أحمد رباص – حرة بريس

هل اقترف الفيلسوف الفرنسي أفعالا تندرج في إطار الاستغلال الجنسي للأطفال خلال فترة مقامه بتونس؟ على أي حال، هذا ما ذكره كاتب المقالات غي سورمان. لمزيد من التفاصيل أجرت مجلة “جون أقريك” مقابلات مع شهود ذلك الوقت.
لماذا اختار الكاتب الفرنسي غي سورمان، 77 سنة، هذه اللحظة لكسر حاجز الصمت؟ في معجمه (طبعة Grasset) الذي نُشر في نهاية فبراير، يتهم ميشال فوكو (1926-1984) بأنه مارس استغلال الأطفال القاصرين جنسيا ويعود بذاكرته إلى الوراء أثناء مدة إقامته بسيدي بو سعيد حيث احتك بالفيلسوف الفرنسي الذي عاش ردحا من الزمن في هذه القرية وهو يدرس الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس منذ عام 1965.
“هذه أشياء حقيرة تماما مع أطفال قصر، أشياء بقبح أخلاقي شديد”، وفق وصف غي سورمان أسر به قبل بضعة أسابيع لقناة فرنسا الخامسة.
قبل إدلائه بالتوضيحات اللازمة، خلال مقابلة خص بها قبل أيام قليلة جريدة “صنداي تايمز” اكتفى بالقول: “كان هناك أطفال تتراوح، أعمارهم بين 8 و 9 و 10 سنوات، يعدون وراءه. وكان يلقي عليهم بالمال ويقول لهم: “موعدنا العاشرة مساء في المكان المعتاد.” تلك إذن تهم تستند إلى ذكريات غي سورمان.
في سيدي بو سعيد، لا يزال الكثيرون يتذكرون الرجل الانطوائي والزاهد الذي انتقل في عام 1966 إلى ساحة سيدي حسين في منزل يطل على خليج تونس. عاشت سيدي بو سعيد في ذلك الوقت توافقاً بين أسلوب الحياة الموروث والمشفّر للأعيان التونسيين وسكان أكثر عالمية.
قرية الولي الصالح، التي لم تسمح بولوجها لغير المسلمين إلا في نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت خلال فترة ما بعد الحرب ملجأ للفنانين والمثقفين. وعادت الذاكرة بأحد السكان المحليين إلى الزمن الذي لم يكن فيه بائع البطاقات البريدية قد حل محل بائع الخضار أمام مقهى الضفاير .
لا يبدو أن شهود هذه الحقبة البوهيمية يحتفظون بنفس ذكريات غي سورمان: “لا أحد يستنكر أفعال الزائرين البارزين الآخرين، مثل أندريه جيد، الذين لم يخفوا ميولهم”، كما علق رواد مقهى الضفاير. وكانت القرية قد تبنت الفيلسوف وصديقه الصحفي جان دانيال، الذي أغرم بهذه الامكنة بغير شرط.
لا يزال لدى البعض حكايات عن سنوات 1966-1968 عندما كان فوكو منكبا على تأليف “الكلمات والأشياء” قبالة البحر الأبيض المتوسط.
يروي أحدهم كيف ضحكت القرية عندما صرخت خادمة فوكو بعد أن قام ابنها بترجمة مقدمة “هكذا تكلم زرادشت” إلى العربية. “مات الله ولم يخبرني أحد”، قالت مستغربة، باحثة لدى الجيران عما يؤكد هذا الخبر، وهي على قناعة بأن “الكتب لا تكذب”.
كان الوقت أيضا وقت تحريك وتعبئة الطلبة في تونس.
في هذا السياق، رد فوكو على الفيلسوف هربرت ماركوز قائلا: “صنعت ماي 68 في مارس 68 في تونس”، ولامه على عدم حضوره طيلة أحداث ماي في باريس. خلال هذه الأشهر المفعمة بالنقاش والعمل، كان يكن إعجابا حقيقيا بالتفاف الشباب التونسي حول الحركة اليسارية “آفاق”، التي أوحى له قمعها بكتاب “المراقبة والمعاقبة” (1975).
هذا الرجل المسمى غي سورمان يتهم فوكو، بعد نصف قرن، بأخذ أطفال صغار إلى مقبرة سيدي بو سعيد ليمارس عليهم شذوذه الجنسي. أعلن عن ذلك مع ان فكرة ممارسة اللواط حول القبور كانت صادمة للقرويين: “كما هو الحال في أي قرية، فأنت لست وحدك أبدا، والمقبرة، وخاصة في مقام ولي صالح، هي مكان مقدس لا يجرؤ أحد على تدنيسه حتى لا يعاكس بركة سيدي الجبالي الولي الصالح”، يرد أحد أبناء سيدي بو سعيد.
منصف بن عباس، الذاكرة الحقيقية للقرية، قال بلهجة قطعية: “لم يكن فوكو يمارس شذوذه على الأطفال، لكنه كان مغرما بالغلمان الفتيان.” كان يلتقي بفتيان تتراوح اعمارهم بين 17 أو 18 سنة لفترة وجيزة في أيكة تحت المنارة المجاورة للمقبرة. وكان سن البلوغ آنذاك محددا في 20 عاما.
هذا الادعاء قريب مما قاله جان دانيال الذي اورد في البورتريه الذي كتبه عن ميشيل فوكو خلال إقامته بسيدي بو سعيد أنه “كان مثليا في تكتم عن العالم. لولا شائعات بلطجية القرية الصغار، لم يكن أحد ليشك في ذلك “.
تلك مكيدة سياسية تم نصبها للفيلسوف الفرنسي الذي كان على أي حال في مرمى نظر السلطات التي أرادت إبعاده عن الجامعة وطرده بسبب دعمه لانتفاضة الطلبة اليساريين.
في ذلك الوقت، لم يكن وزير الداخلية سوى الباجي قايد السبسي (1926-2019) من مواليد سيدي بو سعيد. لم يكن ليتسامح مع أي فضيحة، لكنه كان يعلم أن القرية تنظم نفسها بنفسها. تم إبعاد اثنين من مرتكبي أعمال الاستغلال الجنسي للأطفال بشكل سري للغاية من القرية على الرغم من كونهما من أبناء الأعيان، وفق إفادة أحد أقارب رئيس الجمهورية السابق.
الشهادات حول أسباب رحيل ميشيل فوكو متباينة. كريم بوزويتة، المتخصص في الاتصال السياسي، يشير إلى دانييل ديفير، رفيق الفيلسوف الذي دون أقواله من أجل إنجاز أطروحته، يعتقد أن فوكو يمكن أن يكون قد أرغم على المغادرة بعد الشهادة التي أدلى بها فتى عمره 18 سنة والتي ادعى فيها أنه كان على علاقة جنسية بالفيلسوف مقابل الحصول على رشوة من قبل البوليس السياسي.
من جهته، أكد فتحي التريكي، العميد السابق لكلية صفاقس وتلميذ فوكو، أنه لم يُجبر على مغادرة تونس ولكنه وقع بالفعل مع كلية فانسان، مختتما بان تلك الأقوال والشهادات لا أساس لها من الصحة.