لحسن الجيت

الحديث عن مكونات الهوية المغربية ليس  حديثا من باب الترف الفكري أو لأنه يندرج في سياق المزايدة وجعله مادة في الجدل السياسي، عل الإطلاق ليس الأمر كما قد يتصوره البعض بل هو حديث في الجغرافية والتاريخ وفي الإنسانالكائن البشري. ومن الطبيعي جدا أن تكون أمه كالأمة المغربية قائمة على التعدد وبفضله تستمد قوتها وتستمر في الوجود. إذ لا يمكن تصور مغرب قوي من دون تمازج عجيب بين كل المكونات الحاضرة بقوة والمتجذرة في الهوية المغربية التي أبت الانقراض رغم مرور ثلاثة وثلاثين قرنا. 

لقد تعاقبت على المغرب سلالات وأجناس بحكم موقعه الجغرافي الذي حتم عليه أن يكون ملتقى لكل التيارات الحضارية سواء منذ ما قبل التاريخ  كالحضارة الفنيقية التي سجلت تواجد الفنيقيين في المغرب منذ حوالي نهاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد على ضفاف نهر اللوكوس، مرورا بالحضارة البونيقية والرومانية ووصولا إلى الحضارات الإسلامية . وكان لكل عهد من هذه العهود تأثير على التركيبة الديمغرافية للمغرب وعلى ألستنتهم وثقافاتهم في تناغم وانصهار أعطى للهوية المغربية خصوصية مميزة قائمة على تلاقح الحضارات مفرزة في ذلك قيما إنسانية منعلى االاعتدال والتعايش والانفتاح.  ومن يتنكر لهذه الحقائق التاريخية أو يعترف ببعضها على حساب الغير كأنما يريد أن يبتر عضوا من أعضاء جسده. ولذلك فالروافد الحضارية التي ساهمت في تكوين الشخصية المغربية جميعها، بحكم التاريخ، عصية على الاستثناء والإقصاء. من بين هذه الروافد التي بصمت على الهوية المغربية يمكن استحضارها على النحو التالي:

1 ـ الرافد اليهودي وهو من أقدم الروافد بعد الرافد الأمازيغي إذ شكل اليهود جزءا من المجتمع المغربي عبر تاريخه الطويل من خلال تواجدهم بشريا ودينيا وذلك لسنوات عديدة قبل الميلاد حيث تبقى اليهودية جزءا متجذرا في الهوية المغربية . عدة أبحاث ترجع وجودهم بالمغرب لعهد موسى عليه السلام الذي استطاع أن يعبر البحر الأحمر ببعض اليهود الفارين من بطش فرعون ، فيما هرب يهود آخرون غربا ليستقروا بأرض المغرب في المداشر والأرياف وامتهنوا مختلف المهن الموجودة وعاشوا مع الأمازيغ في انسجام ووئام قبل أن تعرف البشرية معنى “الوطن للجميع” . فالأمازيغ هم أول  ما في البشرية من عمل بهذا المبدإ في تعاطيهم مع اليهود ولاحقا في تعاطيهم مع المسلمين. وبقي المبدأ على ما هو عليه تنزيلا في الممارسات والسياسات العمومية. وفي العصر الحديث حافظ الملوك العلويون على هذا المبدإ إلى يومنا هذا. وكان للموقف الذي اتخذه المرحوم الملك محمد الخامس أثر كبير وموضع اعتزاز وافتخار لدى أبناء الطائفة اليهودية حينما حماهم جلالته من بطش حكومة “فيشي”. وعل دربه واصل المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني وجللة الملك محمد السادس نفس المواقف ونفس التعامل مع رعاياه من اليهود المغاربة.

2 ـ الرافد الإسلامي ـ الإفريقي يعكس علاقة المغرب بالإسلام وبانتشاره في القارة السمراء على مدى قرون مضت كانت فيها للقوافل التجارية دور كبير في التواصل كما هو الحال بالنسبة للبعثات الدينية التي كانت تقودها الزوايا المغربية في نشر الإسلام وخاصة الزاوية التيجانية التي امتد إشعاعها إلى غاية السودان. وكان من النتائج التي أفرزها هذا التواصل الديني والتجاري عل الصعيد الديمغرافي أن تحولت أرض المغرب كأرض مقدسة محجا لأتباع المذهب الماكي  في كل غرب إفريقيا يزورونها على مدى قرون ومنهم من هاجر إلى المغرب ليستقر به الحال إلى جوار العلماء والفقهاء والأشراف والتبرك بالحاملين لهذا المشعل الروحي والقائمين على هذا المذهب بفاس. فالأمبارطوريات التي حكمت المغرب إلى حدود نهر السنغال كان لها تأثير على الاختلاط في التركيبة الديمغرافية فبات الإنسان الإفريقي صاحب البشرة السمراء واحدا من نسيج المجتمع المغربي له حقوقه في المواطنة وعليه واجبات تجاه الوطن. من تجليات ذلك الحضور الزنجي في المنظومة الثقافية والفنية في المغرب موسيقى الفن الكناوي الذي بات واحدا من التراث المغربي المعترف به كتراث عالمي من طرف منظمة اليونيسكو. وما أشبه اليوم بالأمس إذ ليس غريبا في السنوات الأخيرة أن نسجل تخلي العديد من الأفارقة عن فكرة النزوح إلى أوروبا وتفضيلهم الاستقرار في المغرب بعد أن وجدوا في المغاربة ذلك التعايش والتسامح والتواصل مع مختلف الأجناس والشعوب.

3 ـ الرافد الحساني له حمولة ثقافية قادمة من تخوم الصحراء. وما يميز تلك الثقافة الحسانية أنها تستمد جدورها من عادات وتقاليد المجتمع الحساني تحتل فيها المرأة مكانة بارزة حيث لها القدرة على التفاوض وفرض رأيها داخل الأسرة وداخل الجماعة ويعتد برأيها عند المشايخ إلى درجة يمكن اعتبارها “بديمقراطية الجماعة” على شاكلة ديمقراطية المدينة عند أفلاطون. كما تتميز الثقافة لحسانية بقوة الشخصية التي كثيرا ما نلمسها في الأدب الحساني من شعر ونثر . ومرد ذلك إلى التشبث بأصول الفقه والدين وإلى الطبيعة الصحراوية للمجتمع الحساني. ولذلك ليس غريبا أن نجد معظم السلالات التي حكمت المغرب جاءت من تخوم الصحراء . فرجال العلم والدين والفقه والشعراء الذين يرزوا عبر التاريخ حملوا معهم من الجنوب فكرا من القيم والمفاهيم والعادات التي طبعت الشخصية المغربية. فهذه الخصوصية التي تتميز بها المنطقة كانت وما زالت حاضرة في السياسات العمومية للدولة والبناء عليها من أجل مجتمع صحراوي منصهر في المنظومة المغربية الجامعة والحاضنة لكل المكونات.

2 4 ـ الرافد الاندلسي الموريسكي لم يخل بدوره من تأثير بعد أن حمل معه مجموعة من المفاهيم والقيم بعد الهجرة الاضطرارية للموريسكيين إلى المغرب الذين فروا من محاكم التفتيش التي كانت تلاحقهم في الديار الأندلسية لاعتبارات دينية. تلك المفاهيم والقيم كانت مرتبطة بأصناف العلوم والمعرفة في مختلف الميادين وخاصة في مجالات العمران والقضاء والتجارة والفنون. وفي كل المدن المغربية التي استقروا فيها ومنها تطوان وفاس والرباط نقلوا معهم الفن المعماري الأندلسي وخاصة في المنطقة الشمالية للبلاد. كما عملت الفئة المتنورة من الموريسكيين في البلاطات الملكية. فيما كانت التجارة واحدة من تجليات هذا الانتقال الموريسكي إلى المغرب. بالإضافة إلى ذلك، عملوا على إدخال فن الموسيقى الأندلسية الذي أصبح واحدا من التراث المغربي المتميز في هذا المجال. وقد ارتبط هذا الفن بالشخصية المغربية في مجال الغناء والموسيقى الروحية على الصعيد العالمي.

