بقلم :أحمد الونزاني

 غداة 2011 و على إثر توسع دائرة الاحتجاجات الشعبية في كل مكان من رقعة هذا الوطن الكبير. سارعت أنظمة عربية إلى تبني المقاربة الأمنية و المواجهة الصفرية مع الشعوب، فيما تبنت أخرى خطاب الإصلاح؛ و المقاربة التشاركية للحفاظ على أركان الدولة من الإنهيار.
كان الإختيار الأخير اختيارا استراتيجيا، نظرا لتقلبات الظرفية السياسية على الساحة الدولية.
و الذي جعل هذه الأنظمة تخضع لإرادة الإصلاح، هو تخلي الغرب بشكل صريح عن هذه الأنظمة كخطوة استراتيجية نحو الشعوب، و حتى لا تتعرض مصالحها في المنطقة العربية للتضرر المباشر في كل بلدان الربيع العربي.
فيما كانت تلك الجرأة في القبول بالإصلاح، خطة عمل لتفادي السقوط أولا، و  ك نوع من سوء نية تبيته هذه الأنظمة العربية لشعوبها فيما بعد.
و هذا ما تبين بعد أن هدأت العاصفة و اتضحت الرؤية.  و بدأت الدولة العميقة و أجهزتها بالتحضير لمشروع الثورة المضادة و الإنقلاب على المكتسبات اللحظية، في كل ربوع الوطن العربي.
كانت البداية بأم الدنيا مصر، حيث تم التحضير لانقلاب عسكري على صورة ثورة شعبية تصحيحية وهمية تقوده المؤسسة العسكرية بتواطؤا من الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب عموما و مباركة النظام العربي المساند بشكل كلي للمؤسسة العسكرية بمصر، و الداعم لها ماديا و معنويا .
و بالتالي كان الإنقلاب على الشرعية الشعبية في مصر بمثابة إعلان بداية للثورة المضادة التي انطلقت بقوة، معلنة عن نفسها و مكشرة على أنيابها مستعملة كل أدوات القتل و القمع الوحشي و مصادرة الحريات، إلى الاستئصال الجماعي مع الشعوب.
و على إثر هذه الخطوة الجريئة، انتشرت بوادر الثورة المضادة، كالنار في الهشيم و خرج دعاتها معلنين على أنفسهم في كل مكان. و بدأت إرهاصات الفوضى السياسية في ليبيا و اليمن و الفوضى الخلاقة في تونس و التقتيل و التشريد و التهجير في سوريا و القتل على الهوية الإسلامية في مصر.
و توالت التراجعات و الانتكاسات و دخل الغرب على الخط لمساندة هذه التراجعات و تبنيها و حتى هندستها  ، في كل من اليمن و تركيا، و كادت تنجح الثورة المضادة في إعادة تركيا إلى مربع التبعية و الهوان من جديد، إلا أن شباب تركيا كانوا أبطال تلك الليلة و اللحظة التاريخية و أفشلوا الإنقلاب العسكري و تم وأد المؤامرة الكبرى على الأمة.
و بدأت تتسع دائرة التراجعات حتى وصلت إلى مداها بالتراجع عن كل مكتسبات الربيع العربي بشكل كبير في كل الوطن العربي.
و كانت إرهاصات الانتخابات البرلمانية في 2016 بالمغرب؛ بداية للتراجع الواضح عن كل الوعود بالإصلاح السياسي المأمول و المعول عليه لانطلاق قطار التنمية المستدامة في المغرب بتدعيم أركان دولة الحق و القانون و دولة الحكامة و ربط المسؤولية بالمحاسبة و إصلاح اقتصادي و اجتماعي شامل.
تبخرت الوعود و العهود و سياسة الإصلاح المتدرج  بالرغم من ان كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية و التنموية تعرف تراجعا مطردا مما يدق ناقوس الخطر ، و الشيء الذي يستدعي استعجال الإصلاح الشامل و على كل المستويات.
إن المقاربة الأمنية المنتهجة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان السياسي و الإجتماعي، و ربما تؤشر إلى قرب الانفجار في أي لحظة. كما أن الإنقلاب على المكتسبات الدستورية و الذهاب نحو إلغاء المقاربة التشاركية و تخليق الحياة السياسية  و إصلاح الإدارة و إبعادها بصفة قطعية من التدخل في العملية السياسية. و الإتجاه نحو المواجهة الصفرية ستكون عواقبه وخيمة على الوضع في البلاد.
إن خيار الحوار الوطني المتزن و المطبوع بالحكمة هو خيار الأحرار، و هو الخيار السليم و الرشيد للخروج من مأزق الظرفية التاريخية، و هو السبيل الوحيد لتفادي الوقوع في منزلقات لا تحمد عقباها.
الحوار و المقاربة التشاركية و الإستماع لنبض الشارع هو الخيار الآمن .