بقلم : عصام لكرد

درست العلوم السياسية في الجامعة و تخصصت فيها و قرأت لجهابدتها و أغرمت بها، لكن العناية الإلهية شاءت أن لا أمارسها لكي لا يطالني إثمها و إثم من سأسوق لهم نفسي سياسيا خارقا.
كنت أمر دائما بشارع محمد الخامس بالرباط و أرى مبنى البرلمان شامخا تعلوه راية الوطن، و كنت حالما طامحا للجلوس بداخله على أحد الكراسي الدافئة الناعمة التي تجعل من صاحبها ذا سلطة و هيبة و تزود رصيده البنكي بدراهم عديدة و جواز سفر لا يشبه جواز سفرنا و إمتيازات أخرى.


كانت جلسات البرلمان المنقولة في التلفاز بالنسبة لي عقابا ما بعده عقاب، خصوصا في سنوات كنا لا نملك فيها قنوات عديدة تغنيك عن مشاهدة جلسات مملة و روتينية لأشخاص نراهم كل ولاية تشريعية، موزعين حسب إنتمائهم الحزبي داخل مكان فسيح، يحاورون بعضهم البعض و يتحدثون لغة قصب خالية من السكر و يسوقون للمشاهد صورة تنم عن حس وطني عالي و دفاع عن مصالح المواطنين الذين وضعوا ثقتهم في رجال و نساء صدقوا الله ما عاهادوه عليه، يطلق عليهم لقب ” ممثلوا الأمة “.
عرف المغرب منذ بداية الستينيات عددا من الدساتير و من أنماط الإقتراع و إختلافا في غرف البرلمان، فدساتير المغرب التي رأت النور حتى الآن تعود  لسنوات (1962 و1970 و1972 و1992 و1996و2011)، أما الإقتراع عرفناه إسميا و باللائحة و سنعرفه في المستقبل القريب بنظام القاسم الإنتخابي المثيل للجدل، و حتى البرلمان عشناه أحادي الغرفة و بعدها بمجلسين.
كل هذا معروف للعيان، لكن ما يشعل فتيل الغضب في صدري و وجداني هو إقتراب موعد الإنتخابات التشريعية و ما يصاحبها من أحداث دراماتيكية عجيبة لن تقرأها حتى في أشهر الروايات، فالطبقة السياسية في المغرب لا هَم لها كعادتها سوى السباق نحو المناصب و المقاعد و المنافع و حرب التزكيات مشتعلة و سوق الإنتقالات (الميركاتو الحزبي) يعرف نشاطا غير مسبوق، و تصير الحملة الإنتخابية و ما قبلها أشبه بسوق موسمي تعرض فيه أروع البرامج الإنتخابية رغم تشابه مضامينها عند المحافظين و اليساريين على السواء، و تعلو الأصوات منادية بالإصلاح و تصدح الحناجر بأقوى الشعارات التي تخاطب عقل و قلب المواطن المسكين و تفعل به فِعل الساحر الذي لا يفلح حيث أتى، و يجوب المرشحون شوارع و أزقة المملكة على أرجلهم لأول و آخر مرة ليتواصلوا بشكل مباشر مع الساكنة، يشربون الشاي داخل منزل صفيحي تارة و يعانقون شيخا كهلا تارة أخرى و يمنون سيدة أنهكها المرض بعلاج من الطراز الأوربي، كل هذا أمام عدسات كاميرات خاصة و عامة، لكن غاية سيدنا يعقوب عليه السلام كانت فقط معرفة مصير إبنه يوسف عليه السلام، أما هؤلاء فغايتهم تحسين أوضاعهم المادية و الإجتماعية و الترقي في مدارج الحياة على أنقاض أحلام المواطنين الراغبين في الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية فقط لا غير.
فكيف يعقل أن يقوم مجموعة من الناس  لديهم فكر إيديولوجي معين بتأسيس حزب سياسي و القيام بعمل تطوعي صِرف، رغبة منهم في تأطير المجتمع و المساهمة في بناء غد أفضل، و يغازلون المواطنين بالولائم الدسمة و الأموال، للتصويت على رمز حزبهم يوم الإقتراع بهدف تحقيق الفوز و الوصول لقبة البرلمان و رئاسة الجماعات الترابية للمملكة، و في المقابل و عند فوزهم، يتقاضون مبالغ و تعويضات خيالية جدا، فإذا كان أجر البرلماني الواحد يقارب 40000 درهم، و عدد مقاعد مجلس النواب 395, فما عليك عزيزي القارئ سوى القيام بعملية أينشتاينية لمعرفة الميزانية التي يستهلكها هؤلاء لمدة خمس سنوات، ناهيك عن الإمتيازات الأخرى و ما خفي كان أعظم.
لكن سهام نقدي لن تطال السياسيين وحدهم بل و حتى المواطنيين .. عليكم أن تعلموا أيها المواطنون أنكم أسياد مصيركم، و أنكم تملكون بطاقة إنتخابية كتب عليها : التصويت حق و واجب وطني .. فلا تتركوا القرار بيد الأغيار و كونوا وطنيين أبرار، و “لا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق و أنتم تعلمون” كما قال الله سبحانه و تعالى .. لا تحولوا بطاقة الإنتخاب إلى بطاقة إئتمانية و تتحول بعدها يومياتكم لجحيم قد يستمر للأبد .. أيها المواطنون، من فضلكم لا للعزوف عن الإنتخابات و توجهوا لصناديق الإقتراع و إصنعوا إرادة الله و القدر و الدستور الذي يحكمنا بأنفسكم و مارسوا حقكم و إقطعوا دابر الفساد من جذوره.