3 ـ الرافد اليهودي وهو من أقدم الروافد بعد الرافد الأمازيغي إذ شكل اليهود جزءا من المجتمع المغربي عبر تاريخه الطويل من خلال تواجدهم بشريا ودينيا وذلك لسنوات عديدة قبل الميلاد حيق تبقى اليهودية جزءا متجذرا.

 4 ـ الرافد الإفريقي يعكس علاقة المغرب بالقارة السمراء على مدى قرون مضت كانت فيها للقوافل التجارية دور كبير في التواصل كما هو الحال بالنسبة للبعثات الدينية التي كانت تقودها الزوايا المغربية في نشر الإسلام وخاصة الزاوية التيجانية التي امتد إشعاعها إلى غاية السودان. وكان من النتائج التي أفرزها هذا التواصل الديني والتجاري عل الصعيد الديمغرافي أن تحولت أرض المغرب كأرض مقدسة محجا لأتباع المذهب الماكي  في كل غرب إفريقيا يزورونها على مدى قرون ومنهم من هاجر إلى المغرب ليستقر به الحال إلى جوار العلماء والفقهاء والأشراف والتبرك بالحاملين لهذا المشعل الروحي والقائمين على هذا المذهب. فالأمباطوريات التي حكمت المغرب إلى حدود نهر السنغال كان لها تأثير على الاختلاط في التركيبة الديمغرافية فبات الإنسان الإفريقي صاحب البشرة السمراء واحدا من نسيج المجتمع المغربي له حقوقه في المواطنة وعليه واجبات تجاه الوطن. من تجليات ذلك الحضور الزنجي في المنظومة الثقافية والفنية في المغرب موسيقى الفن الكناوي الذي بات واحدا من التراث المغربي المعترف به كتراث عالمي من طرف منظمة اليونيسكو. وما أشبه اليوم بالأمس إذ ليس غريبا في السنوات الأخيرة أن نسجل تخلي العديد من الأفارقة عن فكرة النزوح إلى أوروبا وتفضيلهم الاستقرار في المغرب بعد أن وجدوا في المغاربة ذلك التعايش والتسامح والتواصل مع مختلف الأجناس والشعوب. 

5 ـ  الرافد الأمازيغي  يعتبر من أهم الروافد إن لم يكن ذلك النهر الأصيل الذي ارتضى عن طواعية وإيمان بانصهار كل الروافد فيه حتى لكي تكون الهوية المغربية كما هي اليوم قائمة على التعدد في تناغم وانسجام. فالتاريخ في هذا الباب هو الفيصل في تحديد الجينات الصلبة لساكنة المغرب والتي تعود جدورها إلى ثلاثة وثلاثين قرنا حيث التاريخ يشهد أن الأمازيغ هم السكان الأولون لهذا البلد الأمين المنفتح. ولعل القيم التي يتشبث بها الأمازيغي أي الإنسان الحر هو الانفتاح على جميع الثقافات والحضارات . فطبيعة القيم والمباديء التي تشكل المنظومة الفكرية للإنسان الأمازيغي لا تقبل بأن يجرى عليه إقصاء وتكره أن يكون غيره ضحية لذلك الإقصاء. وبقدر ما هو إنسان محارب بقدر ما هو إنسان مسالم يتعايش مع الوافد إلى أبعد الحدود. كان ذلك إبان انتشار الدعوة الإسلامية حيث رحب بها الأمازيغ على اعتبار أنها رسالة ربانية قائمة على السلام والمحبة. وأرادوا من تلك الدعوة رمزا للوحدة والتعايش من خلال المصاهرة، والمصاهرة في الطقوس والعادات الأمازيغيىة هو عقد اجتماعي وسياسي  وامتزاج الدم الإسلامي بالدم الأمازيغي لبناء مجتمع قائم عل العدالة والمساواة والاعتراف بحقوق جميع الأطراف أيا كانت أصولهم الإثنية وأيا كانت ألسنتهم.

لكل هذه الاعتبارات التاريخية ولهذه التركيبة الديمغرافية التي تشهد عن رسوخها واستماتتها عبر الأزمنة والعصور ، كان الخطاب الرسمي مع الحدث وفي مستوى الحدث ليشهد بالحجة والقوة على أن المغرب بلد التعدد ولا سبيل في استمرارية ذلك إلا بالتضامن والتعايش بين جميع المكونات والاعتراف بحقوقها. فخطاب أجدير لعام 2002 أقل ما يقال في حقه أنه خطاب تاريخي خطاب يندرج في مسلسل الوحدة وحدة من شقين: الوحدة الترابية ووحدة الأمة وكلاهما يكملان بعضهما من أجل خدمة مجتمع أفضل وبتاء مستقبل أفضل لمغرب نريده جميعا أقوى وأفضل. فالأمازيغ دعاة وحدة والساهر على تلك الوحدة والمؤتمن عليها هو الجالس عل العرش وسبط الرسول عليه السلام. وبعد أن وضع اللبنة الأساسية في خطاب أجدير ، تفضل جلالته بأن يترجم ذلك إلى حدث سياسي ودستوري من خلال اعتراف دستور 2011 الذي ينص في فصله 5 على “أن الأمازيغية تعد أيضا لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء”. وهو اعتراف بالمكون الأمازيغي في بلورة الهوية المغربية كأساس للأمة.وفي إطار تنزيل مقتضيات الدستور المتعلق بالأمازيغية دعا الدستور جميع السلطات إلى تفعيلها في مختلف مناحي االحياة العامة لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها. 

وفي هذا السياق أطلقت الحكومة الحالية قبل أسبوعين دعوة من أجل الاحتفال بالسنة الأمازيغية. وهي دعوة موجهة إلى جميع المغاربة لأنها احتفالية تخص الجميع وتخص مناسبة ضاربة في تاريخ المغرب القديم وفي عادات المغاربة إلى يومنا هذا من خلال طقوس وشعائر كان أجدادنا على درجة كبيرة من الحرص على الاحتفال بها مرة في ليلة 12 يناير من كل سنة أو ما يسمى عند الأمازيغ ب “إيض ناير” وهي شعيرة لها صلة بالأرض والاستبشار بموسم فلاحي خلال كل عام. ويتزين فيها الأمازيغ بحلي وملابس تقليدية ويعدون مأكولات خاصة بالمناسبة وتقام حفلات الفلكلور الأمازيغي وفنونه المتعددة من أحيدوس وأحواش وإنشادن وتموايت وأغاني أمازيغية على إيقاع ونغمات آلة “لوتار” لمشاهير الفنانين الأمازيغ. 

الأصل في هذا الاحتفال هو احتفال لجميع المغاربة لأنها مناسبة مغربية بامتياز تاريخا وطقوسا وعادات. فهي أولى من أية مناسبة أخرى لا علاقة لها من الأصل بالمغرب والمغاربة لكي يهرول إليها العديد من شركائنا في الوطن ويتحمسون إليها من دون وعي وبشكل مندفع. فيجب أن نتمسك بالموروث الذي تركه لنا أجدادنا عوض أن نحاربه من منطلقات وحسابات ضيقة. فهي دعوة من القلب إلى القلب وإلى جميع شركائنا في هذا الوطن الذي به نعيش ومن أجله نموت.     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube