بقلم : عصام لكرد

قالوا عن المرأة أنها ناقصة عقل و دين دون فهم المغزى، و قالوا عنها أيضا “ضلع أعوج”، و قالوا أن الله شرع لنا ما لذ و طاب من النساء في الدنيا و في الآخرة و بنص القرآن، و كأن الله خلق المرأة فقط للمتعة الجنسية للرجل، يستعملها أنّى شاء و كيف شاء، و يستبدل غيرها إن لم تعد لغرائزه مشبعة أو لأوامره مطيعة أو لرغباته اليومية ملبية.
ترك الرجال القرآن الكريم كله و ركزوا فقط على قوله تعالى : و إنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع … و نسوا أو تناسوا قوله تعالى في آية أخرى : و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم .. ، و ما زال الرجال يغضون الطرف عن آيات كُثر تكرم المرأة كقوله جل جلاله : و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة ورحمة .. و أمر إلهي آخر يقول فيه عز و جل : و عاشروهن بالمعروف ..  و لا زال تغاضي الرجال أو عفوا الذكور لكلام العقل و المنطق مستمرا و لآيات بينات أُخَر على لسان الله الواحد العدل الذي لا يضام عنده أحد.
و على نهج خالقه، أثنى سيد الخلق محمد صل الله عليه و سلم على المرأة و أمر بتكريمها و حسن معاملتها بل و قال عليه الصلاة و السلام : ” النساء شقائق الرجال” و أوصى عليه الصلاة و السلام في آخر خطبة له قبل وفاته بالنساء حيث قال : ” رفقا بالقوارير”، و غير ذلك من عظيم الأثر النبوي الشريف الذي يوصي بالنساء خيرا.
كل ما ذكرت سابقا يُضرب به عرض الحائط دون مبالات و لا تبصر و لا أي شيء، فالرجل يعتقد أن أمه هي القديسة الطاهرة و أن أخته خط أحمر غير قابل للتجاوز، أما النساء الأخريات غير ذي قربى فهن حِلّ له، يغرر بهاته و يستمتع بقضاء وقت حميمي مع تلك و ينهش لحم و عرض أخرى بدعوى أنه رجل بل و سيد الرجال، ليثبت فحولته التي تؤكد حسب عرف هذا المجتمع المريض أنه رجل خارق، و الأدهى من ذلك، أن الرجل يفتض بكارة أنثى بريئة و يريد الزواج ببكر عذراء، و يحب اللهو مع مطلقة أو أرملة أو سيدة لم يكتب لها الزواج تحت طائلة الإستمتاع بالوقت و كأن هؤلاء النسوة غير صالحات للزواج و التكريم أو دمى جنسية صنعت لرجال دستورهم القضيب و الفرج و الكبت و السادية.
و يستمر مسلسل الحيف ضد الأنثى في كل بقاع العالم بشكل عام و في منطقتنا العربية بشكل خاص، و في بلدنا المغرب بشكل أكثر خصوصية، فرغم المكاسب البسيطة التي حققتها المرأة المغربية سواء قانونيا أو إجتماعيا، لكنها تظل غير كافية و لا تعطي للمرأة حقها و لا تنزلها خير المنازل التي تستحقها بكل تأكيد.
فلا يعقل أن قضية المرأة و مسألة إنصافها تدرج ضمن برامج حزبية عقيمة لأحزاب سياسية فاسدة و ذات مرجعيات مختلفة، فلا زالت تمثيلية المرأة في جميع المؤسسات ضعيفة جدا بالمقارنة مع الرجال، و لا زالت مدونة الأسرة بعينها و التي إعتبرت مكسبا حقوقيا و إنسانيا للمرأة تشوبها شوائب عدة و غير واضحة المعالم، فلا يوجد نص صريح يمنح للمرأة الحق في رفض التعدد دون تحايل من قبل الزوج و بمساعدة القاضي أو ما من شأنه ترك مجال لثغرات القانون حتى ينفذ منها الباطل، و لا يوجد أيضا نص يحمي المرأة في حال تعرضها للعنف من قبل الرجل أو حين يتم تطليقها دون إستفادة محددة بنص القانون سواء بسكن لائق أو تعويض مادي محترم جدا، لأنه من المخزي أن تقضي الزوجة سنين طويلة داخل مؤسسة الأسرة في الكد و العمل و تذوق مرارة ألم الحمل و الإنجاب و السهر على التربية و العناية بالزوج و الأطفال، و حين إستحالة العيش بين الزوجين، تخرج الزوجة خاسرة في معركة قانونية و ذكورية تضرب بجميع حقوقها عرض الحائط و لا يطالها سوى فتات الصوائر.
هذا المد و الجزر و التذبذب في العلاقة بين الرجل و المرأة جعل من أرقام العزوف عن الزواج في تصاعد مخيف، و هذا يعزى لمخاوف النساء من ملاقاة مصير غيرهن و أن يطالهن العنف بكل أشكاله و في بعض الأحيان الطرد من منزل الزوجية دون حماية قانونية و مجتمعية، و حتى إن حصل زواج، فعقده أصبح شبيها بعقود الشركات و بشروط جزائية ملزمة للطرفين.
لم تخلق المرأة لتهان بل لتصان، لم تخلق للتحرش بل خلقت للتعايش، لم تخلق لتضرب بسبب أو من دون سبب من قبل أشباه الرجال في عقر الدار أو في الشوارع، المرأة هي العمود الفقري للمجتمع بل و شريان الحياة كلها، لذا وجب علينا جميعا و كل من موقعه أن يناصر قضية المرأة و يآزرها في جميع المحافل و المنابر و هذا ليس إنتقاصا من قيمة و قدر الرجل و لا تغليبا لها أو تغييبا لدور الرجل و لكن إحقاقا للحق و تحكيما للعقل، فما أكرم النساء إلا كريم و لا أهانهن إلا لئيم، و لا داعي للتلاعب بالدين من أجل تحقيق المآرب الشخصية، فإذا كان القرآن الكريم نبراس قلوبنا و دستور حياتنا فلا يجب أن ننتقي منه ما يخدم مساعينا و غرائزنا و نهجره، و إذا كان رسول الله قدوتنا فيجب أن نحدو حدوه في عظيم أخلاقه و طِيب معاملته و حُسن رجولته و قمة حنانه و عطفه، فقد بُعث عليه أفضل الصلاة و السلام لإتمام مكارم الأخلاق و بُعث رحمة للعالمين، فرجاءً : رفقا بالقوارير ..