خلال سبعينات القرن الماضي، ساهمت قراءات وتوقعات صناع القرارات الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية في تجاوز تداعيات أزمة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي في ظل تخفيف حدة التوتر بين المعسكرين والتي صاغها الدبلوماسي الألماني المحنك، الأمريكي الجنسية هنري كيسنجر، الذي ساهمت عبقريته الفذة في الدبلوماسية الأمريكية وقدرته على صياغة السياسة الخارجية الأمريكية في جعل هذه الأخيرة رائدة في إرساء أدبيات الدبلوماسية البراغماتية على الصعيد الدولي.
لاتزال التوقعات على الساحة الدولية غير واضحة المعالم بخصوص الحرب الأوكرانية-الروسية، وتتخبط في دوامة الزمان التي عطلت اقتصاديات الدول الكبرى وعلى وجه الخصوص الدول الصاعدة، فالتوقعات الزمنية توحي بأن هناك حاجة ماسة لمعرفة خفايا نوايا الدول التي تسعى إلى إعادة هيكلة العلاقات الدولية وتحديث شبكة التحالفات الجيوسياسية والاستراتيجية التي تهدف إلى تشكيل مستقبل عالم جديد ذو صبغة قطبية متعددة الأطراف.
في الواقع، ترتكز مقاربة كيسنجر الشاملة حول نتيجة الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا والتي تتجه نحو تصاعد المخاطر في المجال العسكري والطاقة والغذاء التي ستواجه العالم بأسره، مُبينا أن هذه الحرب ستُغير معالم الدبلوماسية البراغماتية داخل دهاليز الساحة السياسية والدولية، وإعادة بناء حقل المنظومة الدولية التي تربط ما بين الفضاء الخارجي الدبلوماسي الذي يرتكز على الحق في الحفاظ على سيادة الدول والتأكيد على وجودها الأممي من جهة، وبين ما هو استراتيجي تحالفي بحيث تُثبت الدولة نفسها من خلال انخراطها في التعاون الدولي من جهة أخرى، والدليل على ذلك إن عزل روسيا عن أوروبا سيضطرها، بما لا يدعو مجال للشك، إلى البحث عن حلفاء وشركاء استراتيجيين آخرين بما يعزز توازنها ومكانتها الدولية ويُبعدها في آخر المطاف عن دوامة نشوب حرب باردة جديدة.
مما لا شك فيه، إن الحرب الروسية-الاوكرانية بددت كل مقومات النجاح الدبلوماسي واستبدلت نمط التواصل والتعاون الخارجي بين الدول في هيئة عدم الانحياز لقرارات دول الحلفاء والحفاظ على مكتسبات التقارب الخارجي الذي يُبقي هذا التحالف بعيدًا عن ما تعتريه الحياة السياسية والاقتصادية الدولية من مفهوم التسلط والفوضى والتقارب اللامعياري المُتأرجح بين الدول المتنافسة الكبرى، وهذا ما أكده ووضحه كيسنجر من خلال توقعاته الاستباقية فيما بعد الحرب الأوكرانية الروسية والتي ستصبح فيها جغرافية الساحة الدولية قد عرفت تقاربات وتحالفات سياسية جديدة أصلها العداء بين حلفاء المعسكرين الغربي والشرقي.
إن فحوى توقعات كيسنجر، من خلال هذا المنظور السابق الذكر، هو التحالف الروسي الاستراتيجي مع الصين بحيث باتت المنافسة الجيوسياسية الدولية تدخل منعطفًا جديدا ألا وهو البحث عن فرص للتعاون المشترك وبناء علاقات شراكة استراتيجية وتحالفات جديدة يمكن أن تُعطي خيارات استراتيجية وآليات للتقارب الجيوسياسي والأمني لمنع فرضية التحالف والتحرك العسكري الروسي الصيني الذي يُهدد بزوال النظام العالمي أحادي القطب.
وعليه، فإن النظام الدولي الحالي الذي يتنازعه كتلة من الدول تعي أن هناك خطرا جيوسياسيا، اقتصاديا وعسكريًا يحوم حوله، وبات يسير نحو ما يُعرف بالحرب الايديولوجية والتكنولوجية بين كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية .
صحيح بأن ما فنَّده كيسنجر حول الظهور غير المسبوق للاختراعات المتطورة وذكاء اصطناعي تكنولوجي سريع الانتشار في المنظومة العسكرية والترسانة النووية للدول العالم، تُشير بتكهنات على أننا نعيش في عالم يؤطره منطق قوة الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي الذي أصبح يفرض نفسه كمؤشر ومعيار للتحالف الدولي لنظام عالمي قادم تحكمه مبادئ القطبية المتعددة الأطراف، وبالتالي فإن كل هذه المؤشرات التحليلية والاستباقية تَصُب في خانة إعادة النظر في “ماهية ” قوة الذكاء الاصطناعي الذي تمتلكه كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية والذي يُهدد الاستقرار والأمن العالمي إن لم يتوصل الطرفان لحل توافقي للتوتر التجاري بينهما، لأن الدبلوماسية البراغماتية الحالية تحتاج إلى مقاربة مختلفة يمكن أن تواجه بها جل التحديات الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة بين الدول.
في الحقيقة، التوقعات والمقاربات الدبلوماسية الاستباقية لكيسنجر، لم تكن كافية لمعرفة كل التجليات والمخرجات التي من شأنها أن تطرأ على الساحة السياسية الدولية، بحيث شكل الغزو الروسي لأوكرانيا نقطة تحول في عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية، لأن هذه الحرب أصبحت تهدد الأمن الأوروبي ناهيك عن زعزعة نظام الاتحاد الذي بات يُسارع في توسيع قبول العضوية للدول الجديدة، هذا ما يُفسر أن العالم الحالي بات محكومًا بقوة تطور الذكاء الاصطناعي والتفوق التكنولوجي الذي يّغير موازين القوى الدولية.
وعلى العموم، فإن رؤية كيسنجر للنزاع الأمريكي الصيني حول مستقبل العلاقات التجارية بين البلدين ستُغير مفهوم الدبلوماسية البراغماتية التي تقوم على أسس التعاون المشترك، في حين هذه الحرب التجارية المعكوسة ستؤدي إلى سيناريوهات أكثر سوءا من تداعيات الحرب العالمية، فعلى أمريكا اليوم أن تتقبل هذه الوضعية التنافسية من طرف قوة صاعدة وأن تلك المنافسة ستظل مستمرة إلى حين توصل إدارة بايدن إلى اتفاق يُنهي الصراع بينهما والمتمثل في عدة اعتبارات أساسية وهي؛ أولا: قبول أمريكا إمكانية الحوار الدبلوماسي مع الصين والبحث عن سبل للتعاون المشترك، ثانيا: فتح قنوات الاتصال الدبلوماسية التجارية مع بكين، والتنازل عن بعض الامتيازات التجارية والجمركية لتحقيق التعاون المتبادل لإنهاء هذه الأزمة بدل الدخول في صراع عسكري بين البلدين، ثالثا: تغيير الإدارة الامريكية عقليتها وسياستها الخارجية تجاه الصين بخصوص قضية تايوان وهونغ كونغ، ناهيك عن توقف الاتهام المباشر لبكين بالضلوع بانتشار فيروس كورونا وكذلك مسألة حقوق الإنسان، إن كل هذه الاعتبارات ستشكل حلا جذريا للصراع القائم، والذي قد يؤدي في حال عدم توصل الجانبين إلى تسوية شاملة، لنشوب حرب عالمية ثالثة.
وبالتوازي، فإن مسألة تجنب هذه الحرب، ينبغي أن تكون بالتوصل إلى تسوية سياسية عاجلة مع روسيا بتدخل دبلوماسي صيني على غرار الصفقة التي عقدها الرئيس الأميركي آنذاك كينيدي مع نظيره غورباتشوف سنة 1962 والتي توجت بإنهاء الصراع الذي كان قائما آنذاك، فتعنت الغرب اليوم عن سلك طريق التوسط الدبلوماسي الصيني لحل الأزمة الروسية-الأوكرانية يجعل إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة أمر محتوم لا مفر منه.
وختامًا، ما تطرق إليه كيسنجر حول التنبؤات المستقبلية بخصوص تجليات الحرب الروسية-الأوكرانية على الساحة الدولية وانعكاساتها الخارجية على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية لدول العالم، وتأثيرها الكبير على الأمن القومي العالمي سواء في مجال قطاع الطاقة والأمن الغذائي، وبلورة نظام عالمي جديد تحكمه مبادئ وأدبيات جديدة تتمثل في بزوغ قوة الذكاء الاصطناعي والهيمنة التكنولوجية عِوضا من منطق القوة العسكرية الكلاسيكي.
إن ما قدَّمه الدبلوماسي كيسنجر في قراءاته حول القضايا الدولية الكبرى والعلاقات الخارجية بين دول آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية، ستفتح باب النقاش حول قدرة امريكا على إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية باعتبارها القوة العظمى الحاكمة دوليًا والمُسيطِرة عسكريا على النظام العالمي، ناهيك عن التزام هذه الأخيرة مع الصين لتجنب نشوب حرب عالمية جديدة إن لم يتم التوصل إلى حلول سياسية ودبلوماسية واعدة.
فالسؤال المطروح الآن: هل سيكون هناك تعاون دولي بديل ومضمون بين الدول العظمى في إيجاد حلول سياسية ودبلوماسية عقلانية ومعقولة لإنهاء الأزمات العالمية بأقل تكلفة ممكنة ؟ وما هي أدوار قوى وهيئات السلام وحقوق الإنسان في دعم هذه الإرادات والديناميات في ظل تطلع الجميع إلى إبتكار خريطة عالمية جديدة وخلق توازنات بديلة تستحضر عدم نجاعة الوضع السلبي للقطبية الأحادية وتداعياتها الوخيمة ؟

الاسم الكامل: ايت لعضام جمال، دكتور العلاقات الدولية و السياسة الخارجية الصينية ، جامعة جلين ،تشن تشونغ ، الصين .عضو المركز المغربي للديمقراطية والأمن .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube