نموذج “مرة في اليوم”. لم يعد الويب انعكاسا رقميا للحامل الورقي، ولكن الأخبار كانت تُنقل عبر الإنترنت أولاً. حدث ذلك في عام 2006.
منذ عام 2010، أظهرت الإحصائيات أن أشخاصا كثرا أصبحوا يستقون أخبارهم من الإنترنت أكثر من النسخ الورقية، وهذا التحول تم بالطبع على وجه الخصوص من قبل الشباب. من تلك اللحظة فصاعدا، استمرت حركة الاعتماد على الإنترنت في ازدياد مطرد.
ولكل شخص رأيه في التكنولوجيا الرقمية، وأفضل ما بهذا الصدد قرأناه في “إبدو”، (صحيفة سويسرية اختفت منذ ذلك الحين) في أبريل 2011، حيث أنه لا توجد قيمة مضافة على المواقع الإخبارية وأن لا أحد سيدفع فرنكًا لقراءة الرسائل الرقمية. في عام 2013، أكد مدير إحدى أكبر وسائل الإعلام الكندية في هافينغتون بوست أن: “ظاهرة الدخول المجاني لا رجعة فيها”، وأضاف أنه لا يمكن إلا لعدد قليل من الصحف المتخصصة للغاية مثل وول ستريت جورنال باستخدام نظام حظر الاشتراك غير المدفوع.
وفي هذا الوقت اكتسبت غالبية المواقع الإخبارية العالمية على الإنترنت عددا من القراء الرقميين (كان لدى “لوفيغارو” ما يقرب من 10 ملايين زائر طيلة سنة 2012، و8 ملايين لدى لوموند و أكثر من 7 ملايين لدى “لو نوفيل أوبسرفاتور”). ومع ذلك، كانت تلك الوسائط التي فقدت قراء النسخ الورقية مهووسة بالكم، واستمرت في زيادة حركة المرور على الويب، لتكون تحت رحمة نموذج مجاني مدعوم بالإعلانات.
منذ منتصف هذا العقد، شهدنا ثورة حقيقية في وسائل الإعلام عبر الإنترنت. لقد اعتنقت الثقافة الرقمية بوضوح، واستوعبت أخيرا الطفرة التي سيجبرها ظهور الويب على العمل بها، وتوافقت مع الشبكات الاجتماعية، وقررت أخيرا تنفيذ تسويق رقمي حقيقي بهدف إشراك الزبناء أكثر بعلامتهم التجارية وقبل كل شيء إعطاء الأولوية للجودة على الكم.
من الواضح أن هذا التحول قد تم تسريعه بشكل فريد من خلال الاستخدامات الجديدة للويب، وتوقعات مستخدمي الإنترنت تجاه احترام أكبر لشاشاتهم مع تقليل البريد العشوائي، والمزيد من الاهتمام بالجودة.
يعتقد الجميع في المرحلة الحالية أن المستخدمين أصبحوا الآن على استعداد للدفع (توقعت دراسة حديثة لشركة “دولوات” مؤخرا أنه في عام 2018 ، سيدفع 50٪ من البالغين مقابل اشتراكين في المتوسط، وقد تضاعف هذا الرقم بحلول عام 2020) مشترطين ضمان جودة المحتوى. إن هدف وسائل الإعلام الرقمي الآن هو تقديم عرض مدفوع، ولكن بجودة تتوافق مع رغبات مستخدميها. كما نلاحظ الزيادة القوية (145٪) في الاشتراكات عبر الإنترنت في صحيفة واشنطن بوست والسنة الجيدة تماما لصحيفة نيويورك تايمز ودخلها الممتاز من الاشتراك عبر الإنترنت (أكثر من 100،000 دولار في الربع الأخير من عام 2017 وحده). ولا يمكننا أن ننسب هذا الجنون لوسائل الإعلام عبر الإنترنت إلى مغامرات الرئيس الجديد للولايات المتحدة وقطب الإنتاج في هوليوود.
لوحظت هذه الظاهرة أيضا في فرنسا، حيث ذكرت مقالة حديثة نشرها موقع “لي زيكو”أنه في عام 2017، زادت “لوفيغارو” من عدد المشتركين الرقميين بنسبة 30 ٪ وأن المصدر الرئيسي للتداول المدفوع لصحيفة “لوموند” أصبح رقميا.
لذلك يبدو أن وسائل الإعلام عبر الإنترنت آخذة في الارتفاع وأن 2018 بداية جيدة؛ إذ تأكد أنه تم وضع في الاعتبار خلال هذا العام عدا من الممارسات الجيدة لإدامة هذا الاتجاه: مواصلة الاستثمار في التكنولوجيا والتسويق الرقمي.
أما في بلادنا المغرب فقد استفادت وسائل الإعلام الوطنية عبر الإنترنت من انفتاح على مرحلتين: الأولى في نهاية سنوات التسعينيات، وهي فترة طبعتها مرونة النظام الحاكم خلال السنوات الأخيرة من عهد الحسن الثاني والسنوات الأولى من فترة نجله محمد السادس، وهي فترة سماها بعض المراقبين بـ “الربيع المغربي”؛ أما المرحلة الثانية، فتنطلق من بداية عام 2011، خلال التجاوب المغربي مع زلزال الربيع العربي، الذي سمي بحركة 20 فبراير. وإذا كانت هاتان المرحلتان مواتيتين مؤقتا لتنمية واستقلالية وسائل الإعلام – الصحف اليومية والأسبوعية منذ 1997 والجرائد الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي منذ 2011 – فسرعان ما أصيب عدد كبير من الصحفيين والمواطنين بخيبة أمل في كل مرة وفي كل مناسبة.
كشفت حركة 20 فبراير، وإن لم تحقق جميع أهدافها، عن نظام بيئي ديناميكي من المدونين والوسائط البديلة ومستخدمي الفيسبوك الذين أدوا دور غرفة الصدى للمطالبات الديمقراطية، ضد الفساد، والانتهازية واستغلال السلطة. وبحسب أحمد رزقي المدير التنفيذي لجمعية “شباب من أجل الشباب”، ولدت ديناميكية اجتماعية جديدة نتيجة لحركة 20 فبراير: الشباب هم أكثر تفاعلاً من ذي قبل ولم يعودوا يعتمد على وسائل الإعلام الرسمية”.
بالإضافة إلى ذلك، كما يشير تقرير “مابينغ ديجيتال ميديا موروكو”، فإن وسائل الإعلام الرقمية تتطور في
بيئة تحمل بصمة أولويات الحكومة في التنمية الاقتصادية والصناعية. ضمن ذات السياق، طور المغرب منذ التسعينيات اقتصادا ديناميكيا موجها دوليا، وفي نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان الهدف الاستراتيجي هو تحويل البلاد إلى مركز تكنولوجي في شمال إفريقيا. تمكنت بالتالي وسائل الإعلام الإلكتروني في المغرب من الاعتماد على معدل انتشار للإنترنت بلغ 56٪. هذا المعدل مرتفع للغاية بالنسبة للمغرب العربي (الجزائر وتونس 17٪ و 44٪ على التوالي) والعالم العربي بأكمله: من بين البلدان الثمانية التي تشملها هذه الدراسة، لبنان هو الوحيد الذي لديه معدل اختراق أعلى.
يمثل هذا الاعتماد الكبير على الإنترنت فرصة لتطوير وتنويع وسائل الإعلام الرقمية، ولكن وفقا لأبو بكر جامعي، المؤسس المشارك لمجلة “لوجورنال” و”لكم.كوم”، لم يكن هذا هو الهدف الاستثمار في هذه البنى التحتية: “يطمح النظام إلى إبراز صورة التقنية والحداثة الاقتصادية، وذلك لإبراز قدرته على إدارة الدولة، وإعادة معالجة قضايا الديمقراطية والحرية. من علامات هذه الحداثة تطور أداة الإنترنت. لذلك فإن إضفاء الطابع الديمقراطي على الولوج إلى المعلومات له أضرار جانبية على النظام. “ؤؤؤؤ
بالإضافة إلى ذلك، هناك فجوة رقمية في المغرب، بسبب عدم تطوير البنية التحتية في خارج المدن، تكاليف المعدات والتوصيل، انخفاض معدل الإلمام بالقراءة والكتابة (67٪ في عام 2014 وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الأعلى معدل منخفض في البلدان التي تغطيها هذه الدراسة – معدل ينخفض ​​إلى أقل من 50٪ في مناطق ريفية معينة) ونقص الثقافة الرقمية . وبالتالي يقتصر الولوج إلى الإنترنت واستخدامه على المناطق الحضرية والفئات الأكثر ثراءً من السكان. إن دمقرطة الولوج إلى الإنترنت ، بما يتجاوز التبايناتت الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية، لا تزال قائمة. لذلك من الضروري تلبية توقعات المغاربة الذين، كما أشار أحمد نجم، مدير اللاعب النظيف “كود” “يستهلكون بكثافة المنتوجات الصحافية عبر الإنترنت. ليس من أجل لا شيء أن موقع “هسبريس” الإخباري من بين المواقع التي تحظى بأكبر عدد من الزيارات في البلاد! في كوقع “جود “، يعول بشكل خاص على التطبيق الخاص بالهاتف المحمول للرفع من عدد المشاهدات. في الوقت الحالي، يستخدم 20٪ من زوار “كود” المنصة المتنقلة.