أحمد الونزازي

كيف تحول شتاء كييف إلى صيف ساخن. بعد شد وجذب بين روسيا والغرب، حول حق الدول في اختيار شركائها الاقتصاديين و العسكريين و حقها في اختيار توجهاتها الايديولوجية و الانتماء إلى الشرق أو إلى الغرب، دون مراعاة للجغرافياالسياسية التي تنتمي إليها ،طفت من القعر الأزمة الأوكرانية، لتكشف لنا، قوة الاستقطاب بين الشرق والغرب و حساسية هذا الاستقطاب عندما يتعلق الأمر ب الأمن القومي لكلتا القوتين العظميين.
روسيا ترى في اقتراب الحلف الأطلسي من حدودها الغربية تهديدا مباشرا و خطيرا على أمنها القومي و الاستراتيجي و تعتبر ذلك بمثابة إعلان حرب عليها، لهذا كان تدخلها في أوكرانيا من وجهة نظر موسكو تدخلا منطقيا و لا يشكل اي تهديد على السلم والأمن العالمي. أما الغرب فهو يرى أن تدخل روسيا في أوكرانيا، له دوافع اقتصادية و ذو نزعة توسعية و يخرق القانون الدولي.
و عود على بدء، لو أردنا أن نكون منصفين، لوجدنا أن كل الحروب التي شهدها العالم بعد سقوط جدار برلين، كانت حروبا استباقية و لدواعي أمنية بالدرجة الأولى. ابتداء من حرب الخليج الثانية إلى الحرب على أفغانستان و إسقاط نظام طالبان و حتى إسقاط نظام صدام حسين و احتلال العراق. حروبا للحفاظ على الأمن القومي و الاستراتيجي لأمريكا و الغرب. حروبا استباقية لدواعي سياسية، غايتها فرض الهيمنة على المنطقة العربية و الاقتراب أكثر من الصين، الصاعدة في كل المجالات بسرعة البرق، و المنافس الأول للغرب، خصوصا في التكنولوجيا الحديثة و وسائل التواصل، و غزو الأسواق الناشئة و العالمية، و زرع  استثمارات كبيرة في عدد من دول العالم الثالث و الدول العربية و أوروبا و في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
و أعتقد أنه بسقوط جدار برلين، تدحرج العالم نحو قطبية أحادية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية و الحلف الأطلسي ، و ذلك بعد سقوط و انهيار الاتحاد السوفياتي السابق و حلول ربيع براغ و سقوط نظام تشاوشيسكو ،مما أدى إلى تغيير جذري في التحالفات الدولية و التي انجرفت نحو القوة العظمى الجديدة و الوحيدة ،الولايات المتحدة الأمريكية. و بذلك فقد النظام الدولي العالمي كل توازن، و دخلنا في مرحلة : (من ليس معنا فهو ضدنا ) و خرق واضح للقانون الدولي بدواعي الحرب على الإرهاب و الحفاظ على الأمن القومي و الاستراتيجي لأمريكا.
الحرب بين روسيا والغرب هي حرب استراتيجيات و حرب استباقية للحفاظ من جهة على الأمن القومي لروسيا و من جهة ثانية هي لإعادة التوازن بين الحدين أو القطبين المتصارعين حول زعامة العالم من جديد. 
و مع كل الصراعات و الأزمات و الحروب، يبقى العالم العربي خارج التاريخ، أي لا محل له من الإعراب في ما يجري في العالم من مستجدات آنية، لكن المصيبة هو أن العالم العربي ،يبقى المنطقة الاكثر تعرضا لتوابع تلك الأزمات، نظرا لارتباطنا باقتصاد السوق. و الطامة الكبرى هي أن أمننا الغذائي و الطاقي و المالي مرتبطين ب الآخر، و حتى العسكري و الوجودي أيضا. ف الدول الفاشلة لا تستبق الأمور، ف الاستشراف غائب و الحكامة غائبة و حسن التدبير و التسيير و البرمجة منعدمين و خلق تنمية مستدامة و النهوض بالقطاعات الإنتاجية و الاعتماد على الذات و الموارد المحلية و الطاقات البشرية المؤهلة غائب. بل تحويل الاقتصادات من اقتصادات ريعية إلى اقتصادات تنافسية ذات مردودية و إنتاجية تكفي السوق الداخلية و تغنينا عن الاستيراد، غائبة.
العالم العربي، البعيد عن منطقة الصراع ، أوكرانيا، هو اول المتضررين من الحرب بين روسيا والغرب، ارتفاع مهول لأسعار المواد الغذائية و الطاقية و خصوصا الزيوت النباتية و الحبوب و القائمة طويلة. العالم العربي يتأثر كثيرا بالرغم من انه خارج السياق الدولي و خارج التاريخ.
و السؤال إلى متى سنظل خارج التاريخ و خارج ذلك الذي يحدث في العالم و من حولنا!
إن الانهيار الاقتصادي، الذي أصاب سريلانكا ،ينبئ بذلك الذي قد يأتي إلى عدد كبير من بلدان العالم الثالث و الدول ذات الاقتصادات الهشة، انهيارات اقتصادية سريعة ، إذا لم تحاول تلك الدول من وضع خطط استعجالية تقويمية لاقتصاداتها، خطة إنقاذ شاملة، بتدابير فيها من الحس الوطني و نكران الذات، ما يجعل مصلحة الأوطان فوق أي اعتبار.
الحرب بين روسيا والغرب، هي حرب لإعادة تشكيل التحالفات الدولية الكبرى، سياسيا و اقتصاديا و عسكريا و أيديولوجيا، لإعادة رسم خريطة سياسية جديدة للعالم، لوضع معالم واضحة لعالم كان حتى الأمس بلا معالم.
النقلات الحضارية، تخلقها الأزمات الكبرى، أزمة فكرية ترسم خطوط السقوط، لإعادة البناء. بناء عالم جديد او نظام عالمي جديد يعتمد مقاربات فكرية جديدة بتوجهاتها السياسية و الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية و القيمية و الأخلاقية.

أحمد الونزاني.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube