بقلم: عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

يعاني المجتمع المغربي من حالة اللاثقة التي تواجه بها المدرسة العمومية من قبل الآباء و أولياء أمور التلاميذ.
وفي مقابل هذا الشك، تعرف المدرسة الخصوصية تطورا مرحليا شهدت فيه تحولات جذرية على مستوى سيرورتها التأسيسية.
فقد عرفت أولى مراحل مؤسسة التعليم بالمغرب تأطيرا ضمن قوالب الفكر الاستعماري الذي كان يقدم تعليما فرنسيا خاصا بأبناء المعمرين. و سعى من خلاله لاستقطاب أبناء الأعيان خدمة لاستراتيجيات الإدماج في السياسة التعليمية لفرنسا و التي استهدفت البرجوازية المغربية التجارية، العقارية و الزراعية حتى تكون حليفا لها في تنفيذ ايديولوجيتها الاستعمارية. أما أبناء الفقراء والفلاحين فيؤهلون لأعمال حرفية تخدم المشاريع الاقتصادية للمستعمر. ومن هنا، بدأ انتقاء زبناء المدارس على أساس طبقي و فئوي ديني و اجتماعي.
ومع مرور الوقت، عمد بعض من الأعيان المغاربة إلى إنشاء مدارس وطنية خاصة تكفل تعليما وطنيا أصيلا سعيا منهم إلى النضال من أجل الاستقلال ونشر الثقافة الإسلامية بشكل أقل جمودا مما كان عليه الأمر من قبل.
فارتبطت المؤسسات الخصوصية في تجربتها الأولى برياض الأطفال وسط الأحياء السكنية قبل أن تنتقل إلى تجربة المدارس الإبتدائية الخصوصية لتظهر موجة جديدة على مستوى التعليم الإبتدائي تهم أبناء الفئات الميسورة وتقدم تعليما نخبويا على نمط مدارس البعثات الأجنبية. وأمام نجاح تجربة هذه المدارس الإبتدائية انتقلت التجربة إلى الاشتغال في الإعدادي والثانوي التأهيلي.
ومع تراجع التعليم العمومي لأداء واجبه التربوي والتعليمي، بدأت تتغول المدارس الخصوصية لتصبح بديلا عن المدرسة العمومية التي سلم بفشلها. فلم يعد تمدرس الأبناء في مدارس خاصة ترفا اجتماعيا وإنما ضرورة ملحة.
و مؤسسات التعليم الخصوصي غلب عليها طابع الولوجية حيث لا تتحدد وفقا لمعايير موضوعية وإنما تبعا للقدرة الشرائية للآباء وضمانا لمستقبل أفضل للأبناء. هذا ما يجعل الآباء ينخرطون بجهد مالي أكبر في تدريس أبنائهم.
وهنا يتضح أن قطاع التعليم الخصوصي قطاع استثماري يفصح عن نجاعته كمشروع ربحي. ولعل في مشكلة الظهور الاجتماعي تبريرا آخر لاختيار التعليم الخاص، فالتخلي عن تمدرس الأبناء حتى في مدارس خاصة قد يبدو كنوع من المغامرة غير محسوبة العواقب و شكلا من أشكال التمرد على النظام الإجتماعي.
أما فعن المدرسين، فلا تسل. ففي المدارس الخصوصية نجد أن أغلبهم تحصلوا على شواهد جامعية وقلة منهم فقط لديهم شواهد مهنية تؤهلهم لحقل التدريس. وإن كانت الإجازات المهنية التي توفرها الجامعة المغربية في العقدين الأخيرين قد أسهمت في الرفع من جودة تكوين العاملين في القطاع الخصوصي. و لا بأس أن نقف عند غياب الجانب الديداكتيكي في تكوين أغلبهم فيجد المتعلمون أنفسهم أمام أساتذة وإن كانوا يمتلكون المعرفة، لكن ينقصهم التكوين النظري على مستوى آليات التدريس، طرائقه، آليات ضبط المتعلمين والتعامل مع بنياتهم النفسية. فلم يعد، يحتكر الأستاذ اليوم المعرفة وإنما يكتفي فقط بتسيير العملية التعلمية و على هذا الأساس يفترض فيه أن يمتلك مهارات تسيير الجماعات وضبط شبكات العلاقات داخل القسم.
أما من جهة أخرى، فتمويل الآباء لتمدرس أبنائهم بشكل مباشر خول لهم حق المراقبة طالما أن المدارس الخصوصية تتسابق وتجتهد لإرضاء ميولاتهم، ليجد المدرس نفسه مطالبا باقتسام سلطته البيداغوجية مع أولياء الأمور، الأمر الذي يطرح إشكالية موضوعية التقويم والتعليم ويغذي من جديد معايير النخبوية والانتقائية.
وعلى أي حال، تبقى مدارسنا العمومية حتى وإن أشهرت إفلاسها إلا أنها تحتضن خبرات وكفاءات عملية راكمتها سنوات العمل الميداني.
علينا إذن، ألا نركز احتياجاتنا على المنتوج المعرفي بل على المتعلم في إمكاناته، مهاراته،  احتياجاته ونماذجه العقلية ويبقى ثالوث المعرفة: الفعالية، الإمكانية، الحافزية إطارا وجب الهدي والاقتداء به من أجل بناء رجال الغد. وهذا هو الاستثمار المباشر والعملي المهم في سوق الشغل وبه ستظل مدرستنا عمومية أو خصوصية منتجة للكفاءات وليس لما يسمى “بروليتاريا مثقفة و عاطلة”.
فكيف اذن وما هي الآليات التي يمكن تسخيرها من قبل النموذج التنموي الجديد لاستخراج أجيال مثقفة و عاملة؟ أين هي المنظومة التعليمية القادرة على الرفع من جودة التعليم بصفة عامة في مملكتنا الشريفة؟
ننتظر عمل السي شكيب بنموسى، الوزير الوصي على قطاع التعليم و رئيس اللجنة الملكية التي كلفت بخارطة طريق النموذج التنموي الجديد، الذي قطع وعدا على نفسه أن يصلح التعليم ليصبح مواكبا للعصر أم أن ما حرره في تقريره حول التعليم سيبقى حبرا على الورق! على كل حال، نعلم أن مسؤوليته ثقيلة و نتمنى له التوفيق.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube