برعلا زكريا
 
هناك فئة في كل القطاعات وخاصة العمومية تقاوم بشكل كبير الشفافية والوضوح. وذلك لأن  هؤلاء يحتاجون للظلام والخفاء لقضاء مآربهم الدنيئة في سرقة المال العام أو تحصيل امتيازات خاصة.
 
ولا يقتصر الأمر على من هم في مناصب المسؤولية، بل حتى صغار الموظفين.
ويتجلى ذلك في المعارضة الشديدة التي يبديها هؤلاء في استخدام وسائل الذكاء الاصطناعي والبرامج الإلكترونية المتطورة في المراقبة وتمكين الجميع من المعلومات والأرقام.
والأمثلة على ما سبق ذكره عديدة، فمثلا لو كانت ميزانيات الجماعات المحلية مرقمنة ومجدولة مع تحديد المداخيل والمصاريف وكلفة المشاريع والمساطر المتبعة بالإضافة لتمكين الجميع  من  الاطلاع عليها، فذلك سيقطع الطريق عن ناهبي المال العام والمتلاعبين في الفواتير والذين يسمسرون في الصفقات العمومية مقابل رشاوي وإتاوات.
وتجدر الإشارة إلى أن المغرب جاء في المرتبة 80 في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2019 الصادر عن مؤسسة “transparency”. 
 
صحيح أن الفساد لم تسلم منه حتى أكثر الدول تقدما وازدهارا. فهناك دائما “لوبيات” منظمة تدير أعمالها بتفوق كبير ومهارات عالية تمكنها من تفادي أحدث أنظمة المراقبة المتطورة بالإضافة لتورط السياسيين في الانخراط في هذه المنظمات التي تدير اقتصادات موازية وأسواق سوداء تنشط محليا وعالميا وتبلغ أرقام تداولاتها مستويات عالية.
 
وبالرجوع للشأن المحلي فالبطء في تنزيل مشروع الرقمنة في الإدارات العمومية يفوت على خزينة الدولة مبالغ مهمة من شأنها النهوض بقطاعات اجتماعية كالتعليم والصحة والتغطية الصحية. فغياب الشفافية يعزز اقتصاد الريع والتهرب الضريبي والرشوة.
وفي نفس السياق هناك جانب مشرق في الإدارة العمومية بالمغرب. وهو تشبع أغلب الأطر الشابة بقيم الصدق والمحافظة على الأمانة والمروءة والضمير المهني. ونلاحظ ذلك في صفوف شباب الأمن الوطني والدرك الملكي الذين صاروا يتعففون من استغلال مناصبهم وابتزاز المواطنين عكس بعض  العقليات القديمة.
ولا يتعلق الأمر بالشرطة والدرك فقط بل جل شابات وشبان مختلف الإدارات العمومية يشتغلون بمهنية عالية وضمير مهني. هذا الأمر ينبغي تشجيعه من خلال تثمين مجهوداتهم وتعزيزه عن طريق استعمال التكنولوجيا الحديثة في ضبط المخالفات وتعزيز القوانين وتشديد العقوبات على كل  من ثبت تورطه في جرائم الأموال بأنواعها.
نحمد الله على جيل جديد يرفض الفساد، عكس ما يحاول البعض أن يروج  على أن شباب اليوم مغيبون ويفتقرون للوعي والتعليم والأخلاق.
فذلك مجانب للصواب تماما. ويظهر ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي التي تعج بمبادرات هذا الجيل في فضح المخالفين، كذلك من خلال استعمال الهاتف في التصوير والنشر حتى صار شباب اليوم يمثلون سلطة رابعة كتلك التي يمثلها الإعلام.
كذلك ينبغي على النخب السياسية تأطير هؤلاء الشباب وتوظيف رغبتهم في القطيعة مع الفساد عن طريق ضخ دماء جديدة في الأحزاب تعيد لها قوتها ومصداقيتها ومبادئها.
إن المسار الذي اختاره المغرب عبر تنزيل النموذج التنموي الجديد يحتاج لتكريس الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع وعلى من يبدون مقاومة للتغيير أن يستوعبوا أن الجيل الجديد لم يعد يقبل الممارسات البائدة ومنطق “باك صاحبي”. كما أن توجه ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي دعى إليه الملك محمد السادس خلال مناسبات مختلفة من شأنه زعزة استقرار من يقاومون الشفافية وإزاحتهم عن برجهم العاجي.
 
صحيح أن المغرب يتوفر على مؤسسات قوية تحارب الفساد والمفسدين كالمجلس الأعلى للحسابات وبنك المغرب. بالإضافة لوجود ترسانة قانونية تستوفي كل أوجه الفساد إضافة لجهاز قضائي فعال. كل ذلك ينبغي أن يتعزز بأنظمة الذكاء الاصطناعي وبرامج رقمية تسهل الحصول على المعلومة وتكرس مصداقية مؤسسات الدولة. وتصون المال العام من الناهبين والمتهربين من أداء الضرائب.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube