ما بال هذا الشخص يحدق بي بهذه الطريقة. قميصه الأبيض و نظاراته السوداء مثيران للريبة. هل يكون من الاستعلامات العامة؟

ثم لماذا سيراقبني هكذا؟ أنا لا افعل شيئا مريبا يدعو لمراقبتي و تتبع خطواتي. اعتزلت الكتابة السياسية منذ مدة ليست بالقصيرة؟

هل نشرت تدوينه فايسبوكية في الأيام الماضية تم تأويلها بشكل خاطئ؟ أتكون تلك القصيدة التي نشرتها الأسبوع الماضي على إحدى المنصات الالكترونية سببا لكل هذا؟

ثوري أنا منذ صغري أنا الزفزافي احمجيق و لشخم و فكري. القصيدة كتبتها قبل سنتين عندما اندلع حراك جماهيري في الريف ، الأسماء التي ذكرتها لا يحبذ المخزن سماعها او الحديث عنها و بالأحرى تخليدها في قصيدة، وربما يكون هذا هو السبب في ظهور هذا الشخص المريب الذي يرفض نزع نظاراته أو إشاحة وجهه عني. الزفزافي و احمجيق حكمت عليهما القاضي بعشرين سنة سجنا، و صالح لشخم كان نصيبه عشر سنوات و فكري استشهد في حاوية للنفايات. كان حادث استشهاده المأساوي شرارة انطلاق ما أطلق عليه النشطاء و الإعلاميون “حراك الريف “. استمرت المسيرات الاحتجاجية السلمية لما يقارب السنة، طالب المحتجون خلالها بمحاسبة قاتلي “محسن فكري” و تنمية منطقة الريف المغربي، كانت المطالب بسيطة جدا: جامعة تعفي طلبة المنطقة من عناء التنقل إلى مدينة وجدة أو طنجة، و مستشفى للسرطان يخفف على المصابين عناء السفر الى العاصمة لتلقي العلاج، خاصة و أن الريف المغربي يعرف نسبة جد مرتفعة من الإصابات بهذا المرض الفتاك بسبب القصف بالمواد الكيماوية الذي تعرض له من قبل المستعمر الاسباني في عشرينيات القرن الماضي. وكذلك مطلب توفير فرص للشغل لانتشال شباب الريف من شبه البطالة و ثنيهم عن ركوب قوارب الموت بحثا عن الفردوس المفقود في الدول الأوروبية. مطالب بسيطة و معقولة جدا، لكن الدولة لم تستجب لها، و اعتبرت الشباب المحتج خارج عن القانون و باحث عن الفتنة و الخراب للبلاد، فكانت المقاربة الامنية هي الحاضرة. انتهى الحراك بقمع المتظاهرين و اعتقال المئات من الشباب و أبرزهم متزعمو الاحتجاجات الذين ذكرتهم في قصيدتي. هل امسح القصيدة من الموقع الذي نشرتها فيه كي يتركني هذا الشخص و شأني، هو وجهازه الذي أوكل له مهمة مراقبتي. لكن بهذا التصرف سأكون متنازلا عن مبادئي التي تشبثت بها طويلا، سأكون جبانا أتراجع مع أول مطب يواجهني. بسبب حراك الريف انسحبت من هيئة تحرير الموقع الذي كتبت فيه لسنتين، لم استسغ نشر وترويج مغالطات لا أساس لها من الصحة في حق نشطاء الحراك، لهذا قدمت استقالتي دون تردد بعد فشلي في إقناع إدارة الموقع، و بعد رفض نشر إحدى تحقيقاتي حول الاحتجاجات. بسبب الزفزافي و من معه دخلت في مشاحنات يومية مع أصدقائي و زملائي في العمل. كنت أحاول جاهدا نقل الصورة الحقيقية للحراك بدل الإشاعات التي تنشرها المواقع الصفراء. بسبب انتمائي للريف تأثرت علاقتي برئيسي في العمل الذي ينتمي لإحدى الأحزاب السياسية. أتذكر انه صرخ في وجهي قائلا ” مايكونش راسك قاصح بحال الزفزافي” * بسبب تشبثي بحقي في خوض إضراب دعت له نقابة العمال التي انتمي إليها. لم أكن يوما متصلب الرأي كما ادعى رئيسي، و لكنني تربيت على ألا أتخلى عن مبادئي، و ألا اخلف وعدا قطعته على نفسي. أنا اكتب الآن، و الشخص لا زال يغرس عيناه فيَّ من وراء نظارته السوداء. فقط لو ينزعها لتتقابل الأعين و اخبره بلغتها أنني لا أهابه و أنني لم افعل شيئا يستدعي مراقبتي. هل انهض نحوه، و اكلمه. هل اطلب منه الكف عن التحديق بي؟ هل استسلم للصوت الجبان الذي يدق في أذني و امسح تلك القصيدة؟. ثم ما أدراني أنها هي سبب هذه المراقبة، هناك أحداث أخرى قد تكون هي السبب،قد تكون مقالاتي فعلت مفعولها متأخرة، البارحة فقط اهتزت مدينة الحسيمة و أعادت إلى الأذهان زلزال سنة 2004، و بسبب الهزة الأرضية ليوم أمس أعاد الكثير من الأصدقاء نشر مقالي الذي عنونته ب ” رسالة إلى رئيس الحكومة : في قريتي لا يخشون الزلزال”. كان مقالا ثوريا موجها إلى رئيس الحكومة و المخزن يحملهما معا الوضع الكارثي الذي تعيشه منطقتي. ليس هذا كل شيء، فنشاطي على مواقع التواصل الاجتماعي كان كله مقالات و قصائد ثورية، و قصيدة “بلاد البخور” كانت أقواها لهجة و أكثرها انتقادا لسياسة البلاد، و بالأمس فقط نشر ثلاث مغنين مغاربة شباب أغنية فورية بعنوان “عاش الشعب” و حققت نجاحا مبهرا و تفاعلا كبيرا، و اعتقل احد مغنيها، و قد يكون المخزن قد تفطن الى خطورة فن “الراب” الثوري و مدى تأثيره في المجتمع، فقرر مراقبة كل من يحمل قلما ثوريا، لمنني اعتزلت الكتابة الفورية منذ مدة و كل هذا اعتبره من الماضي، فلماذا هذه المراقبة و هذا الشخص الذي يرفض زحزحة نظراته عني. كثيرا ما حذرني الأشخاص القريبون مني، والداي و إخوتي و أفراد عائلتي و بعض الأصدقاء. في كل مرة كنت انشر فيها مقالا او قصيدة تصلني رسائلهم واتصالاتهم، لكنني كنت دائما اخبرهم أنني فقط اعبر عما يختلج صدري، اكتب لارتاح، اعبر عن أفكاري و همومي، و ها هو اليوم ما حذروني منه يقترب من التحقق. الرجل لا زال يراقبني، ينفث دخان سيجارته في الهواء ثم يحدق بي بإمعان مخفيا نظراته الثاقبة خلف نظارته السوداء. اغرس راسي في حاسوبي و اكتب، ارتب أفكاري، أحاول تجميع الأفكار و ترتيبها، صوت في داخلي يحذرني و صوت أخر يحرضني و يطلب مني مواجهة هذا الغريب. انظر إلى الساعة، لازال أمامي نصف ساعة قبل وصول القطار الذي سيقلني نحو مدينة طنجة، هل سيتبعني في القطار أيضا؟ أم انه مكلف بمراقبتي في الرباط فقط و سيتصل بجهازه ليعين شخصا اخر يتكفل بمراقبتي هناك. رفعت بصري نحوه مباشرة، ثم انطلقت في الضحك، اجل أطلقت ضحكة استهزاء من نفسي الجبانة، لعنت جبني الذي ظهر جليا و أنا أرى نادل المقهى يساعد الرجل على الوقوف و يمد له عصاه ثم يرافقه ممسكا بيده إلى الخارج. الرجل لم يكن يراقبني، هو رجل ضرير لم انتبه حين ولج المقهى لانشغالي بالقراءة. الآن اعترف. أنا جبان