المناضل محمد المباركي

تهدف حلقات هذه المجموعة من “حديث وحوار” مناقشة قضايا فكرية وثقافية بالأساس. وهذا بغاية معاينة مسبباتها وفهم حقيقتها كمفاتح لوعي جماعي شامل. الأمر الذي يسمح تجاوز ردود الأفعال والتمكن من أخد المبادرة الهادفة سواء ما خص الحياة الفردية أو الجماعية. وطبعا هذا الفهم للذات والموضوع الذي نعيش ونتحرك فيه، لن يتسنى الا بسلاح المعرفة عبر القبض بخيوطها الدّالة، أخدا بالعبرة التي جاءت بها الإلياذة عبر أسطورة تيزي الذي قبض على خيط النجاة ليحرر فتيات جمهورية أتينا من مخالب الوحش منطور. خلال حوارنا سنفصل في الأمثلة التي نعرضها ان كان ذلك ضروريا.

الغاية الأكيدة الغير المعبر عنها في هذه الحلقات، هي الإجابة على السؤال الذي يطرح بإلحاح على الأجيال المتعاقبة منذ عصر الانحطاط والملخص في: ما هي الأسباب العميقة التي جعلت من التأخر والاستبداد هو العنوان الظاهر في حضارتنا؟ للإجابة على هذه المعضلة العسيرة التي تهم كل جوانب المعرفة، يلزم الاعتماد على منهج سليم فعال منفتح يدمج تراثنا كركيزة أساسية للحضارة الإنسانية وضمنها الحضارة الحديثة. كل هذا عبر البحث في عطاءات مفكرينا من حكماء وفلاسفة وعلماء ومقارنتها بما أنتجه علماء ومفكري العصر الحديث.

لذا سيكون من المفيد معالجة مكامن التوافق والتكامل والتفاوت بين مختلف روافد الفكر الإنساني، والتركيز على مكانة حضارتنا الثقافية والحضارة الحديثة ضمنها. والبرهنة كون هذه الأخيرة، أي الحضارة الحديثة، هي استمرارا غير معلن لحضارتنا. التعارض المطروح، ان كان هناك فعلا تعارض، كما يطرحه دعاة صراع الحضارات من قبيل “الغرب غرب والشرق شرق”، الغاية منه خلق فجوات وصراعات يستفيد منها من لهم مصلحة في استغلال واستعباد الشعوب. والى جانبهم طبعا، من يريد سجن مجتمعاتنا داخل سياج مغلق باسم الخصوصية وباسم حضارة وهمية خرافية محنطة يدّعون أنها حضارتنا، وهم بذا يجرونا لمستنقع الاستبداد والتبعية والتأخر الذي تعاني منه شعوبنا منذ عهد الانحطاط على يد المستبدين بالحكم ودعاة الشعوذة والكهنوت.

البحث في ميدان المعرفة يسمح إنضاج وعي متقدم، والذي لا يعني امتلاك الحقيقة، بل تقوية الفهم العقلي النسبي للاقتراب من الحقيقة. المعرفة تسمح بتطور الأفكار والطبائع. فكما جسد الانسان البشري يتطور عبر السنين، حيث هو في شبابه غيره في صغره أو هو رجل فكهل فشيخ فعجوز. نفس الأمر بالنسبة لوعيه بالأمور الذاتية والموضوعية. فهو يمر بمراحل عدة كل واحدة منها تغني التي سبقتها. إذا حدث عكس هذا في التطور الطبيعي للفهم والادراك، وقع انفصام في الشخصية حيث يكبر الجسد ويهرم بينما يظل العقل سجين المسلمات الحسية المطبوعة بمعتقدات غيبة كتعبير عن فهم حسي بدائي. وهذا ما يريدونه لحضارتنا أعداؤها التاريخيّين. السلاح الوحيد الذي بين أيدينا لمواجهة حصارهم وغزوهم الثقافي المريب، هو سلاح المعرفة الذي يوفر التمعن في الأمور لأخد المسافة الضرورية التي تسمح بالفهم والعمل المنتج. فالأمور التي تظهر في أول وهلة ثابتة وطبيعية في ثقافتنا الحضارية، بعد التبصر في أمرها وأسباب وجودها على تلك الحالة، سهل تجاوز الجوانب السلبية المهيمنة فيها والتي هي في العمق سطحية وشكلية لفتح المجال فسيحا لمكوناتها التي تمثل العمق الصلب والأساسي في ماهيتها والضامن لاستمراريتها وتطورها بشكل فاعل ومؤثر بين الأمم عوض الهامشية والتلاشي الحاصل.

كتعريف للمعرفة يمكن الرجوع الى المثال الذي قدمه افلاطون في كتابه ” الجمهورية”، حيث شخص فيه أناس محتجزين في مغارة عميقة ليس بها من نور غير ما يظهر لهم كظل لأشياء تتحرك على حائط في قاع الغار. فيعتقدون أن تلك الأشياء التي تظهر لهم جامدة أو تتحرك على الحائط هي حقيقيّة. بعد هذا المرحلة الأولى من الفهم الحسي للصور التي تظهر لهم في ظلمة المغارة يتمّ اخراج أحدهم منها ويطلب منه النظر الى الشمس، لكنه لا يتمكن لقوة أشعتها. بعد هذا يطلب منه النظر الى الأشياء التي يظهر خيالها للمحتجزين في ظلمة المغارة فيتبيّن له أن ما كان يظنه حقيقة ثابتة ما هو الا ظل لأشياء مستقرة أو متحركة. هناك تفسيرات عدة لهذا المثل من الناحية الفلسفية، لكننا نقتصر عما نريد ان نعطيه كتعريف للمعرفة. كونها كقدرة عقلية تسمح الخروج من ظلمات الفهم الحسي الى نور الفهم العقلي الموضوعي المادي. بمعني أن المعرفة هي الوسيلة التي تسمح للمرء الخروج من حالة الجهل بالأشياء والأحداث الى الوعي بحقيقتها والأسباب المتحكمة في تطورها. فاذا كان التفسير المباشر لهذا المثل يظهر واضحا سواء بالنسبة للاتجاه الأفلاطوني الذي يعتبر الأشياء بمثابة جزئيات للكل الذي هو الطبيعة منبع الأفكار التي هي بمثابة الأشعة التي تضئ الأشياء ليتم الوعي بوجودها. خلافا لهذا المنظور يرجع الاتجاه الأرسطي الأشياء الى واقعها المادي وأن العقل يمكنه فهم حالاتها وماهيتها عن طريق التجربة العينية. الشمس حسب هذا الاتجاه ليست خارج الادراك العقلي وكذا النور الذي تبعثه. لذا فالنور غير محصور على الشمس وحدها، بل يمكن انارة المغارة واي مكان مظلم بفتيل او مصباح لتظهر الأشياء على صورتها الحقيقية. حلقات هذه السلسلة مناسبة لمسايرة تطور مختلف الاتجاهات الفكرية في تقاربها وتعارضها وتكاملها.

لذا عوض الاصطفاف في ركن معين أو نظرية ثابتة لمعالجة مسألة المعرفة في ثقافتنا الحضارية وواقعنا المعاش سنسلك نهج النحلة التي تتغدي من رحيق الزهر لتصيغه عسلا. مثل النحل سنحاول التجوال عبر مختلف ميادين المعرفة لنصيغ منها زيتا خالصا ينير العقل. خلال حوارنا سنحاول معالجة المفاهيم والمعضلات والقضايا المختلفة فكرية كانت أم ثقافية وذلك حسب تعامل نسبي لا قطعي. بمعنى أنه سيتم تناولها والتعامل معها لفهمها في مستواها المعرفي التاريخي وكيفما نفهمها عبر مراسنا الخاص وليس عبر اسقاطات وخلط المعطيات والمراحل التاريخية. التطور المعرفي كما أشرنا اليه، يربط الفكر بالجسد والعكس صحيح. الفكر عند الطفولة والشباب غيره عند الرجولة والشيخوخة. لا شيء ثابت سواء ما خص الأفكار أو الأفعال. المجتمعات تطور على الدوام ومعها الأفكار الناتجة على هذا التطور الدائم اما نحو الصعود أو نحوج التراجع والانحطاط. ما معناه ان حركية المجتمع دائمة ومعها الأفكار السائدة داخله. ليس هناك شيء مجرد، هناك التطور المستمر عبر الفعل والتفاعل. والمعرفة الصحيحة أو التي ينبغي لها أن تكون كذلك، هي التي تواكب هذا التطور متفاعلة معه للإلمام بمكوناته عبر حركتها. نفس الأمر الذي أعطاه أفلاطون بشأن سجناء المغارة أو كما جاءت به الآية 35 من سورة النور. أو كما ترنو اليه النظرة المادية للأشياء والحياة وتطورها عبر سيرورة سببية عقلية. الشي الذي سنفصل فيه في حلقة لاحقة.

نظرا لتعدد وتشعب المواضيع والقضايا حيث يصعب الإحاطة بكل جوانبها والتعمق فيها بما فيه الكفاية، سيكون من الوجيه معالجة المواضيع المقترحة بشكل عام يأتي التوسع فيها خلال مرحلة لاحقة تماشيا مع الأفكار التي تطرح خلال الحوار.

مع أطيب التحيات

محمد المباركي

14 ينار 2021

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube