الدكتور عبد الرفيع التليدي (جامعة ليريدا كطالونيا إسبانيا)

إنه أمر طبيعي أن يسعى أغلب مغاربة العالم إلى زيارة بلدهم الأصلي المغرب من أجل قضاء العطلة الصيفية و صلة الرحم مع عائلاتهم وأقاربهم وتقوية العلاقات العائلية فيما بينهم. و في الحقيقة تعتبر هذه الزيارة فرصة للعائلات للتعرف على الأبناء الذين إزدادوا خارج المغرب و كذلك مناسبة للأبناء للتعرف على أجدادهم و أعمامهم وأخوالهم وجميع أفراد الأسرة بطريقة مباشرة. ويأتي هذا المسعى في المقام الأول، ثم يأتي بعده تأكيد الإرتباط بالوطن الأم و التعرف على عادات وثقافة الآباء والأجداد و التمتع بكل ما يزخر به المغرب من تراث و معالم وآثار تاريخية و نوعية المطبخ المغربي وتنوع المأكولات و كل ما هو جميل من مناظر طبيعية و شواطيء و مقاهي و جميع ألأماكن التي توفر لهم اسباب المتعة و الراحة، و تجعلهم يقضون عطلة مليئة بالسعادة و الطمأنينة و يفكرون في العودة لزيارة بلد آباءهم وأجدادهم كلما اتيحت لهم الفرصة. ولكن الأمر غير الطبيعي هو أن تحول بين هذه الرغبة في زيارة الأهل والأحباب امور غالبا ما تكون خارجة عن إرادتهم و تعيق تحقيقهم لهذا المسعى و هذا الطموح، وهي أمور ترتبط إرتباطا وثيقا بما هو إقتصادي، سياسي، جغرافي، إلخ.

وبما أن حب الأوطان من الإيمان، فمن دون شك أن مغاربة العالم يحبون وطنهم حبا جما ولا يمكن أن يتزايد عليهم اي أحد في هذا الحب، و هم يؤمنون بعدالة قضيته الأولى؛ قضية الصحراء المغربية و يدافعون عنها بكل ما يملكون من إمكانيات، و لهذا السبب نجدهم ينتظرون قدوم العطلة الصيفية بفارغ الصبر لزيارة الوطن، بل أكثر من هذا يستعدون لها استعداداً كبيراً حيث تراهم يقصدون الأسواق بمختلف أنواعها لشراء الملابس الجديدة و شراء الهدايا لعائلاتهم وأقاربهم في المغرب. و فعلا فإن هذا الإرتباط بالوطن يتجسد على أرض الواقع على طول السنة ولا يرتبط بالعطلة الصيفية أو بغيرها، فهو إرتباط دائم ومتواصل سواء عن طريق وسائل الإتصال المرئية و المسموعة كالإذاعات والتلفزة الوطنية و الهواتف أو وسائل التواصل الإجتماعي. والشيء الأهم هنا يكمن في التحويلات المالية التي يقومون بها سواء إلى عائلاتهم أو من أجل الإستثمار والتي عرفت إرتفاعا ملحوظا للعام الثاني على التوالي حسب بعض المصادر رغم أزمة كورونا و صعوبة السفر للوطن الأم؛ حيث بلغت التحويلات ما مجموعه 68 مليار درهم بإرتفاع قدر ب %5 مقارنة بالسنة الماضية، وخصوصا التحويلات الموجهة نحو الإستثمار خاصة في الأراضي و العقارات، كما يُتَوقع أن تصل هذه التحويلات إلى 75 مليار درهم خلال هذه السنة حسب توقعات بنك المغرب. و كل هذه الأرقام غير المتوقعة فاجأت المختصين، قبل مغاربة العالم أنفسهم، خاصة خلال هذه الفترة الإستثنائية. و بالفعل و من خلال هذه الأرقام يتضح انهم يشكلون قوة إقتصادية يحسب لها ألف حساب بالرغم من محاولة البعض تبخيس دورهم في تنمية البلاد و إقصائهم من التمتع بكامل حقوق المواطنة التي ينص عليها دستور 2011.

و مهما يكن، نجد أن مغاربة العالم دائما محبين لبلدهم و عاشقين لترابه و يرغبون في قضاء أيام دافئة بين أحضانه، لكن مع الأسف الشديد فقد حكم على عدد كبير منهم هذه السنة الإكتفاء بالقلق و الحسرة لكونهم سوف يضطرون إلى المكوث في بلد المهجر للسنة الثانية على التوالي وذلك بسبب إنتشار وباء كورونا من جهة، و بسبب ضيق مداخيلهم المادية الناتجة عن تداعيات الأزمة التي سببها هذا الوباء، و كذلك نظراً لغياب برامج سياحية ملائمة مع حاجياتهم وإمكاناتهم. و من جهة أخرى، و مع إرتفاع أسعار التذاكر خلال العطلة الصيفية وأحيانا ثلاثة إلى أربعة أضعاف السعر العادي، فقد إضطرت العديد من الأسر، وخاصة متعددة الأفراد، إلى التحلي بالصبر وتأجيل رحلتها التي طال انتظارها، إلى أن تسمح الظروف بذلك و بالتالي الإكتفاء بقضاء العطلة في بلدان الإقامة. و بكل تأكيد أن هذا الأمر ستكون له تداعيات سلبية و تأثير ملحوظ على الحركة الإقتصادية في المغرب.

و في ظل هذا الوضع الذي إختلط فيه الإحساس بالعجز والإستسلام، جاء بلاغ الديوان الملكي ليوم 13 يونيو المتعلق بتسهيل عودة مغاربة العالم إلى وطنهم الأم كالبلسم الذي يرفع الروح المعنوية ويبعث على الأمل ويحيي الأحلام والآمال، مجسدا بذلك مدى العناية الفائقة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لأفراد مغاربة العالم و مدى إستجابته وإنصاته لرعاياه. و قد كانت التعليمات الملكية واضحة للسلطات المعنية ولكافة المتدخلين في مجال النقل الجوي، خاصة شركة الخطوط الملكية المغربية وكذلك النقل البحري، بالحرص على إعتماد اسعار معقولة وفي متناول الجميع وتوفير العدد الكافي من الرحلات من أجل تسهيل عودة مغاربة العالم إلى بلادهم و
تمكينهم من زيارة وطنهم وصلة الرحم بأهلهم و ذويهم، خاصة في ظروف جائحة “كوڤيد 19”. كما شملت التعليمات السامية كل الفاعلين السياحيين في مجال الإقامة من أجل إتخاذ التدابير اللازمة لإستقبال الجالية المغربية في ظروف ملائمة. وتجدر الإشارة هنا كذلك إلى أن مغاربة العالم أجمعوا على الترحيب بهذه الخطوة و إعتبروها بادرة رائعة ستمكنهم من صلة الرحم مع عائلاتهم بعدما حرموا من ذلك منذ تفشي وباء “كوفيد 19″ في السنة الماضية. و قد أعرب العديد من أفراد الجالية بعد أن أضناهم الفراق الذي استمر لعامين، عن إستعدادهم للإستجابة لجميع المتطلبات من أجل السفر إلى الوطن الأم، على الرغم من الشروط التي لا تزال سارية المفعول(شهادة التلقيح، إختبار “بي سي إر”، إلخ.).

غير أن الأيام التي تلت هذا الإعلان حملت معها خيبة أمل كبيرة، بل ومرارة بالنسبة للعديد من أفراد الجالية الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن تحقيق حلم الإلتحاق بأرض الوطن بسبب عدم توفر تذاكر النقل أو إرتفاع أسعارها التي لا يمكنهم تحملها. فبالنسبة للمغاربة المقيمين في أوروبا، والتي تتركز فيها غالبية أفراد الجالية المغربية بالخارج، كانت خيبة الأمل أكثر مرارة لأن العبور بحرا ممكن و لكنه غير كافي للسنة الثانية على التوالي، سواء عن طريق ميناء سيت بفرنسا أو جنوة بإيطاليا. كما أن توتر العلاقات المغربية الإسبانية زاد الطينة بلة بعدما قرر المغرب إستثناء جميع الموانيء الإسبانية من عملية العبور لهذه السنة. و قد إستبشر العديد من مغاربة العالم خيرا بالمفاوضات التي كانت قد بدأت مع السلطات البرتغالية لطرح بديل لهذا الإستثناء و جعل ميناء بورتماو البرتغالي كنقطة للعبور عبر رحلات مباشرة من هذا الميناء إلى ميناء طنجة بداية من شهر يوليوز، لكن مع الأسف الشديد هذه المبادرة لم يكتب لها النجاح. وقد لوحظ أن مجموعة من مغاربة العالم بالفعل وصلوا إلى هذا الميناء البرتغالي بعدما سمعوا أخباراً متنوعة من بعض أصحاب قنوات اليوتيوب تشير إلى ذلك، لكنهم فوجئوا بوجود الأبواب المغلقة في وجوههم و بالتالي عدم تمكنهم من السفر الى المغرب خلال عطلة هذه السنة، وعادوا من حيث أتوا يجرون ذيول الحسرة و خيبة الأمل. أما فيما يتعلق بمغاربة كندا والصين وأمريكا وأستراليا وغيرها من البلاد البعيدة فهم يضطرون للإنتظار في بعض الأحيان حتى خمس سنوات ليفكروا في السفر إلى المغرب نظرا لإرتفاع مصاريف التنقل والتي تسعى خطوط الطيران من خلالها لإستنزاف جيوبهم وإثقال كواهلهم .

ولكل هذه الأسباب، و من أجل تمكين مغاربة العالم من قضاء عطلتهم بين أهلهم وذويهم يجب أخذ الأمور بالجدية اللازمة وتسطير إستراتيجية شاملة لمعالجة هذا الواقع من طرف الحكومة المغربية، علما بأن مغاربة العالم الموجودين في مختلف بقاع العالم لا يبحثون فقط عن تحسين ظروفهم المعيشية و المادية أو عن سلم الإرتقاء الإجتماعي بل يطمحون كذلك إلى المساهمة الفعلية في بناء و تطوير و تقدم بلدهم الأم المغرب. و في ظل هذه الظروف التي يعيشها مغاربة العالم و التي أصبحت تشكل لهم عائقا و تثنيهم عن مسؤولية المشاركة في بناء مغرب حديث و متطور و لعب الدور المنوط بهم كسفراء أوفياء لوطنهم قادرين على نشر ثقافة الإعتدال و الوسطية و التعريف بعادات و تقاليد و أعراف بلدهم الأم المتجذرة تاريخيا، أصبح من الضروري وجود دور للحكومة و للأحزاب السياسية التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في تيسير و تدبير شأن الجالية المغربية و التي لا تتمثل فقط في إنشاء و تأسيس مجلس الجالية أو المواكبة اليومية لإنشغالات المهاجرين الإدارية و بإشكالية الهوية و الإندماج في بلاد المهجر، بل التطرق لعمق الإشكاليات و البحث عن حلول بديلة لمشاكل مغاربة العالم و الضرب بقوة على أيدي كل من تسول له نفسه العبث أو المتاجرة بهموم و بمصالح مغاربة العالم والكف عن التسويق لمنطق “المسؤولية تقع على عاتق الآخرين” و الكف عن خدمة مصالح المفسدين التي تقف عائقا أمام تحقيق و تفعيل حقوق مغاربة العالم الدستورية المشروعة.

و بكل تأكيد، ستبقى الإلتفاتة الملكية الرائعة ليوم الأحد 13 يونيو 2021 المرتبطة بتسهيل عودة مغاربة العالم إلى الوطن الأم، موشومة في ذاكرة الملايين من مغاربة العالم الذين طالما إنتظروا هذه اللحظة بفارغ الصبر، وسيبقى المغرب، أكثر من أي وقت مضى، فاتحاً أحضانه لإستقبال أبنائه أينما و جدوا.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube