حرة بريس: عن انتخابات 2021


الزلزال الذي ضرب انتخابيا حزب “العدالة والتنمية” حدث لا يستهان به، ذلك لا يخص المغرب وحده، بل له مدلوله جهويا ودوليا.. ويمكن الرجوع لهذه النقطة لاحقا.
لم يكن حزب PJD تنظيما عاديا منذ تأسيسه، وقد تشكل بعد مخاض طويل قام به مؤسسوه، وهم يعبرون المراحل، من التنظيمات الصغيرة المبعثرة، الى الجمعيات الدينية، وقاموا بعمل شاق ورهيب حتى خلقوا تنظيمهم السياسي. وطبعا عرفوا كيف يستغلون الظروف والأحداث لصالحهم، وبدوره هذا حديث طويل.
بدؤوا يلفتون الانتباه اليهم لما أصدروا جملة جرائد أسبوعية، ورغم انها لم تنجح على المستوى التجاري، ولكنها كانت بمثابة الاعلان عن التواجد مثل الرسالة والتجديد.
غير ان هؤلاء السياسيين الذين يتبنون الدين في اطروحاتهم السياسية، لهم طريقتهم في التواصل والاستقطاب، تبدأ من زملاء العمل والجيران، ولكن كذلك من جماعات المؤمنين بالمسجد ومحيطه، ويمكن ان ترى بعضهم الى الان يتجمعون قرب باب المسجد بعد الصلاة. ثم اعتمدوا بعد ذلك على الجمعيات الدينية، حيث ينشطون نادرا في بعض المؤسسات العمومية كدور الشباب، ولكن لهم كذلك مقراتهم الخاصة التي “يؤطرون” فيها الأعضاء والمنخرطين بشكل مغلق، ويضعون لذلك تنظيما ومواعيد صارمة..
وبعد نجاحهم الظاهر في الانتخابات سنتي 2011 و2016، دخلوا المؤسسات العمومية، كالجماعات المحلية والوزارات.. التي تعتبر اهم آلية لتشكيل الاتباع والناخبين من موقع تمكينهم من منافع.
لم يكن PJD حزبا عاديا. حاول اللعب على مشاعر الناس، واستغلال تدينهم الذي بقي عفويا ولبقا خلال قرون، يمارس الناس من خلاله عباداتهم، وينشرون سلوك الورع ما امكن بينهم، ولا يفرقون بين حياة التدين هاته، وعيشهم اليومي، بما يعنيه ذلك من القفز على كل التناقضات التي يمكن ان تحصل بين الفكر والواقع.
لكن مؤسسي حزب PJD لهم تصور آخر، وهو محاولتهم جر الدين الى مجال السياسة، وهذا ليس بجديد، فقد وقع لاول مرة بعد الهجرة الى المدينة، فتحول مشروع الدين من سلوك شخصي للتعبد والتقرب لله، إلى تأسيس “دولة المؤمنين” لها جيشها، هو الذي سيفتح مكة، ولها “مؤسساتها” في شكلها الأولي، من تجلياتها مراسلة ملوك. وحكام تلك المرحلة للدخول في الدين.
ويترسخ الأمر اكثر مع الخلفاء الراشدين، ثم مع الدولة الاموية بصفة نهائية، حيث ستصبح الدولة دينية..
لكن في الزمن الحالي، ومنذ” النهضة”، ظهر مفكرون كمحمد عبده، يرون ان الدين عمود لابد منه للدولة.
بعد ذلك ستظهر جماعة “الإخوان المسلمين” سنة 1928، وتصبح بمثابة حزب سياسي، بل اكثر من ذلك، حيث يمكن اعتبارها دولة داخل الدولة.. لها مؤسساتها، ويتعامل اعضاؤها فيما بينهم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. ولو ادى الأمر الى تنحية الخصوم حسب ما تتيحه الظروف.
وقد عرف هذا التنظيم مدا وجزرا حسب سياقات الأحداث. ولمن اطلع على تاريخ مصر، سيعرف ذلك بالضبط..
إذاً حزب PJD جاء في هذا السياق، وكانت التنظيمات الدينية قد تقوت في العالم العربي لعدة أسباب وظروف (…). واصبح بعضها مهيأ لتسلم السلطة تحت يافطة الديمقراطية والانتخابات. بينما تنظيمات اخرى جنحت للعنف كما حدث بالشام، واصبح صعبا التفريق بين من يؤمن فعلا بالديمقراطية والتعددية والتناوب على السلطة، ومن يعتبر ذلك مجرد مرحلة للتمكّن، أي التمكن من الرقاب ومؤسسات الدولة. وبين من لا يؤمن مطلقا بالديمقراطية والانتخابات، ويرى “الحل” في مبايعة خليفة..
صال حزب PJD كثيرا لمواجهة اليسار في المغرب، وخاصة بالجامعات، وحاول التسرب لبعض المؤسسات ك”المجالس العلمية”، ولكنه استغل بشناعة مواجهة “الخطة الوطنية للنهوض بالأسرة والطفل”، في زمن حكومة التناوب الاولى، ورغم كل الأراجيف التي استعمل، مرت المدونة بعد ذلك، لكن غرض لفت انتباه المحافظين وتوسيع عددهم كان قد تم.
باقي الأحداث معروفة، خاصة بعد حراك “20 فبراير”، وقد ركب الحزب على موجة المطالب بدهاء، وجعل منها شعارا لحملته الانتخابية.
وعند مراجعة ادبيات هذا الحزب، وما كان ينشره مؤسسوه، يظهر أنهم تبنوا خطاب “الدفاع عن الاسلام” ، وكان يمكن ان يشرعوا في وضع تأويلاتهم، لكنهم لم يتقووا بما يكفي، واهم انتخابات عندهم، حصلوا فيها على ما يقل عن مليون وثماني مائة الف مصوت. وبعد وصولهم بقوة للبرلمان وتسلم مفاتيح الوزارات، غيروا لهجتهم، وأصبح حرصهم منكبا على “التنمية”، لكنهم لم يحققوا شيئا مما وعدوا به، كرفع نسبة النمو الى 7٪.
ولهذا عندما يسقط تنظيم “” ديني” بواسطة الانتخابات، فالحدث غير عادي، إنه إعلان قوي عن نهاية” التمكن”، رغم ان الفئات المحافظة ماتزال موجودة، ورغم تواجد” تنظيمات”أخرى غير PJD لها مرجع ديني، لكنها إما ممنوعة أو هلامية، أو مجرد أشخاص تجمعهم رؤى وعواطف مشتركة.. وأليس حزب الاستقلال فيه نفحة من هذا القبيل؟ وقد استقطب انتخابيا جزء من الغاضبين على الحزب المنهزم.
يتبع.
الى الحلقة الثانية

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube