أحمد رباص-حرة بريس

في يوم الجمعة 30 مارس 2018، بثت إذاعة فرنسا الدولية برنامجا كان بمثابة حكاية عن قتل الفيلسوف الفرنسي الماركسي الذي هيمن على الفلسفة الأكاديمية خلال الستينيات والسبعينيات لزوجته هيلين ريثمان أثناء إصابته بنوبة جنون يوم 16 نونبر 1980. هذا البرنامج الإذاعي الذي اقترحه فابريس درويل والذي قدمته كلارا سايير بمشاركة زوي غابييه استضاف الفيلسوف كومت-سبومفيل.
في بداية البرنامج الإذاعي، تم التذكير بما كتبه لويس ألتوسر عن هذه الحادثة المأساوية في مذكراته الحاملة لعنوان “المستقبل يدوم طويلا”: “أتذكر سؤالي الذي لا نهاية له: لكن كيف حدث أن قتلت هيلين؟
في هذه المذكرات، كتب ألتوسير يقول:”هذا هو مشهد القتل كما عشته. فجأة أقف وأنا لابس منامتي بجانب سريري في شقتي (الكائنة) بالمدرسة العليا للمعلمين. حل يوم رمادي من نونبر – الأحد السادس عشر، حوالي الساعة التاسعة صباحا – على يسار النافذة الطويلة جدا، التي تم تأطيرها لفترة طويلة بواسطة ستائر ذات لون أحمر إمبراطوري، قديمة للغاية، ممزقة بفعل الزمن وباهتة بسبب أشعة الشمس، ليضيء أسفل سريري. كانت هيلين أمامي، مستلقية على ظهرها، مرتدية هي الأخرى منامة.”

يواصل ألتوسير الوصف، فيذكر أن حوضها كان يقع على حافة السرير، وقد تركت ساقيها ممددين على سجاد الأرضية. أخذ يمسد رقبتها وهو جاث على ركبتيه، متكئ على جسدها.
ضغط بإبهاميه في جوف اللحم الذي يحد الجزء العلوي من القص واستمر يضغط، منتقلا ببطء، بإبهام إلى اليمين وبإبهام إلى اليسار، نحو المنطقة الأكثر صلابة تحت الأذنين. شعر بالتعب الشديد على مستوى عضلات ساعديه: هو يعرف أن التدليك يؤلم دائما ساعديه.
وجه هيلين الآن بلا حراك وهادئ، عيونها المفتوحة تحدق في السقف. وفجأة أصيب بالرعب: عيناها مثبتتان بشكل لا نهاية له خاصة لما رأى أن قطعة صغيرة من لسانها عالقة على نحو مسالم وغير عادي بين أسنانها وشفتيها. بالتأكيد، لقد سبق له أن شاهد ميتا بالفعل، لكنه لم ير قط وجها مخنوقا. ومع ذلك علم أنها مخنوقة. ولكن كيف ؟ عندها وقف وصرخ: خنقت هيلين!
“كايمان” (تمساح استوائي). في المدرسة العليا للمعلمين كان هذا هو اللقب الذي يطلق على المعلم الذي يعد الطلاب لامتحانات التخرج. أصبح لويس ألتوسير واحدا من مهندسي الثورة الفكرية التي حدثت في فرنسا خلال الستينيات، وكان واحدا من رواد البنيوية والتحليل النفسي.
قبل كل شيء، لويس ألتوسر فيلسوف ماركسي، ولا شك في كونه الفيلسوف الماركسي. تحويل الفلسفة إلى سياسة، تحويل السياسة إلى فلسفة، هذان هما هاجسا لويس ألتوسير الذي كان يجب عليه أن يحارب الأمراض العقلية التي جعلته يقيم بانتظام في مؤسسة للأمراض النفسية. لهذا تعايش بداخله جنبا إلى جنب ألتوسير الفيلسوف وألتوسير السياسي وألتوسير الذهاني. كانوا يتصادمون ويندمجون ولو حاول، طوال حياته، توزيعهم في دوائر مغلقة ووقائية ممثلة في المدرسة والحزب والمشفى.
تحطم هذا النظام ذات يوم من عام 1980، عندما خنق زوجته في شقتهما بالمدرسة العليا للمعلمين أثناء مروره بأزمة اكتئاب ذهاني. اختفي لويس ألتوسير من المشهد السياسي الفرنسي وفي نفس الوقت من اليوتوبيا الشيوعية نظرا لفقدانه مصداقيته بسبب القتل ولعزلته الفكرية.
فقط بعد وفاته في عام 1990 وجدت أفكار ألتوسير حياة جديدة. أندريه كومت-سبومفيل الفيلسوف، من قدماء طلبة المدرسة العليا للمعلمين بزنقة (Ulm)، والحائز على دكتوراه السلك الثالث. يعرّف نفسه بأنه مادي على طريقة أبيقور، وعقلاني على طريقة سبينوزا، وإنسانوي على طريقة مونتين. كتب حوالي عشرين كتابا، بما فيها “رسالة في الفضائل الكبرى” (ترجمت إلى 24 لغة) والقاموس الفلسفي الشهير جدا. نشرت له مؤخراالمطابع الجامعية لفرنسا (PUF) كتابا بعنوان « L’Inconsolable et Autres Impromptus »، حيث خصص فصلا منه لأحد أساتذته، لويس ألتوسير.
في هذا الفصل، يشير سبومفيل إلى الأشخاص الذين أثروا فيه أكثر: والدته، ثم معلميه وأساتذته في الثانوية، أو في السوربون مثل مارسيل كونش، ثم يستحضر في استجواب جميل جداً، الانتقال إلى معلم آخر، إلى فلسفة أخرى، إلى مراجع الأخرى . يتساءل: “لماذا توجب على ذكرياتي أن تذهب إلى المعلم الآخر، معلم الليل إذا عسعس ، والفكر إذا أظلم، والحياة إذا جرى التراجع عنها؟” لماذا إذن؟ “لماذا التوجه نحو معلم الألم، القلق واليأس، نحو معلم الفشل والجنون؟ نحو لويس ألتوسير؟”

لويس التوسير مع زوجته