د. محمد الشرقاوي

 أستاذ تسوية الصراعات الدولية والعضو السابق في لجنة الخبراء في الامم المتحدة.

تابعتُ باهتمام إعلان مؤسّسة محمد عابد الجابري أنّها ستستضيف مساء الجمعة ندوة حول موضوع مهمّ وما قد تثيره من تأمّلات استراتيجية واستشرافية حول سؤال “المغرب إلى أين؟”. هي مؤسّسة جادّة في تكريس التفكير النقدي البنّاء تخليدا لروح الجابري ومنحاه المعرفي، وكان لي شرفُ إلقاء محاضرة في ضيافتها قبل عام ونصف بعنوان “الجابري وأسئلة المرحلة”.  

بدأتُ مشاهدة الندوة عن بُعد بتوقّعات أن يتولّى المحاضران بنسالم حميش ومحمد الساسي تفكيك أوضاع المغرب حاليا وقائمة التحديات التي تحول دون تحقيق التنمية المنشودة، وربما يُبلوران أيضا وصفات عملية لتقويم مكامن الخلل في مغرب 2022 والسنوات المقبلة. كانت البداية مع الأستاذ حميش أحد مثقفي اليسار، وقد تولّى حقيبة وزارة الثقافة في حكومة عباس الفاسي (2011-2007)، وتناول مجموعة ملاحظات حاول أن يبسطها للنقاش من خلال منهجية “بالمثال يتّضح المقال”، كما قال. واستخلص أن معضلة المغرب حاليا تكمن في تواتر “اللامحاسبة التي يعقبها اللاعقاب”، وأن هناك غلبة ما أسماه “الرباعي السالب: الأمية، والفقر، والبطالة، والفساد.” وضرب مثالا على الوضع القائم بوجود 100 عضو في البرلمان المغربي وهم “أشباه أمّيين”، وعزا هذا الأمر إلى ممارسات شراء الذمم وتفشي الفساد. وتحيل هذه الملاحظة إلى ما كان يجري خلال الحملات الانتخابية قبل ثلاثة أشهر عندما غدا المال الانتخابي وتمويل بعض الأحزاب المرضي عنها من قبل الدولة المركزية لسانَ حال المنافسات بين مرشحي الأحزاب، وخاصة ظاهرة الأعيان الجدد.  

لا يجد المرء غرابة في ما خلص إليه الأستاذ حميش بأن المغرب محكوم ب الفساد الخفيّ أو “لامرئية الفساد”، وفق مقالة الفرنسيين La dessous de table، عندما يكون المسكوت عنه هو قوةَ الدفع في التباري الانتخابي، وبالتالي تغييرَ ميزان القوة لصالح فئة على حساب أخرى. ويصدق التحليل لديه بأن الديمقراطية في حضرة الفساد لا تكون “سوى لعب واتجار”، وأن الانتقال الديمقراطي “لا يصبح وهما وخرافة فحسب، بل إن الفساد يضعف تحقيق التنمية”، وفق ما توصّل إليه عدد من أساتذة الاقتصاد.   

إلى حد الآن، لم ألمس في حديث حميش ما يحيد عن الخيط النقدي النّاظم لتأمّلاته في عدة مشاهد في السياسة وديناميات المجال العام التي انتقاها على طريقته. لكن شعرتُ أنّه دخل منطقة التحليق غير المتوازن أو غير المتسق في علاقة ستة ملايين من مغاربة العالم بهذا المغرب وتطوراته وثقافته ومراميه نحو المستقبل. إذ يترقب أنّ حماسة التعصب العرقي والديني لدى اليمين في أوروبا، في ضوء المناورات الانتخابية لإريك زمور في حقبة حملات الانتخابات الرئاسية في فرنسا، ستدفع إلى عودة نسبة من هؤلاء المغتربين. وأعلن ترحيبا أوّليا بعودتهم إلى المغرب، لكن بشروط محددة. قال حميش “أهلا وسهلا بالجالية المغربية المقيمة في الخارج، وعلى الرحب والسعة [بها] إذا كانت ستأتي إلى المغرب ليكون لها موطأ قدم، أو[تقتني] دارا، أو [تشتري] منزلا إلى آخره، وكذلك أن تستثمر.” إلى حدّ الآن، لا يرى بنسالم حميش أكثر من قيمة المذخرات المالية لدى هذا الشتات، على غرار التحويلات المالية المعتادة، وكأن حصيلة العيش في المهجر لم تغير شيئا في حياة هؤلاء وتطلعاتهم. لكنّه يضع بعض الأضواء الحمراء أو المحظورات في وجه من يعود من هذه الجالية إنْ هم عادوا، بقوله “لكن أن تتدخل في الثقافة، وحقل الثقافة، وحقل الهوية، وهذه الأشياء حقيقة ليست من اختصاصها.”  

عندما يفرض مثقف يساري من حيث انتماؤه الحزبي هذا الشرط وبهذه الطريقة على العائدين المحتملين من الشتات المغربي، فهو يزيد في معضلة الإقصاء المتواتر في الاتجاهين: كان الإقصاءُ الأول من المغرب قبل عقود وسنوات عندما أرغمت ظروف العيش القاسية وانسداد الآفاق أمام مئات الآلاف على البحث عن بلدان أخرى وأنظمة اجتماعية بديلة آوتهم واحتضنت آمالهم في العمل والدراسة، وفي تحقيق ذواتهم معنويا وماديا. وفي الوقت الراهن، يثير تنامي اليمين المتطرف في أوروبا فكرة إقصاءً ثان من بلدان لا تزال تعزف على موّال “الإدماج الاجتماعي والثقافي” وتزيد في تعسّف اللائيكية كما هو الحال في فرنسا. ويستغرب المرء من دعوة مثقف مغربي يُفترضُ أنه منفتح الذهن على حتمية التطور وأن عقليات الأفراد وقناعاتهم وسلوكياتهم لا تبقى على حال بين جغرفيا وأخرى، ولا تقبل الجمود أو التأويل المستقيل. وقد قرأ صديقنا حميش حتمية التطور في كتابات ابن خلدون عن العمران البشري، وكيف يتغير المرء بتغير البيئة المحيطة به.  

 

تكمن المفارقة في أنّ دولا مثل الصين وروسيا وإيطاليا تسعى لعودة الكفاءات من شتاتها في الغرب، وتعتبر أن التطور الثقافي لهؤلاء رصيد إيجابي لها سياسيا ومهنيا ومعرفيا. لكن بعض مثقفي المغرب يلغون تراكمات ستّة عقود من الهجرة المغربية، وكأن الزمن توقف عند لحظة معينة في الستينات والسبعينات عندما كان أغلب المهاجرين أيدي وسواعد تبحث عن فرصة عمل لعامين أو ثلاثة، وينوون جمع بعض المال للعودة إلى المغرب للعيش تحت سقف مملوك أو فتح متجر لكسب قوت اليوم. لكنها فرضية تسير عكس التطور، ناهيك عن وجود جيلين من الطلاب والباحثين الذين أكدوا كفاءاتهم في عدة مجالات علمية حيوية في دول المهجر.

بيد أن مفهوم الجالية، أو مغاربة العالم، أو الشتات المغربي لم يتغيّر في نظر البعض مثل بنسالم حميش، بل تتكرر السردية التقليدية في تمطيط واقع الهجرة الموسمية في الستينات والسبعينات ومحاولة إقحاه بشكل جامد على واقع العقد الثلاث من القرن العشرين. ولا يزال جليسَ التسمية القديمة “الجالية المغربية المقيمة في الخارج”، بل يحاكي أيضا أوجه القصور التي تعتري موقف الدولة المغربية: 1) نظرة ضيقة للغاية إلى وجود المغاربة خارج الحدود وحركتهم عبر الحدود، وتظل تركزّ أساسا على فكرة العودة المحتملة إلى المغرب 2) اتكال على فرضية غير صحيحة بأن استقطاب هؤلاء نحو المغرب لن يتحقق إلاّ من تعزيز وازع “تمغرابيت”، أو الروح المغربية، وهي فرضية ليست دوما واقعية، 3) فرضية اجتماعية واقتصادية خاطئة مفادها أن مغاربة الخارج الذين يسلكون المسار الاستثماري أو المقاولاتي تحرّكهم الفرص المحتملة في المغرب وليس الضرورة.”

في دراسة حديثة بعنوان “تسخير إمكانات المغاربة الذين يعيشون في الخارج من خلال سياسات الشتات” صدرت عام 2019، ركز الباحثان هيلرغين وباريرو على تحديد السياسات الخاصة بالشتات على أنها “سياسة استباقية محددة عابرة للحدود تطوّرها البلدان الأصلية، بما في ذلك الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، مثل الجنسية المزدوجة والحق في التصويت في الخارج، وهي قضايا لا تزال تواجه بعض المقاومة من قبل السلطات في الدولة الأصل وحتى الإجراءات الوطنية الرمزية المتعلقة بالثقافة.”

وصل تطور دراسات الشتات المرحلة الرابعة في مستهلّ القرن الحادي والعشرين عندما تغيّرت قراءة الباحثين إلى الشتات على أنه “وسيلة لتنظير الثقافة والسياسة على مستوى عابر للحدود” كما يقول برينت إدوارد في دراسته بعنوان “أوجه استخدام الشتات”. ويلاحظ باحثون آخرون كيف أنّ الشّتات القديم والحديث والمقبل “يظهر قدرة أكبر بكثير على البقاء ومواصلة تطوّره ككيانات نشطة للغاية في دول الاستقرار ولهم ارتباط بأوطانهم الأصلية. يحدث هذا نتيجة عودة النّزعات الإثنية القومية وإحياء الهوية العرقية في كلّ من الدول الأصل ودول الاستقرار.”

يمكن أن تعزى دعوة حميش لعدم مشاركة من قد يعود من الشتات إلى الخشية من التحويلات الثقافية تحت عناوين الحداثة وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية ومساءلة تجليات الفساد وهيمنة بعض المؤسسات التقليدية. لكن هؤلاء المقيمين في المهجر سواء عادوا أو بقوا في ديارهم البديلة ليسوا طابورا خامسا، ولا عصابة ثقافية، بل هم امتدادٌ يجمع أفضل ما بين الثقافتين: الثقافة والهوية الأصلية والثقافة والهوية المكتسبة. وخلال سنوات الإقامة بعيدًا عن الوطن الأصلي، لا تتلاشى بعض السمات الجماعية للهوية والأخلاق لدى المرء. بل تكمن خصوصية الشتات في جميع أنحاء العالم باعتباره “النضال الثقافي الاجتماعي والاقتصادي الذي لا ينتهي ولا سيما النضال السياسي لهذه الجماعات العرقية المشتتة للحفاظ على هويته المميزة وعلاقاتها مع أوطانها وغيرها من الجماعات المشتتة من نفس الأمم،” كما يخلص غابرييل شيفر في كتابه “الشتات السياسي: في الداخل والخارج”.

سواء قرر هؤلاء المهاجرون البقاء حيث هم لتحدّي نزعات اليمين المتطرف أو ركبوا رحلة الشتاء والصيف من جديد في طريق العودة، فإنهم أصبحوا بمثابة شتات افتراضي يشارك بشكل غير مباشر في الشؤون العامة للمغرب بحكم الأمر الواقع، بفعل انتشار تكنولوجيا الإنترنت والوسائط الاجتماعية ومنها واتساب وإيمو وسينيال وغيرها من تطبيقات التواصل الفوري المباشر. وقد اختزل الراحل إدوارد سعيد الردّ على القلقين من عودة الشتات بقوله “مثل الأفراد ومدارس النقد، تسافر الأفكار والنظريات من شخص إلى آخر، ومن وضع إلى آخر.”

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube