
د . عبد الرحمان غندور
في أزقة المدن المغربية وشوارعها، وفي صمت القرى المعلقة على أكتاف الجبال، يسود صمت مريب يسبق العاصفة، حيث تتوقف عقارب الزمن وتتحول الوجوه إلى مرايا تعكس مزيجاً من القلق المرعب والأمل الطفولي. يشد المغاربة اليوم على قلوبهم وكأنها آخر قلاع صمودهم، ينسون في لحظة عابرة وخز الغلاء الذي نخر جيوبهم، وسياسة الفساد التي تطوقهم، ويطوون مؤقتاً صفحات الانهيارات الاجتماعية والأخلاقية التي باتت تؤثث يومياتهم، ليذوبوا جميعاً في “كرة منفوخة بالهواء”. هذه الكرة التي تحولت في مخيلتهم من مجرد جلد مدور إلى كبسولة إنقاذ، حملوها كل أحلامهم المؤجلة وصبت فيها الملايين زفرات ضيقها، باحثة عن انتصار على السنغال يمنحهم صكاً مؤقتاً للفرح، ولو كان هذا الفرح عابراً كغمامة صيف، أو مجرد تخدير موضعي ينسيهم أنهم غداً سيستيقظون على نفس المسلسل الرتيب من التهميش والتفقير وتغول الأسعار. إنها حالة من الهروب الجماعي إلى الأمام، حيث تصبح منصة التتويج هي الملاذ الوحيد من واقع يزداد قتامة، وحيث يغدو الفوز بالكأس القاري بمثابة “صك غفران” سياسي واجتماعي، يبرر التغاضي عن جراح الواقع مقابل نشوة عارمة لا تدوم أكثر من ليلة واحدة.لكن خلف هذا الحماس المتفجر، يكمن خوف دفين من تلك الكارثة التي قد تخرق جدار الصمت؛ فخسارة المغرب في هذه المحطة ليست مجرد ضياع للقب رياضي، بل هي سقوط مدوٍّ من ناطحة سحاب، قد يحرم هؤلاء المحبين لوطنهم حتى من ذلك “الفرح العابر” الذي استماتوا في الدفاع عنه. إنها اللحظة التي يخشاها الجميع، حين يستيقظ المغربي ليجد نفسه أمام جبل من الخسارات المضاعفة؛ خسارة كروية تكسر الخاطر، وخسارة أعمق تتعلق بأسئلة “الأولويات” الضائعة. حينها، ستنكشف الغمة عن واقع التبذير الذي صاحب التنظيم، وسيشعر المواطن بثقل ضرائب قروض التجهيزات والمنشآت التي شُيدت بصخب، والتي سؤديها من قوته اليومي، لتتحول في حال الهزيمة إلى نصب تذكارية تذكرهم بضياع البوصلة. ستصبح تلك الكرة المنفوخة التي حملت آمالهم، مجرد عبء جديد يضاف إلى كاهلهم، إذ سيجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة مرارة الواقع دون أدنى مسكنات، ليصطدموا بحقيقة أن الشعوب لا تعيش بالانتصارات الرياضية وحدها حين تكون أساسيات العيش في مهب الريح، وليكتشفوا أن قلب الأولويات قد يورث ندماً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.



