د محمد الشرقاوي واشنطن شرقاوي


أدخلتْ حقبةُ الرئيس السابق دونالد ترمب إلى القاموس السياسي عدّة عبارات ومغالطات وأساليب ملتوية في ليّ عنق الحقيقة، ما جعل كبريات الصحف والقنوات التلفزيونية الأمريكية تتمسك بأهمية دور المدقّقين Fact checkers لحماية الحقيقة من طفيليات التضليل والوقائع البديلة وادعاء التصريحات الترمبية. هي تركةٌ مثيرةٌ للجدل دفعتْ حكومةَ الرئيس الجديد جوزيف بايدن إلى تبنّي فلسفة تصحيحية بإلغاء أكثر من سبعين من القرارات الرئاسية، ومراجعة عدد من السياسات الداخلية أو الخارجية التي اعتمدها ترمب، وتجميد صفقات عسكرية ضخمة كانت تترقّبُها الإمارات والسعودية مثلا.
لكن مناقشة هذه الحركة التصحيحية لتركة ترمب، التي يقبلها أغلب الأمريكيين، تثير سجالات بين الأوساط العربية بين المحيط والخليج، ويعتقد البعض أن ما سطّره ترمب واقعٌ قائم يسير على رجليه، ولا يجوز أن يقربه الشك أو النقد لا من قريب ولا من بعيد. وأصبحت بعض الوجوه في تمجيد ترمب بمثابة “نگّافات سياسية” تحاولن تزيين وعوده بمساحيق برّاقة والرّقص بها على الأكتاف. في المقابل، انتعشت نزعاتُ الشيطنة لمن يدعو لتجاوز التحليل العاطفي بتهم الانتماء إلى “الطابور الخامس” أو فئة “الكفّار” في حقبة عقيدة جديدة أركانها الشهادةُ بأن ترمب “نبيُّ صدقٍ ورسالةٍ”، وأن الإيمان بوعوده جزء من التقية الوطنية الجديدة. فعدونا أمّة تتملص من صراحة التفكير العقلاني، ودخلنا حقبة الردّة وضياع البوصلة والعقل المستقيل.


التقريض وبنية العقل


إذا تأمّلنا الأمسَ البعيد، كان أوجُ العرب خلال الحقبتيْن العباسية والأندلسية عندما كان التقريضُ أحد مقوّمات تقدمهم الفكري والحضاري. ومن تجلياته انتقاد ابن رشد بكتابه “تهافت التهافت” الإمام الغزالي صاحب “تهافت الفلاسفة”، على هدي عقلانية أرسطو. فكان ابن رشد مفكرا عقلانيا وناقدا بامتياز، وفي ضوء أفكاره وكتاباته قامت في أوروبا الحركةُ الرشديةُ The Averoist movement، وهي العبارة التي نحتها توماس الأكويني في القرن الثالث عشر بالمعنى الضيق لعقيدة “وحدة العقل”. وفي عام 1852، عرّف إرنست رينان الرشدية أو l’averroïsme بأنها “الأرسطية الراديكالية أو غير التقليدية.” وعلى هديها تبنت المجتمعات الأوروبية فلسفةَ الأنوار وفكر ديكارت، اللذين مهّدا لازدهار الحداثة والنظرية النقدية وشيوع التقريض critique في الأكاديميا والسياسة والمجال العام، ويختلف عن النقد السلبي criticism الذي يهيمن على جل الفهم العربي للنقد.
واليوم، يبدو أنّنا نفرّط في التقريض، ونبغض النقد البناء، ونحرق كتب ابن رشد من جديد، ونلعن أصوات التفكير العقلاني ودعاة السؤال البارد. فنحتمي بتبريرات الحماسة وفكر الجماعة، وتأجيج المشاعر القومية، بل يسعى البعض لتحريم التقريض والنقد الإيجابي. فأصبح الاجتهاد بما لا يجاري خطَّ التفكير الواحد بمثابة بدعة، وقد يجرّ عليك الخروج عن الخطاب والتحليل “المنشود” شتّى ألقاب الشيطنة والضلال. كتب أحد المعلقين يقول “شخصيا أتمنى أن لا تظهر الأيام أن الشرقاوي على حق، لأن ذلك سيكون صادما لنا نحن كمغاربة. الشرقاوي وإن اختلفنا معه فإنه يبرز لنا الجانب الآخر الذي لا نحب أن نراه، وإن كان فيه جزء كبير من الحقيقة.”


تهم مترنحة بالجملة!


في مقالة سابقة عن التأويل وتعدّد القراءات، اقتبستُ مما كتبه أحد الأصدقاء ثلاث عبارات مقتضبة لعقد مقارنة بين ما أعتبرها مسارات التحليل الرئيسية: مسار التحليل المحايد، ومسار البشرى السياسية، ومسار النذير السياسي. كنت حريصا على أن الاقتباس هو لغاية استعراض اجتهاد تحليلي آخر، وألا أقحم ما قد ينم عن تنقيص من احترام أو تجريح شخصي لصاحبه. في ضوء التواصل بيننا في مناسبات سابقة، كان لديّ انطباع أنه متشبع بالتفكير العقلاني وواعٍ بالنزعة البراغماتية التي تدور بها الأمور السياسية في واشنطن. وخلال آخر حديث بيننا الشهر الماضي، أبديتُ تعاطفي معه لبعض الغبن الذي اشتكى منه، وتوافقنا في الرأي حول طبيعة ما هو مطلوب لبلورة خطاب يمكن أن يكون مؤثرا في واشنطن السياسية.
في حال الاتفاق أو الاختلاف، توقعتُ أنه قد يردّ بمنطق تفاعل الأفكار وضرب الحجة بالحجة، وبقناعة جدلية هيغيلية تمهّد لخلاصات بناءة. وليس من شيمي استصغار ُ أفكار الغير أو التعالي عن حقيقة أن كل الاجتهادات قابلة للمقارنة والأخذ والرد. وأيُّ أكاديمي يؤمن حقيقة بالرزانة الفكرية يدرك أنّ تطور المعرفة يتأتى من تقابل الرؤى بأريحية فكرية منفتحة على مغزى النقد البناء.
لكنه ارتأى مسلكَ الطريق القصير بأسلوب الضرب تحت الحزام وبعبارات إنشائية تستخفّ بظهوري المتواتر على القنوات الدولية ضمن اهتمامي بتحليل الأزمات والصراعات، وهو مجال خبرته أكاديميًا وميدانيا وإعلاميا منذ سنّ الثانية والعشرين في لندن. أنتظر أن يجلس أمامي في الكرسي الآخر في أيّ قناة دولية لمناقشة أي أزمة، ويكشف “عثراتي” أو “ضعفي” أو يفحمني بتحليله “السّديد”.
طاب له أيضا أن يتهكّم على لغتي العربية التي يعتبرها “لغة مزركشة مستحاة من قاموس الجاحظ”. وأطلق صفارة الإنذار إلى القراء من خطر داهِمٍ قائلا: “احذروا من هذا الخطاب المزركش الذي يستعمله البعض.” طيب… أنا أعتزّ بلغتي العربية في الكتابة السياسية والكتابة الأدبية، والتي لا يقدّرها إلا أهلها. وقد أدّعي أن لي ملَكَةً طيعةً في نحت عبارات ومفاهيم مختزلة تجد صداها في كتابات وتعليقات الآخرين.
انساقت العبارات الإنشائية بنبرتها القدحية أيضا إلى حد اتهامي ب”الغرور الأكاديمي”، وأن فحوى مقابلاتي التلفزيونية مجرّد “تهليلات”، وأني من فئة المصابين ب”الإسهال العلمي”، فضلا عن أني “كائن فيسبوكي” حسب تعبيره! وكثرة هذه الإسقاطات العبثية تنمّ عن حالة انفعالية ومزاج غير مستقر لدى صاحبها. وكان من الأجدى أن يقدم نقدا موضوعيا من صلب كتاباتي وخلاصاتي التي يمتعضها، وليس بإطلاق العنان لمخيلته في التجريح الشخصي العاثر. فالنقد الموضوعي يقتضي استعراض مثال أو اثنين أو ثلاثة على “ضحالة” ما أقدمه في المقابلات أو ما أنشره من كتابات، أو ما “تزركش” في مقالاتي حسب اعتقاده. فماذا عساني أن أقول أمام هذا التشنج؟ أليس من عين العقل أن نبحث لتلك الانطباعات، قبل أن نلوّح بها جزافا في الهواء، عما يسندها من براهين على “غرور” هذا المتهم أو ميله لنشر مجرد “تهليلات”.


لا حوار فكريا إلاّ مع أهله!


عندما كتبتُ عن تراجع أداء الجامعة المغربية، تحرّك قلم حسن أوريد بردّ نقدي فيه اتفاق واختلاف. وعندما قدّمت طرحا نقديا لوجود حزب العدالة والتنمية في الحكومة وعلاقتها مع الحكم، تفاعل عبد العالي حامي الدين بتحليل مواز استعرض فيه نقاط الالتقاء والافتراق بأسلوب السجال في صميم الافكار والمقاربات الراقية.
يكون من الأولى ألا نرمي غيرنا بالإسهال العلمي كما فعل صديقي الغاضب، (وبالمناسبة تواتر الكتابات أمر مستحب إذا قدمت اجتهادات متماسكة واستشرافات راجحة). وقد نتناسى إصابتنا بإسهال العداء الشخصي والأحقاد المفتعلة. لا أريد اللوم في هذه المرحلة بقدر ما أحاول أن أجد له بعض الأعذار أو التبريرات لاعتقاده أن من دواعي الروح الوطنية التهجم والشراسة في وجه كل من لا يشارك في جوقة التصفيق للتفكير الواحد والتبشير الواحد.
أيُّ شخص عاقل، ناهيك عمّن يلوّح بتكوين جامعي في فرنسا الأنوار وفرنسا السجالات الرصينة في جامعاتها يدرك الفرق الشاسع بين النقاش بالحجج الملموسة والترويج لوصمات سلبية واهية. ولا يستقيم المنطق عندما يحاول البعض إعادة كتابة سِفر “الروح الوطنية”، أو احتكار المعرفة وإقصاء رؤى نقدية، وينصبون أنفسهم فقهاء الدعوة إلى”الهداية” و”العودة إلى “الصراط المستقيم” لا لسبب عقلاني مقنع، سوى لعدم ترديدي اللحن المطلوب. ذكّرني أسلوب صديقي بتعليقات سابقة حملت نداءات ودودة إما بالانضمام إلى أصوات المحتفين، أو التزام الصمت، وعدم التنبيه إلى احتمال ألاّ يفي دونالد ترمب بوعوده، أو مغبة أن تتحوّل إلى أسئلة تائهة بين ضفتي المحيط الأطلسي بعدما جنى نتنياهو مكاسبه من اتفاقات أبراهام.


الصحراء وإرادة الشعب المغربي


لا ضير أن يقاوم الإنسان العادي التفكير النقدي بحكم أنه قد يتعب ذهنه بتحديات الأسئلة الصعبة. لكنّ الطامة أن يتمّ وأد التفكير النقدي عند بعض النُّصُب القديمة على أيدي حملة الأقلام الصحفية والألقاب الأكاديمية. لا يمكن أن يكون الاختلاف في الرأي ذريعة لمحاولة النيل من السمعة أو character assassination. ويظل تفريخ الشتائم والضرب تحت الحزام من سلوك الضعفاء، وحالة انفعالية، ومسعى إقالة العقل بدافع التقرب زلفى من جهات لا تريد رؤية الجانب الآخر في تعامل ترمب.
ما هكذا تورد الإبل قديما، ولا هكذا يدور النقاش الجاد حديثا. ومن نبّه إلى سمسرة ترمب في الترويج لخطط نتنياهو لم يرتكب “معصية وطنية”، وإنما الخطيئة أن نصبغ المشهد في واشنطن بأصباغ وردية غير حقيقية. الوطنية الحقيقية تقتضي الشفافية وأمانة التحليل وعدم الانتقاء أو التحايل في تحليل التطورات الخارجية بشأن قضية مصيرية حسمها الشعب المغربي بتضحياته منذ عقود، وتؤكدها مغربيةُ الصحراويين ودماء الذين سقطوا دفاعا عن مغربية التاريخ والجغرافيا لأراضي الصحراء، فضلا عن الإجماعُ المغربي في الداخل والخارج.
باختصار، تأكيدُ مغربية الصحراء لا يتأتى بحماسة عرّابي الطرح العاطفي أو التحليل الوردي، وإنما بالتفكير العقلاني، والاستشراف المتنور، واليقظة والاحتراس مبكرا من تقلبات استراتيجيات البيت الأبيض، وصرف الشيكات السياسية في أوانها.