برعلا زكريا

في فصل الصيف خلال الاستمتاع بالسباحة في البحر كنا نلعب لعبة مثيرة تعتمد على الأمواج، وطريقة اللعب تتمثل في محاولة ركوب الموجة المناسبة ثم الاستفادة من زخمها وسرعتها حيث تحملك معها لأبعد نقطة ممكنة باتجاه الشاطئ، والفائز هو من تحمله الموجة لأبعد مكان.
والذين يعرفون جيدا هذه اللعبة يعلمون أن توقيت ركوب الموجة دقيق جدا وحاسم، وعملية امتطاء الموجة تحتاج لسرعة وخفة ومهارة لكي تستفيد قدر الإمكان من طاقة الموجة وسرعتها.

وبإسقاط لعبة الموج على واقعنا يظهر تشابه كبير، حيث أن العديد من أقراننا أو جيراننا أو معارفنا أو زملاء الدراسة أو العمل تغيرت حياتهم بسرعة خاطفة وفي توقيت محدد، والحقيقة أن مافعلوه لا يختلف عن اللعب في البحر ، حيث أنهم ركبوا الموجة المثالية بالخفة اللازمة فحملتهم لما وصلوا إليه من مناصب أو مكانة اجتماعية أفضل.
والأمثلة على ذلك عديدة، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر، أصحاب الشواهد الذين ركبوا موجة التوظيف المباشر خلال حكومة عباس الفاسي وحصلوا على وظائف لا علاقة لها بتخصصات شواهدهم، كمن له ماستر في إحدى الشعب العلمية فوجد نفسه مسؤولا إداريا أو متصرفا بوزارة التعليم مصنفا في الدرجة الأولى بأجرة تصل ل 10 آلاف درهم ومنهم من تعثر خلال مساره الدراسي كثيرا وحصل على الإجازة في 5 سنوات أو أكثر وبميزة مقبول، ولا شيء يميزه عن أفواج حاملي الشواهد العليا المعطلين حاليا سوى أنه ركب موجة التوظيف المباشر التي جاء بها بحر الفرص ذاك الوقت.

ومن هؤلاء أيضا من ركب موجة الأحزاب فحملته للبرلمان أو الوزارة أو تحصل على منصب من خلال خاصية “باك صاحبي”. وهناك من حملته موجة التجارة و “التسمسير” سواء في العقارات أو السيارات أو أي شيء يباع ويشترى. فتجد راكب الموجة تغير حاله لأكثر من 360 درجة فأصبح نجما ساطعا يلهث وراءه المتملقون بعدما كان في نظرهم مجرد نكرة.
والعبرة من كل ذلك أنه سواء كنت تاجرا أو سياسيا أو موظفا أو صحفيا أو محاميا أو أي صفة تحملها فعليك أن تتقن مهارة ركوب الأمواج. وأن تتميز بالصبر وطول البال والتبصر والمكر، لأن الأمواج أو الفرص قد لا تتكرر. فإما أن تركبها وتصل أو تظل مكانك لينتهي بك المطاف غريقا أو طعاما للأسماك.

بل وحتى الجنس اللطيف انتبهن لما تحدثه الموجة من تغيير جذري لراكبيها، ولو أن الأهداف والطرق تختلف، فمن السيدات من تترقب موجة تأخذها لمنصب جيد أو فرصة العيش بالخارج، ومنهن من ترى الموجة الجيدة عبارة عن فارس الأحلام بغض النظر عن جنسيته إن كان “ولد البلاد” أو خليجيا أو تركيا في أفضل الأحوال، يجعلها تعيش الرفاهية والرومانسية وتصبح من صاحبات البطاقات البنكية ذات السقف غير المحدد. وتقضي أغلب أوقاتها في المطارات والطائرات و “المولات”، وهناك مثل شائع في هذا الباب تروجه بعض النسوة المتعثرات وهو : (الله يعطينا زهر الخايبات). لكن بالواقع فبالرغم من كونهن “خايبات” مع احترامي للجميع، فقد أجدن ركوب الموجة و اختيارها وكان توقيتهن موفقا. وفي نهاية المطاف هي أرزاق وما ركوب الموج سوى أسباب.

وبالرجوع للسياسة، فبنكيران استطاع سابقا ركوب موجة الربيع العربي بحسب بعض المحللين التي وصلت به لرئاسة الحكومة، كما ركب سعد الدين العثماني موجة ” البلوكاج” وها هو أخنوش قد امتطى موجة الاستياء الشعبي من حزب المصباح بحسب أغلب الآراء.
ولا يفوتني الإشارة لخبير بركوب الموج، بل يستحق المنافسة في المسابقات الأولمبية في تخصص التجمرك على الأمواج، ويتعلق الأمر بشخص تخلى عن كل تصريحاته السابقة حيث قال أنه لا يصلح أبدا أن يكون وزيرا لكنه لم يقاوم نفسه حين لمح موجة جيدة أخذته لكرسي الوزير.

وأنت يا عزيزي القارئ فعليك أن تعلم جيدا أن فرصة ركوبك إحدى الأمواج التي ستقلب حياتك رأسا على عقب يجب عليك أن تكون مستعدا لها، وتنتظرها داخل البحر فلن تأتيك أبدا موجة التغيير مادمت مستلقيا برمال الشاطئ.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube