محمد بوبكري

بعد رمي جنرالات الجزائر للمغرب بسلسلة من الاتهامات المغرضة، تفتقت عبقريتهم مؤخرا على اتهام القوات المسلحة الملكية بقتل ثلاثة سائقين مدنيين جزائريين. وبعد قراءتي لبيان “تبون” وما نشرته وسائل الإعلام التابعة للجنرالات ومخابراتهم حول هذا الحادث المزعوم، خلصت إلى أن الأمر يبدو وكأنه جرى التخطيط له مسبقا، حيث سارعت الجزائر إلى اتهام المغرب بسرعة البرق، ما جعلني أتساءل: كيف اكتشفت بسرعة أن المغرب هو الفاعل؟ ولماذا لم تقدم أي دليل يثبت ذلك؟ ألا يخلو بيان “الرئاسة” من ذلك؟ كما أن هذا البيان لم يذكر مكان الحادث، حيث قال إنه وقع بين “ورقلة”وموريتانيا. ولماذا لم يتم إبلاغ القوات الأممية لحفظ السلام” المينورسو” فورا بهذا الحادث؟ لماذا تخلصت مليشيات البوليساريو من جثامين هؤلاء السائقين بسرعة؟ ولماذا بعثت بها إلى الجزائر؟ ولماذا كانت هناك؟ ولماذا أخذوا الصور وصوروا شرائط تم بثها على موقع التواصل الاجتماعي الجزائرية؟ ألم يكن كل ذلك مرتبا لإلحاق الضرر بصورة المغرب؟ ألا يدعو ذلك إلى الشك فيما حكاه “تيون”؟ ألا يؤدي هذا إلى سقوط القناع عن قناع جنرالات الجزائر؟…
لقد ادعى “تبون في بيانه أن القوات المسلحة الملكية المغربية قذفت هؤلاء السائقين بطائرة “درون”. لكن لماذا ظلت الجثامين في الصور المنشورة له واضحة المعالم؟ ألا يعرف العالم كله أنه لو تم قذف هؤلاء السائقين بـطائرة “ارون” لكانوا سيتحولون إلى حطام أو رماد؟ ألا يؤكد ذلك أن رواية حكام الجزائر قد رتبها الجنرالات لتشويه صورة المغرب بهدف تسويغ هجوماتهم على المغرب؟
لقد انخرط حكام الجزائر في مسلسل من الافتراء على المغرب، حيث سبق لهم أن اتهموه بأنه وراء إشعال الحرائق في منطقة “القبايل”، والحال أن العالم يعلم أن الجنرالات قد ارتكبوا ذلك انتقاما من هذه المنطقة، التي صمدت في وجه عنفهم، وقاطعت انتخاباتهم وتطالب بالاستقلال عن الجزائر، وإقامة “جمهورية “القبايل” التي ستكون عاصمتها “تيزي أوزو”، كما أن حركة “تمتلك حججا دامغة تدين الجنرالات بارتكابهم لهذه الجرائم. زد على ذلك أن هؤلاء الجنرالات قد حملوا المغرب مسؤولية الفيضانات التي عرفتها الجزائر، واتهموه بأنه يهدد استقرار الجزائر. لكنهم يكتفون بتوجيه التهم إليه دون التحقق منها، حيث إنهم لا يقدمون أي دليل على ما يدعون.
تثير كل هذه الوقائع وغيرها الشك في نوايا جنرالات الجزائر. وعندما نقوم بجولة في وسائل الإعلام الجزائرية، نجدها تتساءل عن دواعي غياب ردود فعل عربية ودولية حول الحادث المزعوم. لقد كان على وسائل الإعلام هذه أن تطرح على نفسها التساؤل الآتي: لماذا صمت هؤلاء الحكام عن تجاهلهم للوساطات العربية بعد قطعهم للعلاقات مع المغرب من جانب أحادي فقط؟ … إضافة إلى ذلك، فقد تساءلت مواقع التواصل الاجتماعي، التابعة للجنرالات، قائلة: لماذا لم يرد المغرب على التهم الموجهة إليه؟ لقد كان على هذه المواقع، قبل توجيه سؤالها هذا إلى المغرب، أن تطرح على نفسها السؤال الآتي: لماذا أسرع الجنرالات بتوجيه تهمهم إلى المغرب، دون امتلاكهم لأية حجج عليها؟ ولماذا لم يقدم هؤلاء حججهم عليها؟ ألا يؤكد ذلك أنهم قاموا بتوجيه هذه التهم إلى المغرب لغاية في نفس يعقوب؟ ألا يدل ذلك على سوء نية حكام الجزائر؟ ألا يكشف ذلك عن أنهم يبحثون عن أدنى سبب لتسويغ هجومهم على المغرب؟
يبدو لي أن جنرالات الجزائر لا يمكنهم الانخراط في حرب ضد المغرب. ويعود ذلك لعاملين اثنين: أولهما، أن قرار الحرب ليس بيدهم، وإنما هو بيد القوى العظمى، وخصوصا القوى الأوروبية التي لا تقبل نشوب حرب في المغرب الكبير الذي يوجد في شمال دول الساحل التي تنشط فيه الجماعات الإرهابية… وثانيها، أن المغرب متفوق على حكام الجزائر عسكريا، لأنه يمتلك أسلحة مزودة بأنظمة تكنولوجية متقدمة، كما أنه مستعد لكل الاحتمالات. وإذا حدث أن قام جنرالات الجزائر بمهاجمته، فإن المغرب لن يتوقف حتى استرجاع صحرائه الشرقية التي ضمها الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر، كما فعل مع منطقة “القبايل”، والأراضي التونسية والليبية والمالية والتشادية والنيجيرية التي الحقها بالجزائر، اعتقادا منه أنه كان سيبقى فيها إلى ما لا نهاية. ويؤكد مؤرخون وباحثون أن ” هواري بومدين” قام بافتعال مشكلة الصحراء المغربية لينسي المغرب المطالبة باسترجاع صحرائه الشرقية. ومهما طال الزمن، فإن المغرب سيعمل على استرجاع صحرائه الشرقية. ومن الأكيد أنه سيتم الكشف مستقبلا عن كل الوثائق والخرائط التاريخية التي تؤكد شرعية المغرب على صحرائه الشرقية… وما لا يدركه حكام الجزائر هو أن العالم يعلم جيدا أن حكام الجزائر يريدون أن يجعلوا من مشكلة الصحراء المغربية مسامير على جنبات حذاء المغرب حتى يضعف، ولا يستطيع السير، ولا يتقدم حتى لا يتفوق عليهم، حيث تأكد لهم اليوم أن المغرب قد أصبح أكثر قوة منهم، إذ صار قوة إقليمية يضرب لها الحساب.
ونظرا لهزيمة حكام الجزائر دبلوماسيا، حيث اكتشف العالم أن هجومهم على معبر” الكركرات” في سنة 2020 قد حولهم في كشف للعالم أنهم مجرد قطاع طرق ونهابين وإرهابيين، فانفضح أمرهم، وتعرضوا للإدانة من قبل العالم كله، حيث لم تصوت أية دولة في اجتماع مجلس الأمن الأخير ضد المقترح الأمريكي، الرامي إلى تمديد تواجد قوات “المينورسو” في الصحراء المغربية. وإذا كان حكام الجزائر قد قدموا رشاوي إلى حكام تونس، فإن هؤلاء قد امتنعوا عن التصويت دون أن يصوتوا ضد المقترح الأمريكي، ما يعني الموت الدبلوماسي والسياسي لحكام الجزائر..
ونظرا لهذه الهزيمة الدبلوماسية النكراء التي عرفها جنرالات الجزائر، وبعد قيام “تبون” بتلفيق تهمة قتل ثلاثة سائقين جزائريين، وقيام القوات الموريتانية بتكذيب وقوع الحادث على الأراضي الموريتانية، انكشف افتراؤهم على المغرب، وتأكد أن الأمر تم التخطيط له من قبل حكام الجزائر لغاية خاصة بهم.
إن العالم عاقل، ولا يمكن أن تنطلي عليه الحيل المفضوحة لجنرالات الجزائر، حيث صار يعي حقيقتهم. وبعد فشل هؤلاء الحكام في إقناع العالم ببهتانهم، دفعوا “رمطان العمامرة” إلى مراسلة منظمات دولية في شأن “مقتل ثلاثة سائقين جزائريين”، فكاتب “أنطونيو غوتيريس، “الأمين العام للأمم المتحدة، وراسل ” موسى فقي” أمين مفوضية الاتحاد الأفريقي، ثم راسل “أحمد أبو الغيط” الأمين العام للجامعة العربية. وبعد ذلك، راسل ” يوسف بن أحمد العثيمين”، الامين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي. لكنه لم يتوصل بأي رد من أي من هؤلاء، حيث لم يعره أي واحد منهم اهتماما، لأنهم لا يثقون بحكام الجزائر، ويرفضون التعامل معهم، لأنهم لا يمتلكون حدا أدنى من المصداقية، فباتوا معزولين دوليا، وصار الجميع ينظر إلى خطابهم بأنه مجرد أكاذيب وأضاليل، وأصبح “رمطان العمامرة” تائها، كالأحمق، في المنتديات الدولية، حيث لا يقبل أحد الإنصات إليه، أو مجالسته، وتلك هي قمة الفشل التي لم يستسغها جنرالات الجزائر، فازداد سعارهم، لأنهم تأكدوا أنهم لن يستطيعوا الوصول إلى ريادة المنطقة، التي حلم بها “هواري بومدين” وورثته، فتبخرت أحلامهم، وتحولت إلى مجرد أوهام، الأمر الذي لم يتقبلوه، فتمادوا في غيهم، ورفضوا التعاون مع المغرب، الذي لا يفكر في مصلحته فقط، وإنما يفكر في مصلحة الجميع، الأمر الذي جعله متفوقا عليهم أخلاقيا.
يكاد يجمع الخبراء الدوليون أن مشكلة حكام الجزائر كامنة في معاداتهم للشعب الجزائري، الذي يرفضهم، لأنه أدرك أنهم يخوضون الحرب ضده، ما أضعفهم داخليا وخارجيا. وما دام هؤلاء الجنرالات ينفقون أموال الشعب الجزائري على مليشيات “البوليساريو”، وينخرطون في سباق التسلح لصالح ميلشيات انفصالية، فإنهم صاروا عاجزين عن تلبية الحاجيات الأساسية لهذا الشعب.
لذلك يرى خبراء آخرون أن هؤلاء الجنرالات يقودون الجزائر في اتجاه أن تعرف المصير الذي تعرفه سورية اليوم. وللتدليل على ذلك، فقد قال هؤلاء الخبراء إن حكام الجزائر يوجدون اليوم تحت سيطرة روسيا وإيران، وهو الحال الذي كانت عليه سورية قبل عقد من الزمن، حيث انخرطت كل من إيران وروسيا في حرب ضد الشعب السوري. وهذا ما يمكن أن يحدث اليوم في الجزائر، التي قد تقوم قوات هذين البلدين و”مليشيات حزب الله” بخوض حرب فيها ضد الشعب الجزائري، ضمانا لاستمرار حكم الجنرالات، علما أن قوات مرتزقة “الفاغنر” ومليشيات حزب الله قد صارت منتشرة في الجزائر، حيث تقوم بالحماية الشخصية للجنرالات، الذين صاروا متخوفين على أنفسهم من جنرالات آخرين، يعارضون سياستهم الداخلية والخارجية. هكذا، فإن الجزائر قد أصبحت تحت الاحتلال الروسي والإيراني، ما يعني أن مأساة الجزائر كامنة في الجنرالات…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube