محمد بوبكري

يكاد يجمع الخبراء في الشأن الجزائري على أن حكام الجزائر قد زجوا بالبلاد في أزمة خانقة، لم يسبق أن عرف تاريخ الجزائر مثيلا لها من قبل، حيث دمروا الاقتصاد الجزائري تدميرا كاملا، فانهار الدينار الجزائري، وصار عديم القيمة في السوق المالية العالمية. وبناء على عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فقد استنتج هؤلاء الخبراء أن الجنرالات ماضون في طريق تفتيت الكيان الجزائري؟ لكن ما هي العوامل التي جعلتهم يصلون إلى هذه النتيجة؟
إن استمرار هؤلاء الجنرالات في السلطة مع انعدام العملة الصعبة في خزينة الجزائر قد يضرب الوحدة الوطنية، حيث لن تكون هناك أموال لتلبية الحاجات الأساسية للشعب الجزائري. لقد نهب الجنرالات أموال الشعب الجزائري، وهربوها إلى الخارج. كما أنهم مهووسون بالتسلح، تلبية لنزعتهم البدوية الفروسية، التي تروم الهيمنة على جيرانهم شرقا وغربا وجنوبا من أجل التوسع على حسابهم. ورغم فراغ الحزينة الجزائرية، فإن الجنرالات ما يزالون مستمرين في تمويل مليشيات “البوليساريو”، التي يكاد يجمع متتبعو الشأن العام الجزائري على أنها تكلف الجزائر قسطا مهما من وارداتها، ما ساهم في تفقير الشعب الجزائري، حيث لم يعد ممكنا القول إن الجزائر غنية بموارد بترولها وغازها، بل إنها أصبحت فقيرة بسبب النهب والفساد والتسلح ودعم ميليشيات “البوليساريو”، واستمرار الجنرالات في نهب ثروات الشعب الجزائري.
إضافة إلى ذلك، فإن حكام الجزائر لم يفكروا أبدا في تنمية مناطق الجنوب الجزائري، كما أنهم لا يمتلكون اليوم مشروعا لتنميتها، ولا إمكانات مالية لإنجازه. فالصحراء الجزائرية شاسعة، لأن الاستعمار الفرنسي اقتطع أراض واسعة من جيران الجزائر وألحقها بالجزائر، لأنه كان يعتقد البقاء فيها لزمن طويل بهدف استغلال خيراتها، ما جعله يزرع أزلامه في الجيش الجزائري بعدما سمي بـ”الاستقلال، حيث تم ذلك بتآمر “هواري بومدين” و”أحمد بن بلة” معهم، ما نتج عنه حدوث ثورة مضادة لروح ومبادئ ثورة التحرير الجزائري، الأمر الذي نجم عنه الانقلاب على الوطنيين الكبار وتصفية بعضهم، والتخلص من الوطنيين “القبائليين”، والحال أن شهداء منطقة “القبايل” يشكلون وحدهم ثلاثة أرباع شهداء ثورة التحرير الجزائرية.
وتعد هذه الأقاليم الصحراوية الجزائرية مصدرا لتسعين في المائة من الثروات الجزائرية الحالية، والحال أنها لم تعرف نموًا، حيث ماتزال تعاني من البطالة والفقر، ولا توجد بها بنيات تحتية، حيث لا مستشفيات، ولا تعليم، ولا تطبيب، ولا طرق… ومادامت الجزائر تتوفر على فرشة مائية غزيرة، فإن حكام الجزائر لم يفكروا أبدا في استغلال هذه المياه للقيام بأنشطة فلاحية تساهم في توفير الاكتفاء الغذائي للشعب الجزائري الذي يعاني من العطش، ولم يفكروا في استغلال هذه المياه الجوفية، أو إنشاء محطات لتحلية مياه البحر من أجل مكافحة العطش الذي ضرب أغلب مدن البلاد ومناطقها، بما في ذلك الجزائر العاصمة.
لقد ترك الجنرالات هذه المناطق الجنوبية متخلفة، حيث لم تعرف نموا، لأنهم لم يطوروا أية مشاريع تنموية فيها، ما أدى إلى عدم حصول أي تحول على البنية الديمغرافية، التي بقيت قبلية وعرقية، منغلقة على ذاتها، وليست منفتحة على الوطن والعالم. إنهم لا يفقهون شيئا في الظروف التي ساعدت دول العالم على النمو والتحول. وما دام الجنرالات ينهبون خيرات هذه المناطق، ويهمشونها، ويمارسون العنف ضد تظاهراتها ومسيراتها المطالبة بحقوقها، فإن التركيبة القبلية والعرقية لهذه المناطق ستدفعها إلى المطالبة باستقلالها…
فمنذ 1962 لم يفكر ضباط الجيش الجزائري في بناء “دولة-أمة”، ما جعل مختلف المناطق لا تشعر بالانتماء إلى الدولة الجزائرية… زد على ذلك أن غباء الجنرالات قد حال دون امتلاكهم لأي مشروع، سياسي، ولا مجتمعي، الأمر الذي نجم عنه افتقارهم إلى أي مشروع تنموي يساهم في التحول الديمغرافي للجهات، ما أدى إلى غياب مفهوم “الدولة – الأمة” عن سياساتهم في الجزائر، فانعدمت الوحدة الوطنية، وصارت الجزائر معرضة للتجزئة والانقسام. هكذا، فإن غباء الجنرالات جعلهم لا يمتلكون رؤية تمكنهم من بناء “الدولة -الأمة” في الجزائر، وذلك على عكس الدولة المغربية، التي منحت أولوية لبناء “الأمة-الدولة” حيث نجد أن كل المدن والجهات تفتخر بانتمائها إلى المغرب، ما يفيد أنه يوجد لدى المغاربة حس وطني، وليس حسا قبليا، ولا عرقيا، ولا جهويا. لكن جنرالات الجزائر قد نهبوا كل خيرات الجزائر، ولا يترددون في قمع الشعب الجزائري كلما مارس الاحتجاج ضدهم مطالبا بحقوقه، الأمر الذي جعل الجهات تمتلك حسا جهويا، لأنها تعرضت للنهب والتهميش والقمع. وهذا ما ينطبق على مناطق “مزاب” و”الطوارق” و”الأزواد” و”القبايل” في الجزائر، الأمر الذي يهدد الدولة الجزائرية بالانهيار.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة قد وضعت شروطا لانفصال الشعوب عن دولها، ويمكن تلخيص هذه الشروط في الأمور الآتية:

  • أن تكون هذه الشعوب مختلفة لغويا وثقافيا وعرقيا عن باقي أعضاء الدولة، التي يريدون الاستقلال عنها.
  • أن يكون الطلب آت من الداخل، لا من الخارج؛
  • أن يكون دعاة الانفصال يشكلون أغلبية ديمغرافية في المنطقة التي يطالبون باستقلالها؛
  • أن تعبر أغلبية سكان المنطقة عن رغبتها في الاستقلال.
    ويرى بعض الخبراء أن هذه الشروط تنطبق على كل المناطق الجزائرية التي تطالب بالاستقلال، لأنها تختلف عرقيا ولغويا عن مناطق الشمال والغرب الجزائريين، ولأن طلب الاستقلال آت من داخل هذه المناطق، كما أن هناك أغلبية ديمغرافية تريد الاستقلال، وهي جاهزة لتأكيده ديمقراطيا.
    لكن هذه الشروط لا تنطبق على وضعية الصحراء المغربية، التي لا يختلف سكانها عن سكان المغرب لغويا وثقافيا وعرقيا، حيث إن لسكان الصحراء أصولا أمازيغية وعربية، كما أن الحسانية لا تختلف عن اللغة التي يتكلمها المغاربة. أضف الى ذلك أن طلب الاستقلال ليس آت من داخل المجتمع الصحراوي، حيث إن الأغلبية الساحقة من مغاربة الصحراء يعيشون في الصحراء، ولا يطالبون بالاستقلال، بل إن أغلبهم يعلنون افتخارهم بانتمائهم المغربي.
    فضلا عن ذلك، فإن استمرار الجنرالات في نهب أموال الشعب الجزائري، وإنفاق جزء مهم من ثروات هذا الشعب على مليشيات البوليساريو، قد يعمق فقر الجزائري، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى مطالبة المناطق الجزائرية سالفة الذكر بالاستقلال… فليس مقبولا أن يتم نهب خيرات مناطق الجنوب الجزائري، وتفقير سكان هده المناطق، ما قد يدفعهم إلى المطالبة بالاستقلال.
    وتجدر الإشارة إلى أن شروط الاستقلال التي وضعتها الأمم المتحدة لاستقلال الشعوب، تنطبق على منطقة “القبايل”، التي تختلف ثقافيا ولغويا وعرقيا عن أغلب المناطق الجزائرية، كما يؤكد التاريخ أنه كانت هناك “جمهورية قبايلية”. زد على ذلك أن طلب الاستقلال آت من داخل هذه المنطقة، حيث إن أغلب سكانها يريدون الاستقلال. وقد تأكد ذلك من خلال مقاطعتهم الشاملة لانتخاب “تبون”، ومقاطعتهم بالإجماع للاستفتاء على “الدستور”. أضف إلى ذلك أنهم قاطعوا الانتخابات التشريعية الأخيرة، ما يعني أنهم أصبحوا خارج مؤسسات دولة العسكر. هكذا، فإن هناك أغلبية في منطقة “القبايل” تريد الاستقلال التام، ما يجعلها تستجيب لشروط الاستقلال المعتمدة من قبل الأمم المتحدة. وهذا ما يفسر هلع جنرالات الجزائر من المذكرة التي وجهها الأستاذ “عمر هلال” إلى المشاركين في الندوة الاخيرة لدول عدم الانحياز.
    وأمام هذه الوضعية، فإن الهدف الوحيد لجنرالات الجزائر هو الاستمرار في الإنفاق على مليشيات “البوليساريو”، كما أنهم لا يتوقفون عن التسلح، ما أفرغ خزينة البلاد وجعلهم عاجزين عن تلبية الحاجات الأساسية للشعب الجزائري…
    لذلك، لا يمكن إنقاذ الجزائر من الانهيار إلا بإحداث تحولات سياسية واقتصادية وثقافية.. وبدون ذلك ستعرف البلاد انهيارا وتفتيتا واسعا..
    إنني لست من دعاة الانفصال، لأنني لا أحبه، لأنني لا أريده لبلدي ولا لجيراني…لكن التطور التاريخي عنيد يسير ضد رغبتي، لأن حكام الجزائر مستمرون في خلق الشروط الموضوعية التي ستؤدي إلى انهيار الكيان الجزائري وتفتيته… والمسؤولية تعود لجنرالات الجزائر المتحكمون ظلما في البلاد والعباد
    .
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube