عزيز عبقري

حين ننطم انتخابات فهذا يعني اننا نتداول في الشأن العام ،و أول شيء يستحق أن نتداول فيه هو الكيان الذي تحيا فيه وبه وهو الدولة. فهذا يعني اننا نتناقش حول السلطة والقوانين والمؤسسات. بعيدا عن اي وصاية، اي اننا نتداول في اطار الدولة المدنية. فماهي الدولة المدنية؟
لا أحد من فلاسفة الفكر السياسي الحديث كتب عن الدولة المدنية، باستثناء الفيلسوف الانجليزي جون لوك و حده. هو الذي يمكن ان نستشف منه هذا المفهوم، وبطريقة غير مباشرة، حيث يتحدت عن الحياة المدنية التي هي وحدها الشغل الشاغل للدولة، بمعنى ان الدولة و هي تمارس سلطتها و تفرض نفودها وتضع قوانينها فهي تستهدف فقط الحياة المدنية للبشر و ليس الحياة الروحية لهم.
من هنا يمكن ان نستخلص أن الدولة التي تتخصص في تنظيم الحياة المدنية للناس هي التي يمكن أن نسميها بالدولة المدنية . إنها إذا الدولة التي تحمي حقوق الناس، اي كل ما يتعلق بممتلكاتهم و خبراتهم، و تمكنهم من الاستفادة منها والتمتع بها.
وعلى نقيض ذلك يرى جون لوك ان الدولة لا علاقة لها بضمائر الناس ولا بنفوسهم. فالدولة و هي تسن قوانينها فهي لا تفعل ذلك الا لمصلحة الناس، اي انها تحمي مصالحهم الدنيوية من ممتلكات وخيرات و لا علاقة لها بما هو اخروي لان ذلك ليس من اختصاصها، فهو فوق طاقاتها .
هكذا نستنتج من خلال تصور جون لوك، ان الدولة المدنية لا علاقة لها بالدين و أن سلطتها هي سلطة دنيوية وليست سلطة اخروية. إنها الدولة التي تقوم على القانون الوضعي الذي يضعه صاحب السيادة في الدولة حفاظا على تعايش الناس و استمرار عيشهم في إطار مشترك يضمن مصلحة الجميع. هذا هو الشرط الاساسي في الدولة المدنية،
من جهة ثانية تحد ت معظم فلاسفة الفكر السياسي الحديث، الذي يعتبر جون لوك واحدا هم، عن دولة التعاقد التي هي دولة الاتفاق والاتحاد بين الناس في إطار المصلحة العامة بالشكل الذي يجعلهم ينصبون السلطة التي تحكمهم وتسهر على حفظ وحماية القوانين التي وضعوها لكي ينظموا بها حياتهم الجماعية وفقا لمصالحهم العامة وذلك من خلال ابتكارهم للحياة العامة التي تسود فيها الإرادة العامة التي هي الإرادة الحاكمة والتي تمثل الجميع ، الى حد ان الجميع يدوب فيها على شكل اتحاد يمتله صاحب السلطة، الذي هو بصيغة اخرى صاحب السيادة. إنها التجسيد الفعلي لما يسمى بالدولة التعاقدية التي هي النتيحة، وفق السيرورة السابقة، للحالة المدنية état civil و التي هي البديل عن حالة الطبيعة état de nature .
إن الدولة المترتبة اذا عن الحالة المدنية، اي حالة السلم و الاستقرار، هي الدولة التي تضمن للجميع الحق في الاستمتاع بما يضمن العيش، اي حق الاستمتاع بكل الخيرات والممتلكات الخاصة، هي الدولة التي تحافظ للناس عن حقوقهم الطبيعية التي هي شرط العيش والاستمرار في الحياة. هكذا إذا لا يمكن ان تكون الدولة المدنية غير هاته الدولة المترتبة عن الحالة المدنية اي الدولة التي تكون فيها السلطة تغبيرا عن الارادة العامة.
هذا يعني انها الدولة التي تكون فيها السلطة ملكا للجميع و منتشرة بين الجميع ومن حق الجميع وأنها لا تحصل الا عن طريق الاتفاق، بعد الخضوع واللجوء الى النقاش العمومي.
إن السلطة في الدولة المدنية لم تتحقق عن طريق الوراثة و لا عن طريق الاغتصاب و لا عن طريق القوة و لا المكيدة او الخدعة بل انها تواجدت عن طريق القانون وليس عن طريق اي شيء اخر . فهي، اي السلطة، ليست خاصة بفرد ولا بعائلة ولا بجماعة أو صنف او مذهب او طائفة او عرق او جهة ما، بل إنها سلطة خاصة بالجميع، إنها ممارسة يومية ناتجة عن تجربة سياسية وعن ممارسة للسياسة في المجتمع وفق مبدا الكفاءة و الاستحقاق والمحاسبة حيث رجل السلطة او الحاكم ما هو الا شخص عاد مثل باقي الاشخاص. انه فقط موظف عام له اختصاصات محددة و قابل للمحاسبة. اإه اذا، اي الحاكم في الدولة المدنية، ليس لا بالاب ولا بالاخ الأكبر و ليس بشيخ، لا يحظى بأي ميزة او خاصية تميزه عن باقي البشر. بمعنى ان لا حظوة له و لا نفوذ ولا مكانة بل هو ممثل فقط للارادة العامة التي منحها أياه المجتمع. كما انه ايضا ليس لا بكاريزما، أي انه ليس لا بقائد ملهم ولا يبطل ولا بزعيم لانه لا يمكن ان يكون نبيا أو إلها بل انسانا يمارس عملا عاما يتمثل في كونه هو ممثل الدولة (وليس مجسدها) وفق الاختصاصات التي يعطيه القانون. انه اذا لا يمكن ان يكون عسكريا بل مدنيا لانه من فرز الحياة العامة التي هي الحياة السياسية للمجتمع .
نستنتج إذا أن الدولة المدنية ليست هي الدولة الدينية لأن هذه الاخيرة دولة طائفة او مذهب او معتقد او جماعة مما يجعلها دولة الخاصة وليست دولة الجميع. فالدولة الدينية لا تعترف الا بمن يندرج تحت المعتقد الذي تتبناه و بالتالي فهي تقسم بين الناس الى درجات منهم من في الدرجة الاولى ومن في الدرجة السفلى . هذا ما يحعل الدولة الدينية ليست دولة المواطنة بل دولة الرعايا لانها لا تقوم على مبدا الحق والواجب بل. على مبدا التبعية و الولاء و الطاعة فهي ليست موجودة من أجل مصلحة الناس بل من اجل مصلحة الحاكم حيث الشعب خادم و مطيع لحاكمه ذلك ما يجعلها شبيهة بالدولة العسكرية. في عرفه، يعتبر الشعب عنصرا سلبيا لا مكان له في السلطة بل مؤتمرا طيعا باوامرها و ديعا.
خلاصة القول: الدولة المدنية هي غير الدولة الدينية و العسكرية. إنها الدولة الديموقراطية القائمة على سلطة القانون و المؤسسات المنبتقة من الارادة العامة والتي يستمد منها صاحب السيادة سلطته. إنها قواتين و مؤسسات يحصل عليها الاتفاق العام؛ بمعنى إنها منبتقة من المجتمع المدني و الذي يعني حسب هيجل السلطة الرادعة للسلطة السياسة. إنها السلطة التي تحد من سلطة الدولة في التغلغل في المجتمع؛ اي انها بلغة هيجل ما يستمد منه المجتمع مناعته ضد تغول الدولة وبالتالي فهو اي المجتمع المدني هو الذي يلعب دور التوازن بين الدولة و المجتمع حتى تتحقق في المجتمع حرية الافراد .
هكذا اذن لا تتحقق الدولة المدنية بدون مجتمع مدني و لا بتحقق حرية الافراد التي تجعل منهم اصحاب السيادة .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube