محمد بوبكري

لقد قام جنرالات الجزائر بمنع مسيرة الحراك الشعبي السلمي ليوم الجمعة الماضي، حيت قامت قوات الأمن الجزائرية بقمع كل محاولات الخروج إلى الشارع في “باب الواد” بالعاصمة الجزائرية وفي غيرها من المدن الجزائرية، حيث كانت هناك اعتقالات واختطافات وتوقيفات… وإذا كانت الجزائر تعيش أزمة سياسية، فإن الجنرالات قد توجهوا لفرض حل أمني لهذه الأزمة.. ويؤكد الخبراء أن الحل الأمني لا يحل الأزمات السياسية، وإنما يزيدها تعقيدا، لأنه يؤدي إلى استفحالها، ما يفيد إمكانية عودة الحراك بشكل طوفاني عارم…
لم يكن النظام الجزائري يتوقع عودة الحراك بعد توقفه بسبب “جائحة كرونا”، لكنه فوجئ بعودته بقوة وزخم كبير لمسيراته التي عمت كل المدن الجزائرية. وما أثار رعب هذا النظام هو التغير الذي عرفته طبيعة شعارات هذا الحراك السلمي المناهضة للمخابرات وللعسكر معا. وهذا ما يدفع إلى الانتباه إلى مكانة العسكر في النظام الجزائري، حيث إنهم قلبه وعصبه؛ فهم يصنعون القرار السياسي، ويفرضون الرؤساء، ويصنعون “البرلمان” وكل ” المؤسسات” الأخرى، ما مكنهم التحكم في كل شيء، واحتكار صنع القرارات التي تهم مختلف مجالات الحياة في البلاد…
ويرى متتبعو الشأن العام الجزائري أن لجوء حكام الجزائر إلى الاختيار الأمني هو علامة على ضعفهم، لا على قوتهم.. كما أن الجنرالات قد أحسوا بخطورة مطالب الحراك عليهم، حيث إن هذه المطالب لا تروم تجديد “المؤسسات”، لكنها تهدف إلى إبعاد العسكر عن الاستئثار بصناعة القرار السياسي، الأمر الذي أثار حفيظة العسكر، لأنهم أدركوا أن الحراك صار يستهدفهم..
لقد مر ستون عاما على تحكم العسكر في البلاد، فأصبح صعبا عليهم التخلي، بين عشية وضحاها، عما يجنونه من أموال خيالية من السلطة، حيث فهموا أن تخليهم عن السلطة يعني نهايتهم…
ولفهم دواعي لجوء العسكر إلى الاختيار الأمني وتسليط القمع على الحراك الشعبي بهدف إيقافه، ينبغي العودة إلى تاريخ الجزائر. فعندما قامت قيادة ” جيش الحدود” بانقلاب على الحكومة المؤقتة الشرعية، فرض “أحمد بن بلة” و”هواري بومدين” نظام الحزب الوحيد، حيث ضمنا في المادة الثامنة لدستورهم لسنة 1963، حق الجيش في ممارسة العمل السياسي، كما عمل الجيش على ترسيخ هذا الحق في دستور 1976. ونظرا لما عرفته الجزائر من هزات سياسية في سنة 1989، تخلى ضباط الجيش عن العضوية في اللجنة المركزية لحزب “جبهة التحرير الجزائرية”، وأكد تطور الأحداث بعد ذلك أنه لم يكن سهلا على العسكر التخلي عن العمل السياسي، حيث قاموا بإيقاف المسار الانتخابي في السنة نفسها. وبعد ذلك، انخرطت الجزائر في “العشرية السوداء”، التي دبرها الجنرالان “خالد نزار” و”توفيق محمد مدين” وأفراد عصابتهما، حيث رسخوا الحل الأمني للدفاع عن سلطة العسكر ومصالحهم… هكذا، يبدو أن لجوء الجنرالات إلى الخيار الأمني هو عودة إلى عقلية هذه “العشرية السوداء” وما عرفته من مؤامرات وتقتيل جماعي للشعب الجزائري في مختلف المناطق.
لقد ساد حكم العسكر في الجزائر في بداية استقلالها في زمن “المشروعية الثورية”، التي طال أمدها إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وبعد ذلك دخلت هذه البلاد في مرحلة “المشروعية الأمنية”. كما أن الجزائر دخلت في عهد “عبد العزيز بوتفليقة” في مرحلة “المشروعية الريعية”، حيث تم توزيع الريع.
اما اليوم، فقد لجا العسكر في الجزائر إلى “مرحلة المشروعية الأمنية”، لأنه لم يعد في إمكانهم العودة إلى “مرحلة المشروعية الريعية”، التي صارت مستحيلة، لأن خزينة الدولة فارغة… وتقتضي منهم “المشروعية الأمنية” اللجوء إلى إستراتيجية هي عبارة عن ردود فعل قديمة لا عقلانية، لأن القرار العقلاني يجلب الربح أكثر من الخسارة. لذلك، فما جناه العسكر من اللجوء إلى قمع الحراك هو إيقافه، لكن هذا الحراك لن يتوقف نهائيا، بل إنه سيظل حيا في وجدان المجتمع وعقله، لأن أسبابه ما تزال قائمة. ومن المستحيل ذاتيا على العسكر استئصالها. لذلك، فإن زوال المسيرات لا يعني زوال أسبابها. ومادام المرض لم يتم استئصاله من جذوره، فإن المسيرات والتظاهرات ستعود حتما…
لقد قام العسكر بتنظيم انتخابات رئاسية، ونظموا استفتاء على الدستور، اعتقادا منهم أن ذلك سيهدئ الأوضاع. لكن أوهامهم لم تتحقق، حيث سرعان ما انتفض الحراك من جديد، وبدا أكثر قوة وانتشارا من ذي قبل.
وتجدر الإشارة إلى أن لـ “الإستراتيجية الأمنية” كلفتها، الأمر الذي لا يفكر فيه العسكر، لأنه لا يمكنهم دوما توظيف رجال الأمن لإيقاف الحراك، بدون تخصيص منح لهم مقابل ذلك. وما دامت الخزينة فارغة، فإن الجنرالات لا يستطيعون القيام بذلك، ما قد يؤدي إلى عدم انضباط رجال الأمن لأوامرهم مستقبلا، كما أن رجال الأمن سيدركون أنه الاعتداء على إخوانهم الجزائريين هو أمر لا أخلاقي، لأن الحراك يدافع عن مطالب الشعب الجزائري الذي تم تفقير جزء كبير منه. وعندما يحصل هذا الوعي لدى رجال الأمن وأفراد الجيش، فإنهما سيصبحان في صفوف الحراك الشعبي السلمي ضد الجنرالات…
ومن مكاسب الحراك الشعبي السلمي أنه حرر الفضاء العمومي، حيث كان هبة حررت الشعب الجزائري نفسيا من ضغوط الحكام وأجهزتهم، فاكتشف الحراكيون أنهم قادرون على التغيير…
إضافة إلى ذلك، فقد تمكن الحراك ورموزه من تطوير خطاب سياسي يضمن وحدته الوطنية، لكنه ما يزال في حاجة إلى بناء أدوات حديثة ديمقراطية تؤطره، وتقوده حتى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة. وعلى العكس من ذلك، ليس للعسكر خطاب سياسي يوحدهم، ما جعلهم يعيشون صراعات بين مختلف أجنحة الجنرالات، التي تأكد أنها تسعى إلى افتراس بعضها البعض…
إذا كان الحراك حيا في نفوس أفراد المجتمع الجزائري، وما دام الجنرالات مستمرين في غيهم، الذي كان سببا في انتفاضة الحراك ضدهم، فإن الحراك سيظل في مواجهتهم، ولن تكلل مجهوداته وتضحياته بالنجاح إلا إذا بنى أداوت تقود ما يطمح إليه من تغيير. لذلك، فإن الحراك سيستمر، ولن تنطفئ جذوته…