مصطفى الزِّيــن

بعد انصرام أسبوع واحد من رمضان الأخير ؛ كنت ، في نص ابتسامة من خلف الكمامة ، شبهت حالنا -نحن المغاربة خاصة، والعرب جميعا – مع شهر رمضان بحال تلك الأسرة التي يعمل ربها /الأب جنديا مرابطا بحدود الوطن البعيدة، أو عاملا مهاجرا بالخارج (بأحد بلدان أورروبا )أو بالخليج ؛ فهو لا يزورهم ، ويقيم معم إلا شهرا واحدا ، هو شهر عطلته السنوية ؛ فهم يتشوقون إلى مقدمه، ويستعدون لملاقاته بما يليق بمكانته وبركاته ؛ ينظفون ، ويتنظفون متطهرين ، حتى ذلك الأبن السكير يقلع عن الخمر أربعين يوما قبل مقدم الأب “سيدى رمضان” ، حتى لا يشتم منه ريح أخبث الخبائث.. ويعدون ،ما شاء الله، الحلويات والشهيوات ، فإذا جاء ذلكم الأب الملتزم المتدين، اجتهدوا وتفانوا في إبراز مدى استقامتهم والتزامهم ب”أركان الإسلام خمسا” أمامه ، و بالتراويح والنوافل والسنن.. ويوم ينتهي شهره، يكون ذلك يوم العيد السعيد ، يودعونه آسفين، في الظاهر، على فراقه بعد ألفة..ثم سرعان ما يعودون ، وأمهم، كل إلى ما كان فيه ، من قبل ، من انطلاق وتحرر ؛ يعود الإبن السكير إلى معشوقته، وتعود البنت إلى تبرجها وخرجاتها ،وتعود الأم إلى تسهلها..ينتظرون تحويلات “با رمضان” وهدياه.عن بعد.. وقد يظل بعض الأبناء أوفياء لذاك الأب العائد إلى مهجره ستة أيام أخر بعد العيد ،يصومون ويقومون ، بعد الآخرين، حتى أني قبل أيام إلتقطت من حوار بين رجلين بالمقهى ، كان أحدهما يشكو إلى الآخر كيف أن صاحبته لا زالت لا توافيه إلى مواعيدهما المعتادة ، تزعم له أن يومين فقط ما يزالان أمامها من صيام الستة ،وتطلب منه أن يصبر عليها قبل أن تعود إلى مجالسته .. “..أحبيبة ديالي”.. وقد رأينا بنت عمي رمضان الشيخة الهرامة، كيف أصبحت “متقفة ” عن نشاطها ، وتريد أن تفتي وتحيي فتاوى” ابن تميمتها ” .. .. وكنا رأينا “السداسي” المطرب (بعد إعرابه) يعفي لحيته متأثرا ب”السديس” ، ويذكرنا ، ويذكر أباه “سيدنا رمضان” بأنه ما زال حافظا “أركان الإسلام خمسا”مما جعلني أقول فيه، وفي أمثاله ساخرا (غي بلعاني ) ، من تحت الكمامة: صَاحِبِي الْمَاجِنُ فِي الْبَلاَ شَيْخٌ مُعَمَّمْ لَمْ يَجِدْ حَانَةً مَفْتُوحَةً وَلاَ وَكْراً، فَأَسْلَمْ عَادَ إِلَى دَرْسِهِ الْبَاكِرِ فِي الدِّيـنِ وَغَنَّـى نخَمْسَةٌ أَرْكَانُ دِيــنِنَا الإسـلامِ، وَأَقْسَمْ لَيَعُودُإِلَى سِـيرَة ِالْفِسْقِ وَاللَّهْوِ سَرِيعاً إِنْ مَشَى السَّيَِدُ رَمْضَانَ وَالْحَظْرُ تَصَرَّمْ مَا إِنْ يَرَى بَوَّابَةَ حَانَةِ الْمَلْهَى تُـوَارَبْ سَيَعُودُ إُلَى الْقَعْدَةِ والدَّفِّ طَطَمْ طَمْ طَمْ طَطَمْ طَمْ/طَمْ طَطَمْ طَمْ/ طَطَطَمْ إِشْرَبَنْهَا وَاسْقِنِي، هَاتِ بالأُورُو أَوْ بِدِرَهَمْ صَنْهَجَنْ جَنْ/ صَنْهَجَنْ جَنْ/ صَنْهَـجَنْ أَنَا ،يَاصَاحِ، سَعِيدُ القَعْدَةِ إِنْ كُنْتَ تَفْهَمْ فوالله ، كأني كنت أراه متربصا بباب الملهى أن يفتتح من جديد ، فيعود إلى [طريقه اللي ماشي فيه بالنية] كما سنراه في عمله الجديد مع صاحبه الجديد ، بعدما ننظر في هذه المفارقة، أو ما يبدو أنه مفارقة ؛ كيف في شهر واحد، وملحقه التطوعي ، يركز (أبناء عم رمضان) تدينهم وتطهرهم ونسكهم ،قبل أن تنطلق ،من جديد، جِنُّهم وعفاريتهم من قماقمها ؟ ولعل أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932) خير من فهم هذه الظاهرة ، وذلك في قصيدته الشهيرة “رمضان ولَّى”التي كان نشرها أشْهُرَ قليلة قبل وفاته، وكانت أثارت ضده لغطا ونقدا أخلاقيا يعطل الحكم الجمالي، عكس ما يجب أن يكون مع الشعر ،ومع كل فن . افتتح شوقي قصيدته في المديح الوطني الإصلاحي ، بمقدمة خمرية على نهج أبي نواس العباسي: رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها وقيا ، بعد عشرة أبيات ، دخل صلب موضوعه ومهامه الشعرية ، وهمومه القومية ،التي، للأسف مازالت نفس همومنا ، ونفس أحوالنا ، بعد أن ولى رمضان ، وجاء العيد ، فقال: لا تَسقِني إِلّا دِهاقاً إِنَّني أُسقى بِكَأسٍ في الهُمومِ دِهاقِ فَلَعَلَّ سُلطانَ المُدامَةِ مُخرِجي مِن عالَمٍ لَم يَحوِ غَيرَ نِفاقِ وَطَني أَسِفتُ عَلَيكَ في عيدِ المَلا وَبَكَيتُ مِن وَجدٍ وَمِن إِشفاقِ لا عيدَ لي حَتّى أَراكَ بِأُمَّةٍ شَمّاءَ راوِيَةٍ مِنَ الأَخلاقِ ذَهَبَ الكِرامُ الجامِعونَ لِأَمرِهِم وَبَقيتُ في خَلَفٍ بِغَيرِ خَلاقِ أَيَظَلُّ بَعضُهُمُ لِبَعضٍ خاذِلاً وَيُقالُ شَعبٌ في الحَضارَةِ راقي وَإِذا أَرادَ اللَهُ إِشقاءَ القُرى جَعَلَ الهُداةَ بِها دُعاةَ شِقاقِ إِنّي أُجِلُّ عَنِ القِتالِ سَرائِري إِلّا قِتالَ البُؤسِ وَالإِملاقِ وَأَرى سُمومَ العالَمينَ كَثيرَةً وَأَرى التَعاوُنَ أَنجَعَ التِرياقِ قَسَمَت بَنيها وَاِستَبَدَّت فَوقَهُم دُنيا تَعُقُّ لَئيمَةُ الميثاقِ وعندي ، أن شوقيا إنما يخاطب خديوي مصر عندما يقول: ..هاتها ياساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق ، فمن المعرف أن شوقيا كان متعففا متزهدا، ولكنه يعرف أن ممدوحه (فؤاد الأول) الذي يعلق عليه مسؤولياتِ تجاوزِ سوء أحوال الأمة ،كان فعلا يحن، بعد شهر الصيام ،إليها ويسعى سعي المشتاق، ويعرف أن مزاجه لا يلين ويطيب إلا بها.. وشوقي هو أيضا من ينتقد التدين المنافق، في قصيدته في المديح النبوي،سلوا قلبي: عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذابا هذا التدين المنافق المبالغ فيه ، المتجاوز للطبيعة البشرية ، هو ما انتقده وكشف زيفه المؤرخ عالم الاجتماع العراقي الكبير : علي الوردي (1913-1995) ، في كتابه و”عاظ السلاطين” فرأى أن منطق الواعظين هو نفسه منطق الظلمة المستبدين الفاسدين المفسدين..، وأن التأثير في الناس يجب أن ينبني على فهم الطبيعة البشرية علميا، وعدم تحميلها ما لا تحتمل ؛ فالانسان بطبعه أناني ،يميل الى المنافسة والحسد..، وهذا ما يميز الإسلام والقرآن الكريم الذي يعترف بنسبية الإنسان “..إن الإنسان كان ظلوما جهولا”.. * * * * * ولنعد ،الآن، إلى صاحب “أركان الإسلام” خمسا : السداسي الممتسدس في رمضان، وتربصه بافتتاح ملهاه ،ليعود إلى طريقه الذي يسير فيه بالنية، وإلى عمله الفني، أو بالأحرى، توظيفه من طرف صاحبه الجديد صاحب “التحفة الفنية” “شافوني آليز”، الأغنية الديو، والڤديو كليپ، الذي طرحه مبدعها أسامة الشريف،على قناته باليوتوب، قبل أيام قليلة ،بعد أن ولِّى رمضان: ولنقرأ كلماتها التي كتبها ولحنها عبقري آخر : أســـامــة: شافوني آليز / نقطع الحواجز /ديما جايب العز وا يهدروا فينا خاطيني لا كريز / الخدمة والتركيز / يا ويحسدوا فينا الصنهاجي: اللي بغا يربح العام طويــل ماشي فطريـقي بالنية كلــشي الهدرة والتمثـــيل آ حاولوا عليا عدياني داروا بيا أســـامــة: سمحي ليا عمري رابغيتك تصبري كلام الناس اكتار بغاوا يفرقونا هذا هو زهري تابعني من صغري ديما يحسدونا الصنهاجي: اللي بغا يربح العام طويل …………………( اللازمة- يغير منها بعض المفردات) أســـامــة : ملِّي يكون الْمُوني /كلشي عليا يصوني / يبداو يرغبوني / حاجتهم فيا ابغاو يدوخوني / والله لا شمتوني/ غير يباعدوا عليا دعنا من تواضع هذه الكلمات شعريا ، أو فنيا، ومن سجعها المبتذل ، وتقارب قوافيها.؛ ودعنا من “عرنسيتها” وهجنتها العيوشية ( آليز -لاكريز- الموني-يصوني ..) ؛ ودعنا من خلفية النجاح المنخور بالخرافة والإيمان بالحسد وكلام الناس.. وتناقض ذلك مع مقولة (اللي بغا يربح العام طويل) ؛ وتعال معي لنرى ، من خلال الڤيديو كليب والصورة والفضاء، “العز ” ! اللي جايبو خونا أسامة ، و”لكريز”، و”الفريز” اللي هي عمره !؟ و”النية”، (وطريقي اللي ماشي فيها بالنية)؟ وفين تمشي الموني/الحبة ، مين تكون الموني؟ وتعال نرى القيم التي يمررها هذا الفن إلى الشباب ويبثها، أو ينفثها ، بينه، وبين أولائك الذين يرمون بأنفسهم في بحر مضيق سبتة وما وراء سبتة ومليلية المحتلتين ؟ ومتى ؟ وأين أنجز هذا العمل الفني ؟ فأما البطل ؛ بطل الڤديو كليپ الذي يتجاوز الحواجز ، ويحقق العز ، فيبدو رجلا بلحيته المجزومة ، ولكن كما لو كان طفلا في حلة العيد، في قميص زاهٍ ، فيه من كل لون بهيج ..ما بين الأحمر والأصفر والأزرق والبني والأسود والأبيض..وفيه، ما شاء الله، من الخطوط والأشكال :دوائر ومربعات وخماسي ( حبذا لو كان سداسيا) فيه صورة حصان بُراق على صدر “نطاط الحواجز” ، الذي يبدو قادما متوقفا بسيارته الجميلة (شيفروليه) ميني في اللونين الأصفر الذهبي بالأسفل، والأسود بالأعلى ، فتنزل الفتاة الجميلة الأيقونة الرشيقة ، الأطول منه قليلا، في “جيپتها “الميني الحمراء الأرجوانية ، في لون شفتيها المطليتين حديثا ، وجاكيت جلدي أسود قصير ، بشعرها المسترسل ..ثم نري بطلنا في مكتبه ينكب على عمله بالتركيز ( بنفس لباس العيد اللي شراتو لو ماماه، وربما يتماهى البطل مع المغني هنا الذي نجح متحديا الحواجز حتى أنشأ له استديوها معتبرا للتسجيل ) ، فنرى شخصين وقد استوقفا “الصاطة” “عمري” بالشارع ، وهما يشرحان لها في الهاتف صور خيانة خليلها-أو لنسمه خطيبها حبيبها- طبعا الخيانة والصور المكذوبة، لأنهما مجرد اثنين من حاسديه( ونا الثالث وقيلا)، من أصدقائه ، أو من أصدقاء “الموني”.. ؛ وهكذا نرى الفتاة الجميلة تقتحم على البطل مكتبه غاضبة محتدة تعرض عليه صور غدره وخيانته المزعومة ، وهو ينهض ليشرح لها مؤامرة الحساد ، وسرعان ما تعود المياه إلى مجاريها ،فيتصالحان، وينطلقان بالسيارة كي يغنما “لافي آليز” اللحضات الهنيئة الرغدة السعيدة ، فنراهما يعودان الى ذلك الملهى “المحترم”يجلسان في أريكة وثيرة، يضاحكها ويداعبها ملامسا شعرها السبسب ، وأمامهما صديقه المغني الصنهاجي ،الذي ربما كان البطل، زعما،غاضبا منه، فهو الآخر محسود ،رغم أنه يسير في طريقه المستقيم ب”النية”يغني لهما (اللي بغا يربح العام طويـــل.).وفي غمرة السعادة ، يأخذ بطلنا فاقع الألوان-زعما على المودا-؛ يأخذ رزمة من الأوراق النقدية/الموني ، فيرميها.. ويشتتها مطرا فوق مغنيه الذي يلبس بذلة كلاسيكية وربطة عنق.. يدخن بطلنا الطاوسي السيغارَ الفاخر، أما مرافقته ففي إحدى يديها أنبوب الشيشة التي تبدو زجاجتها بالجانب ،كما تبدو أجهزة شيشة ،أو النارجيلة، أخرى موزعة بالملهى أمام وخلف الفرقة الموسيقية وبعض الزبناء الآخرين القليلين. إذا كان البطل صاحب مشروع ناجح ، حققه بتجاوز الحواجز ،وبالتركيز..؟ فمن تكون صاحبته؟ إنها تبدو كما لو كانت مجرد فتاة جميلة، جسدا .. مفاتن جسدية ، حلوة جذابة ، ولكن لا شيء عن عملها أو مسارها، أو شخصيتها ؛بمعنى أن هذا الڤيديو كليپ يُشيِّءُ ويبضعن المرأة، ويقدمها مجرد فنتة ، ومتعة ، ومرافقة ، ينتافس حولها المتنافسون، ويتحاسد المتحاسدون، ليحظى بها الذي تجاوز الحواجز ،وحصل الموني ؛ الموني الذي هو سبيل الحياة السعيدة ،لا في آليز..، والسعادة إنما هي إنفاق الموني وتشتيته فقوق “الصاطات” والمغنيات والمغنين من أمثال الستاتي.. الستاتي الذي تدين وتمسلم، أمام (با رمضان)وغنى لأركان الإسلام جهلا، كنت رأيته، بعد وزيعة وزارة الثقافة في دعم الفنانين والكتاب ؛كنت رأيته وسمعته ،يشكو كيف حرم من حصته،ولكنه كان يريد أن يقول لنا إنه قد أخذ طريق النجاح فنيا ،وأنه لم يعد محتاجا لدعمهم، فهو يشتغل أيضا حتى بالخارج، ويحصل ما به يحيا الحياة آليز..آي أنه يجد الملاهي والأوكار التي يتساقط فيها عليه مطر الموني المدرار.. بقي أن نقول إن هذا الڤيديو كليب قد تم تصويره بإسپانيا ، نظرا لظرفية الوباء !، وأن فنانينا جميعا المشاركين ، عن قرب، في هذا الإنجاز الذي دونه خرط المجاز ، إنما هم في إسپانيا ،يعيشون آليز.. وأن من مهام هذا الإنجاز الفني أن يستثير شهوة الشباب واليافعين لتحقيق مثل هذا النجاح وتجاوز الحواجز ،ولو بالارتماء في أمواج البحر ، ليحصلوا الموني ،ويشتتوه على الفتيات والستاتيات والستاتيين في ملاهي الشيشة والسيغار الكوبي . فيا له من إنجاز! ويا له من كفاح! ويا له من نجاح ! وياله من فن ومتعة ،وحياة آليز !، وسحقا للحساد ، (وجامي كاين لا كريز).وكذاب من يزعم أن هناك أزمة أو مشكلا في التنمية .. هيا اقفزوا فوق الحواجز ، وارتموا في البحر، و(جيبوا العز والصاطات)..تكفي النية والتركيز، يا ولدي العزيز..يابلدي العزيز.. صفرو- الخميس 27 مـاي 2021 .