أحمد رباص – حرة بريس

ذلك ما حاول القيام به في رسالته الشهيرة التي تحمل اسم (حي ابن يقظان)، وهو اسم استعاري يطلق على المتفرد، ويعني الحي، ابن اليقظ. باقتباس قصة من بنات خيال ابن سينا، تصور ابن طفيل حيا بدون أب أو أم، يعيش في جزيرة غير مأهولة بالبشر تقع أسفل خط الاستواء.
في ظروف جسدية معينة حلت محل عملية التكاثر ، يخرج الطفل من الأرض، وتتعهد غزالة برعايته وتغذيته بحليبها.
تتميز الفترات المختلفة من العصر بالتطورات المتتالية في معرفة كل ما هو موجود. كانت معرفة حي الأولى مقتصرة على الأشياء المحسوسة، وتعرّف تدريجياً على العالم من حوله واكتسب مفاهيم الفيزياء. في وقت لاحق، أدرك في مجموعة متنوعة من الأشياء الرابطة المشتركة التي توحدها. الكائنات متعددة من جهة وواحدة من جهة أخرى. فهي متعددة بالصدفة، وواحدة من حيث جوهرها الحقيقي.
يقوده ذلك إلى البحث عن مكان وقوع الحوادث وأين يكمن جوهر الأشياء؛ وبذلك ينجح في تمييز المادة عن الصورة في كل ما هو موجود.
الصورة الأولى هي النوع. جميع الأجسام متحدة من خلال الصورة الجسدية. وهي تختلف من حيث صور لأجناس ولأنواع، بما في ذلك صورة المادة. والأجسام، بشكل عام، هي مزيج من المادة الأولية والصور الجسمانية والجوهرانية.
من خلال التفكير في المادة والصورة بهذه الطريقة، يجد المتفرد نفسه على أعتاب العالم الروحي. من الواضح أن الأجزاء السفلية هي نتاج شيء ما؛ لذلك يوجد بالضرورة شيء يصنع الصور، لأن كل ما يتم خلقه يجب أن يكون له خالق.
يوجه حي نظره إلى السماء، ويشاهد مجموعة متنوعة من الأجرام العليا أو السماوية. لا يمكن أن تكون هذه الأجسام لانهائية. تعرف على الأجرام المنتهية في السماوات أو المدارات السماوية. إن المدارات، بما تحتويه، تشبه فردا واحدا، وبهذه الطريقة يشكل الكون كله وحدة.
هل الكون أزلي أم أن له بداية في الزمن؟ هذا ما لا يستطيع المتفرد أن يقرره؛ لأن هناك أسبابا قوية بنفس القدر لكلتي الفرضيتين. لكننا نرى أنه يميل أكثر نحو خلود العالم. مهما كان الأمر، فهو يدرك أن هناك كائنا فاعلًا يديم وجود العالم ويجعله متحركا. هذا الكائن ليس جسدا ولا ملكة في الجسد. إنه صورة الكون.
كل الكائنات هي من خلق هذا الكائن الأسمى الذي هو الله، يجب أن يتجه فكرنا، الذي يتأمل جمال الخلق، فورا نحو الخالق، نحو صلاحه وكماله. كل الصور بداخله وتأتي من أفعاله، وبطريقة ما لا يوجد كائن آخر غيره.
بالعودة إلى القوة الفكرية الموجودة فيه، نجد متفردنا يكتشف أنها في حد ذاتها غير مادية تماما، ما دام أنها تدرك منفصلة عن أي بُعد أو كمية؛ الشيء الذي تعجز عنه الحواس والملكة التخيلية.
هذا هو الجوهر الحقيقي للكائن الإنساني: فهو (الجوهر) لا يولد ولا يفنى. إنه منزعج من المادة، وعليه أن يبذل جهودا لتحرير نفسه منها، مع إعطاء الجسد فقط الرعاية الضرورية للغاية لوجوده.
غبطة هذا الجوهر وألمه ناتجان إما عن اتحاده بالله أو اغترابه عن الله. لا شيء يضاهي هذه المادة تحت الكرة السماوية. لكنها توجد بدرجة أعلى في الأجرام السماوية (ذكاء الكرات). وإذ يكون للكائن البشري تشابه مع الأنواع الثلاثة للكائنات، أي الحيوانات الأخرى، والأجرام السماوية، والكائن المتفرد حقا، يجب بالضرورة أن يشبه، من خلال أفعاله وصفاته، الثلاثة جميعا.
ثم يفحص المتفرد الأفعال التي يشبه بها الإنسان الكامل كل نوع من الأنواع الثلاثة وكيف أنه من خلال فصل نفسه تباعاً عن كل ما هو أدنى، يجب أن يصل إلى الحد الأخير، أي أن يشبه الله ويتحد معه. إنه يسعى إلى الابتعاد عن كل ما يتعلق بالحواس والخيال، ليعدم نفسه، إذا جاز التعبير، حتى يترك الفكر وحده.
ما يراه في هذه الحالة لا يستطيع وصفه، ومن خلال الصور فقط يتمثل كل ما رآه في العالم الروحي. إنه يعتقد أنه متطابق تماما مع الكائن الأسمى، ويبدو أن الكون بأسره موجود فقط في الله وحده، الذي ينتشر نوره في كل مكان ويتجلى بشكل أو بآخر في جميع الكائنات، تبعا لدرجة نقاوتهم.
التعدد موجود فقط بالنسبة للجسد والحواس. إنه يختفي تماما لدى من فصل نفسه عن المادة. ومن ثم فإن فيلسوفنا، من نتيجة إلى أخرى، دون أن يعترف بذلك لنفسه، يقود متفرده إلى وحدة الوجود.
عندما وصل حي إلى أعلى درجة من التأمل، لم يفكر في الألوهية في حد ذاتها، بل في انعكاسها على الكون، من أعلى كرة سماوية إلى الأرض. وهنا، يتنازل المؤلف عن دوره كفيلسوف وعن المهمة العلمية التي كلف بها نفسه، ويتخلى عن مخيلته لينغمس في القصص الشعرية.
يرى الشخص المتفرد ظهور الله على التوالي في ذكاء المدارات المختلفة، وحتى في عالم ما تحت القمر. تظهر نفسها أكثر تألقا في المدارات العليا؛ لكن في عالم الكون والفساد، تظهر نفسها فقط على أنها انعكاس للشمس في مياه عكرة.
وبعد أن ينزل إلى ماهيته، يدرك المتفرد أن هناك العديد من الماهيات الفردية الأخرى المشابهة له، وبعضها محاط بالروعة والبعض الآخر يُلقى في الظلام والعذاب. الأولى أرواحها طاهرة والثانية أرواحها نجسة. يشاهد المنفرد كل هذا في حالة من النشوة، وعندما يأتي إلى نفسه يجد نفسه في العالم المحسوس، ويغيب عن ناظره العالم الإلهي؛ ويضيف المؤلف أن هذا العالم السفلي والعالم الأعلى يشبهان زوجين لرجل واحد، ولا يمكنه إرضاء إحداهما دون إثارة غضب الأخرى.

(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube