
د. عبد الرحمان غندور
رحيل أخنوش.. مناورة “تجديد جلد الأفعى” في دهاليز السياسة المغربية، حيث تُحاك الخيوط بعناية خلف الستائر الكثيفة للمربع الملكي، منذ ستينات القرن الماضي، وعهد الفديك بقيادة أحمد رضا كديرة، وتأسيس الدولة الأمنية بقيادة أوفقير، حيث تصنع القرارات الأساسية في دهاليزها، وتكون الحكومات وباقي المؤسسات مجرد أدوات للتنفيذ. في هذه الدهاليز، لا يمثل إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس حزب “التجمع الوطني للأحرار” مجرد قرار شخصي أو زهد في السلطة، بل هو فصل جديد من فصول “هندسة الواجهات” التي تتقنها الدولة العميقة كلما اقتربت صلاحية إحدى “الأوراق” من الانتهاء. إن هذا الانسحاب التكتيكي يأتي في لحظة فارقة، يتقاطع فيها الغضب الشعبي العارم من غلاء المعيشة مع حاجة النظام إلى “تجديد الجلد” لضمان استمرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم مصالح الكارتيلات واللوبيات المهيمنة على مفاصل الدولة.وحتى لا يخدعنا أصحاب ” التحليلات المخدومة ” و” المحللون الأكاديميون ” علينا أن نعرف أن أخنوش لعب دور “الدرع” لسنوات، حيث امتص ببرود تقنوقراطي صدمات الاحتجاجات وحملات المقاطعة، ليمرر عبرها قرارات هيكلية عمقت الفوارق الطبقية، بشعار النموذج التنموي الجديد والدولة الاجتماعية، ورسخت سيطرة الرأسمال الريعي على الموارد الوطنية بواسطة الصفقات المخدومة. واليوم، ومع اقتراب استحقاقات 2026، تبدو الدولة العميقة وكأنها بصدد سحب هذه الورقة التي “احترقت” شعبياً، لتعويضها بوجه جديد، أقل إثارة للجدل وأكثر قدرة على تسويق نفس الأوهام تحت مسميات “الإصلاح” و”الدولة الاجتماعية”. إنها عملية “تجميل” بنيوية، تهدف في جوهرها إلى امتصاص الاحتقان دون المساس بجوهر منظومة الفساد والنهب الممنهج، حيث تُستبدل الوجوه لتبقى السياسات قائمة، ويتم تدوير النخب الموالية لضمان بقاء الثروة والقرار في يد حفنة من المقربين من “المخزن”.السيناريوهات التي تُطبخ حالياً في مختبرات القصر وأجهزته لا تخرج عن نطاق “التغيير من أجل الاستمرارية”؛ فإما الدفع بتقنقراطي “نظيف” ظاهرياً لمواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى التي يستفيد منها المربع الضيق للسلطة، أو إعادة هندسة المشهد الحزبي بخلق “قطبية مصطنعة” تعطي الانطباع بوجود بديل ديمقراطي، بينما تظل جميع الخيوط في يد المايسترو نفسه. إن هذه المناورة السياسية تهدف بوضوح إلى قطع الطريق أمام أي تغيير حقيقي قد ينبع من القواعد الشعبية، وتكريس وضع سياسي مشلول تكون فيه الأحزاب مجرد أدوات لتنفيذ أجندات الدولة العميقة، بعيداً عن تطلعات أغلبية الشعب التي تعاني من التهميش والتفقير الممنهج. إن ما نشهده اليوم ليس انتقالاً ديمقراطياً، بل هو تحديث لآليات السيطرة، حيث يتم التضحية بالأشخاص لحماية النظام، وتغيير الأقنعة للاستمرار في قضم مقدرات الوطن تحت غطاء الشرعية الانتخابية المهندسة مسبقاً.




