عبد المجيد مومر

“قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا”. 84 سورة الإسراء
ربَّاهُ يَا رَبَّاهُ .. فَأنَّهم يعيشون بين ظُهْرانينا، بل كُنَّا نحسَبهم “إخوانا” لنا في الوطنية و المواطنة الدستورية. هكذا كنا نبارك لهم رؤية هلال رمضان، و هكذا كنا نتقاسم معهم قرعة حج البيت ما إستطعنا إليه سبيلا. بينما تيمة اللَّئَام مقروضةٌ على ألسنة الغُلاة الشداد، كي تفيض بالعلقم المعصور من عقولهم الرافضة للديمقراطية التشاركية. حتى أن جوارح التلفية الضالة لَهِي قاذفةٌ راجمةٌ بالتكفير الخفي. و ها هيَ ذي أيديهم تَتَرنحُ طمعا في سبايا الجهاد المزعوم، بعد هدر الدماء عند مراسيم حرق سيرتنا المدنية.. فإلى قَدَرٍ آخر!.
وَا وَاطَنَاه .. كأن مشيخة التَّلَفِ لا تريد حفظ الروح بالجسد، و قد هَبَّ فَتاكَ لبَّى نِدَاك. أيْ : فداك يا وطني الرائع و يا وطني فِداك. بما أننا -وفق فتوى الأجلاف – لسنا رائعين، أو لا حق لِكَيْنُونَتِنا في الحياة. فلا حول ولا قوة إلّا بالله المحيي المميت!.
هكذا إذن .. و هي ذي عقيدة التَّلَفِيّة الضَّالّة، فإنما نحن أمام رَوْع الغلو الكبير. لذا نستمسكُ بِذِكرِ الحمد لله، و يالَها عذبةُ الحروف خيرُ الجُمَل. فالحمد لله وحده، و إِنَّا لهُ، و إِنَّا إليه راجعون. ثم شتان ما بين الرجوع إلى الله و ما بين الإشتقاق الرجعي عند تحريف شرع الله!.
و عساهُ الرجاء في الله العلي العظيم. حتّى نرى الوطن قائما بمؤسساته الدستورية الوطنية، حازما في مواجهة فلول الإرهاب اللفظي و الدموي. ذلك قصد ردع كل ما من شأنه أي يمثل خطرا على أمن المغربيات والمغاربة ، و على الأمان الثقافي المغربي.
كَلَّا .. نحن لا نَمْقُتُ إنسانا!. إنما نحن لمشيخة العنف و القتل كارهونَ. كما نحن للرويبضات ناصحونَ. بما أننا -و فقط-، أننا الحالمون بمغرب يستفيد من الجميع و يستفيد من ثمار أَمْنِه الجميع. نعم .. مغرب القوة و التقدم!
إنّ مَجَازَ السّرد الناظمِ، يكشف الخيط الرابطِ بين غُلاة الملاغة التكفيرية، الذين يتوزعون بين تنظيمات شتى، داخل معسكر التدين الحاكمي. حيث أن المجاز السردي يَنطلق من رصد تطابق الوقائع، عند توصيف البشاعة الواردة على لسان ذاك العفريت السليماني الذي تجرأ على التلفظ بعبارة تهديدية: “فتح أبواب جهنم” دفاعا عن مُجرم قتّال من عشيرته. و ايضا الوحشية الظاهرة على أيدي القتلة التي فجرت، أو التي تجرأت على ذبح خلق الله من الوريد إلى الوريد و سَعَتْ من أجل قطع شرايين الاستقرار و الأمن الوطني.
فها هي اليوم؛ ألسنة الغلاة الشداد مضبوطة بالجرم المشهود، إذ أن أول الإرهاب كلامٌ. و من باب النصح الراشد، جاز لنا التحذير من مغبة الاستمرار في التطبيع غير القانوني مع إنزلاقات خطابات جهادية متطرفة (بنكيران، العمراني، العمري، الكتاني، و العبادي… إلخ). حيث لا بد لنا من تغليب المصلحة العليا للمملكة الشريفة، عبر إجتناب شرور التّلَفيّة الهدامة التي تُشَرْعِن الانقلاب على ماهية الأحكام الدستورية. ذلك حتى تُفَذْلِكَ “مشروعية ما” للإشتقاق الرجعي لفتاوى التكفير الإرهابي بغرض تجديد الصحوة الترهيبية الحاقدة.
فمن تفجيرات 16 ماي، مرورا بواقعة النحر المتوحش للسائحتين، وصولا إلى ملاغة الإيحاءات التكفيرية المدسوسة دسا بين ثنايا مشيخة الرويبضات المُتفرّعَة. قد ينكشف لنا شيءٌ فظيع قبل عدة أشياء مريعة، أيْ أنَّ جرم الغلو المُحَرَّم قد إرتكبه “مغاربة” تشبعوا بعقيدة التّلَفية الضالة المبشر بها جهارا نهارا، في غياب المساءلة القانونية الصارمة.
و تذكروا معي – مرة ثانية- كيف هاج نفيرُ “الإصلاح و التوحيد” من أجل منع محاكمة أحد المتهمين بالقتل، بعد أن ظهرت إيحاءات سليمان العمراني حول “فتح باب جهنم”. بل .. قد خرج علينا اليوم، رئيس الحكومة الأسبق بنكيران، و تجرأ بإيحاء داعشي بواح حَتّى استهدف فصيلا ثقافيا مغايرا. حيث هدد بالجهاد المزعوم، رغم أن الميثاق الأسمى للأمة المغربية ينص على ما يلي :
“المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية و الترابية، و بصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، و الأمازيغية، و الصحراوية الحسانية، و الغنية بروافدها الإفريقية و الأندلسية و العبرية و المتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، و ذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح و الاعتدال و التسامح و الحوار، و التفاهم المتبادل بين الثقافات و الحضارات الإنسانية جمعاء.
بالتالي .. فليس من باب المغالاة في التوصيف، أن نحذر ممّا يمكن أن نصطلح عليه مجازاً بأناكوندا التَّلفيّة السامة، أناكوندا ذات الرؤوس المتعددة بغايتها الوحشية المشتركة. فلا يمكن الفصل بين مكوناتها الجماعاتية المتطرفة مادامت تلك غاية التدين الحاكمي التي تبرر التكفير، و تمهد سياسيا و أيديولوجيا لاستعمال وسيلة العنف، سواء عن طريق اليد (تفجيرات الدار البيضاء و مراكش،قتل السائحتين)، أو عبر التقعيد الأيديولوجي (فتاوى و دروس مشيخة الرويبضات).
و لأن الشرَّ بالشّرّ يُذْكَرُ، فجميع هذه القرائن المرصودة حول الحاضنة “الفقهية و الجماعاتيّة” لِمِلَّة التلفيَّة الشَقِيَّة، تنضاف إلى التهديدات الإنفصالية الإرهابية، التي تطلقها ميلشيا جبهة الاتجار بالبشر في سوق نخاسة تنظيمات التوحش الجهادي بصحراء شمال أفريقيا. فكأن التلفية و الإنفصالية تتواعدان على تحريض الشباب على الحرب و القتل و الحقد والكراهية و التعصب المذهبي و التطرف المُسلح.
فَبِئسَ الرويبضة الذي تَأَلَّهَ على الله و تجَبّر فوق الوطن، باسم إشتقاقات رجعية لِتَدَيُّنٍ مغلوطٍ، كي يبرر الإرهاب الجسدي و اللفظي. أَيْ: أن خير الجهادِ جهادُ النفس، و أن زمن البعثة و العصمة قد أغلق بابه مع الخاتم الصادق الأمين رسول الرحمة و الحكمة، المؤيد بالقرآن المبين. و أنها سرديةُ دُعاةٍ علَى أبوابِ جهنّم، إذ هم ليسوا رسلاً و لا أنبياء، بل إنهم بشر مثلُنا لا يدرون ما يفعل الله بهم أو بِنا.
وعند الختم .. هكذا أقتبس من نهج بلاغة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنْهُ -، حين قال في خُطبة عميقة: “فَقَدْ جَرَّبْتُمُ اَلْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا، وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ لَكُمْ اَلْأَمْثَالُ، وَ دُعِيتُمْ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْوَاضِحِ. فَلاَ يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ وَ لاَ يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَعْمَى، وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِالْبَلاَءِ وَ اَلتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْعِظَةِ وَ أَتَاهُ اَلتَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ ، فَإِنَّ اَلنَّاسَ رَجُلاَنِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لاَ ضِيَاءُ حُجَّةٍ”.

عبد المجيد مومر
شاعر و كاتب رأي

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube