بقلم إدريس الجبروني

“في كثير من الأحيان اعتقدت أن طنجة كانت بالنسبة لي حالة ذهنية،
تسكن دائما في ذلك الجزء من الذاكرة، الذي تستقر فيه بعض الأشباح،
وحيث إن بعض الأشخاص لا نعرف كيف نميز بين ما كان حقيقة وما
كان كذبا.” إ. هـارو طيكغلين

ولد الكاتب والصحفي الإسباني إدوردو هارو طيكغلين بمدريد في 30 من يونيو 1924، وتوفي بها 19 أكتوبر سنة 2005. بدأ العمل الصحفي في سن الخامسة عشرة، كمعلق رياضي في جريدة “إنفورماسيونيس”، التي عمل بها إلى أن أصبح رئيسا لهيئة التحرير، وكاتب مقالاتها الافتتاحية. في سنة 1946 غادر إسبانيا ليقوم بالخدمة العسكرية الإجبارية في مدينة تطوان على عهد الحماية الإسبانية، المدينة التي سيعمل بها مراسلا لوكالة الأخبار الإسبانية “إفي”، ورئيس التحرير في الصحيفة اليومية “أفريكا”، ومدير محطة إذاعة “راديو درسة” بتطوان. و بعد سنوات سيعود إلى المغرب ليشرف على الجريدة اليومية “إسبانيا” التي كانت تصدر بطنجة، و الإذاعة المحلية “راديو طنجة”.
في عهد الحماية الإسبانية، كانت الصحافة الإسبانية التي تصدر بشمال المغرب باللغة الإسبانية ذات طابع إخباري، موجهة للجالية الإسبانية المقيمة بالمغرب، مثل “إل هيرالدو دي لاراشي”، صدرت بالعرائش ما بين 1928-1935، ويومية “أفريكا”، صدرت بتطوان 1945 إلى منتصف الستينات، ويومية “إسبانيا” التي صدرت بطنجة ما بين 1938 إلى 1973، تحت إشراف مانويل دي لا كروث، وابتداء من سنة 1967 أسندت إدارتها لإدوردو هارو طيكغلين. وفيما يخص هذه الصحيفة اليومية، التي كانت تقرأ من قبل القراء المغاربة بشمال المغرب، وكذلك الإسبان الذين كانوا يقطنون بالرباط والدار البيضاء. استمر صدور هذه الصحيفة بعد استقلال المغرب إلى سنة 1973، وبعد صدور قانون المغربة، توقفت عن الصدور. كان يصل عدد نسخ الطبع إلى 60.000 نسخة. وهو ما جعلها تنافس كبريات الصحف الوطنية بإسبانيا، التي كانت تصدر بالعاصمة الإسبانية مدريد وبرشلونة. وكان يشارك في تحرير صفحاتها الثقافية أدباء وكتاب متعاونون، كان لهم تأثير بارز في الحياة الثقافية والفكرية.
نشر إدوردو هارو طيكغلين أكثر من 25.000 مقال، ويعتبر من أهم كتاب في النقد المسرحي. من بين أبحاثه نذكر كتاب “حقوق الإنسان” سنة 1969، و “المجتمع الاستهلاكي” سنة 1973، “المجتمع والإرهاب”، سنة 1974، و “الفاشية: البداية والنشأة”، سنة 1975، و “68 الثورات الخيالية”، سنة 1988، “حرب نيويورك”، سنة 2001. كتب في السيرة الذاتية “الطفل الجمهوري” سنة 1996، و “ابن القرن” 1996، و “الملجأ”، سنة 1999.
“ابن القرن” ((El Hijo del Siglo كتاب يحتوي على 316 صفحة، ينقسم إلى أربعة فصول. المسألة الأولى التي يطرحها هذا الكتاب، متعلقة بهويته أو جنسه الأدبي، هل هو سيرة ذاتية؟ هل هو كتاب مذكرات؟ لكن الكاتب يعفينا من هذه الأحكام، و يقدم لنا الجواب عنها في الصفحة التاسعة من الكتاب: “على كل حال أتفادى كلمة “مذكرات”، و أكثر من ذلك كلمة “ذكريات”، لأنهما تبدوان ساميتان: “الذاكرة تبتكر و تنظم، و تغير، و تُحيّن الماضي. أكتب عما جرى في الماضي، وأكتبه كما أحسه اليوم، وكما يتلاءم مع التكوين الذي لدي اليوم”. وفي الصفحة 12 من الكتاب يقول: “بالنسبة لي كل هذا يدور حول تدوين وقائع أخبار. ليست وقائع أخبار منظمة، و مرتبة، و كأن الزمن عبارة عن يومية أو ساعة حقيقية، و كأن هناك صفحات مختلفة عن كل واقعة أو حدث، بل هي وقائع من صلب الحياة، من الواقع المعيش. إنها طريقة وأسلوب للحكي”.
يستحيل فصل هذا العمل لإدوردو هارو طيكغلين عن مدينة طنجة، مدينة بتعريفها الدقيق فضاء أسطوري حقيقي، يشكل إطارا أيقونيا تجري فيه تجاربه الشخصية. المرحلة الأولى التي عاشها في هذه المدينة تقوم على مجموعة من الإحالات، هي أكثر من طواف في المدينة، حيث يكشف لنا عن الأماكن التي كان يرتادها، وكانت له معرفة دقيقة بها، والأشخاص الذين عاشرهم بالمدينة، وحياته الخاصة، التي أخضعها للتأمل السوسيولوجي. من خلال كتاباته يحقق إمكانية المزج بين الأجناس الأدبية دون أن تحتك ببعضها، والعكس صحيح، إذ أن أشكال التعبير الأدبية المختلفة تنسجم مع بعضها وتصبح كلا لا يتجزأ.
كذلك قام إدوردو هارو طيكغلين في هذا الكتاب برحلة حميمية عبر مسار تاريخ إسبانيا خلال القرن العشرين، تاريخ طبع إسبانيا بأحداث سياسية كبيرة: قيام النظام الجمهوري، والحرب الأهلية، وديكتاتورية فرانكو، والعودة إلى الديمقراطية. ويقدم في هذا الكتاب بعض الحكايات، والوقائع الغريبة التي حدثت له، وهي مفاتيح من أجل فهم أحسن لهذا القرن المضطرب، يتخذ في هذا الكتاب موقفا حادا ضد هذا العالم الذي كان يجب أن يكون أفضل مما هو عليه، ويعبر عن ذلك بصدق الملاحظ النزيه، يدين كل ما يحرم الإنسان من السعادة. كذلك يحكي لنا عن الأحداث التي تركت بصمات في حياته، و في طرحه هذا لا يصطنع تجارب، و إنما يلجأ إلى قصة حياته (تاريخه).
إن الجزء الذي يهمنا أكثر في هذا الكتاب، هو إقامته واستقراره في مدينة طنجة، التي تقاسم فيها تجارب معيشية مع شخصيات لجأت إلى هذه المدينة من جميع الأصناف. إدوردو يحيا من جديد ذلك الزمن، ويستحضر أسماء الشخصيات التي تقاسمت معه مغامرات محاولة تغيير العالم. المرة الأولى التي شاهد فيها مدينة طنجة، كانت عندما عاد من فترة إجازة، عندما كان في خدمة التجنيد العسكري الاجباري، خرج من مدينة إشبيلية إلى مدينة تطوان في طائرة صغيرة من نوع “دوغلاس”، “كنت أقرأ كتابا، ومباشرة شعرت بضربات على زجاج النافذة الصغيرة؛ كانت حبات من البَرَد كبيرة، بعدها رأيت البحر فوق رأسي، وسمعت صراخ وهلع المسافرين الآخرين. فخرج مساعد ربان الطائرة، الذي أخبرنا أن هبوط الطائرة في مطار تطوان ليس ممكنا، وسيتم النزول الاضطراري في مطار طنجة. لكن المطار كان غارقا بالماء، ومدرج المطار لا يظهر، سنحاول النزول في الأرض”. عندما أحطت الطائرة على الأرض، وجدنا في انتظارنا سيارات الاسعاف، والشرطة ورجال المطافئ، الذين أتوا لإطفاء الحريق. “لو كنت شخصية أدبية، لاعتقدت الآن، أن ذلك السقوط من السماء، كان نبوءة، شعورا مسبقا بأن هذه المدينة ستكون من بين مدن قدري.”
بعد تطوان سيرحل إلى باريس، حيث سيعمل كمراسل للجريدة اليومية “إنفورماسيونيس”. وفي العاصمة الفرنسية كان يجالس مجموعة من الأصدقاء الإسبان، الذين كانوا يرتادون مقهى “بروكوب”، وكان من بينهم الكاتب الكطلاني “خوان إسترليش”، الذي كان سفيرا لإسبانيا في منظمة “اليونيسكو”: “وذات يوم تركنا لأنه كان ذاهبا إلى طنجة”.
– يا له من مكان غريب ليعيش فيه الإنسان- قلت له.
لقد ذهب “إسترليش” إلى طنجة ليدير جريدة “إسبانيا”. بعد أعوام غادرت أنا باريس إلى طنجة لأدير تلك اليومية: في ذلك المكان الغريب للعيش”.
في هذا المكان الغريب ليعيش فيه الإنسان، لم يشعر فيه إدوردو هارو طيكغلين بإحباط أو خيبة أمل: “أنا لم أذهب إلى طنجة هاربا من أي شيء، بل إلى عمل محدد، له علاقة بمهنتي، و لكن في طنجة شعرت، بأنه كانت لدي أسباب و مبررات كثيرة للهروب إلى هذه المدينة، و أن أكون واحدا من مواطني أسطورتها”.
كانت طنجة بالنسبة للكاتب مدينة لجوء:” كانت ملجأ سياسيا للكثير من الإسبان خلال الحرب الأهلية الإسبانية من كلا طرفي الصراع. كل واحد منهم كان يحمل العداء للآخر. لا أدري إن كانت لا تزال في الجدران، ما بين مقهى “فوينتيس” و إدارة البريد، علامات ثقوب رصاص الطلقات النارية المتبادلة بين الطرفين المتنازعين، كانا يتحاربان أحيانا بين الرصيفين للشارع الضيق”. كانت ملجأ لليهود الفارين من أوربا الملعونة من طرف النازيين؛ وكذلك بعض العرب المضطهدين، في الجهة الأخرى من إفريقيا، في آسيا من طرف الاستعمارين البريطاني والفرنسي. “ولدي أسباب أخرى لأعتقد أنها كانت كذلك ملجأ للنازيين”.
ينطلق الكاتب من تعبير ذاتي: المدينة عبارة عن مأوى حيث تمت فيها مجموعة من الأحداث البيوغرافية، سنوات من التجارب من خلال عمله الصحفي، حيث تمتع بالحياة السعيدة، لكن هذه الرؤية الحميمية تنسحب على شخصية المدينة، إذ أن كل مدينة، حسب منظري الحياة الحضرية بالمدن، لها لغتها الخاصة بها، و لها هويتها، و تحدثنا بأسلوب مختلف عن المدن الأخرى؛ الكاتب يقيم هذه العلاقة بينه و بين المدينة، و موضوع الحب يعبر عنه من خلال كلمات لها دلالة أكثر من معنى محدد، ليس انطلاقا من رؤية خارجية، بل كتماهي أُنطولوجي يتجاوز الكائن الحضري نفسه، هناك صلة بالذاتية، التي يمكن أن تؤثر في روح الكاتب بالجوهر الذي تتوفر عليه المدينة.
كذلك “كانت منفى اقتصاديا، استقطب الكثير من المهاجرين الإسبان، الذين جاؤوا بحثا عن العمل الذي لم يكن متوفرا في شبه الجزيرة الإيبيرية”. وهناك مناف أخرى، يتحدث عنها في كتابه بشكل واضح، النفي الذاتي، هروب الانسان من نفسه ومن مجتمعه، مثل هروب الكاتب الأمريكي “بول بولس”، وزوجته “جين” منذ سنوات مضت، والأرستقراطية البريطانية “باربارا هيتون” التي أساؤوا معاملتها بلندن، بسبب ميولاتها، أو “مسكينة الطفلة الغنية”، أغنى امرأة في العالم، لم تعرف كيف تبحث عن إنسان، و أن تكون إنسانة، و لربما تلمس إنسان حقيقي، ليس كأولئك العشاق الباردين و المخادعين، الفاقدين لإنسانيتهم.
كانت إحدى المرات التي رأى فيها إدوردو هـ. طيكغلين ” الصيارفة اليهود يطيرون فرحا وإثارة”، هو في ذلك اليوم الذي علموا بأن “باربارا هيتون” وصلت إلى طنجة لشراء منزل للإقامة في المدينة. كانت الدار فاخرة، لكن ليس أكثر إبهارا من المنازل الأخرى في حي القصبة.
كان الرجال هم الحافز الرئيس “لبربارا هيتون”. تشتريهم وتبيعهم، وتستبدلهم بآخرين. كانت تبدو لإدوردو طيكغلين امرأة مثيرة للكراهية.
إن مدينة طنجة أسيرة أسطورتها، أسطورة من نسج تاريخها وجغرافيتها في فترة الحماية الدولية كمركز بين قارتين. وبفضل موقعها الاستراتيجي كانت دائما تشكل قطبا لاستقطاب الأجانب، ومنذ بداية القرن العشرين أصبحت موضوع اهتمام الفنانين التشكيليين والأدباء الأمريكيين والأوربيين.
“الكثير منهم كانوا يأتون إليها في البداية منجذبين بأسباب غير لائقة، وغير مستقيمة”. وبعد مجيئهم واستقرارهم هنا، اكتشفوا أن جاذبية المدينة لها أسباب مشروعة. يقول إدوردو: “ذهبوا إلى هناك حاملين معهم الغرائبية، وإن كان ذلك بأسماء بحار الجنوب: الأوربيون والأدب الذي يحملونه معهم: “واشنطن إربينغ”، أو “مارك توين”، “إدموندو دي أميسيس”، أو “دجونا بارنيس”، أو الكاتبة التي مرت من هنا “باتريسيا هيغسميث”، وروايتها الطنجية.
ويضيف في أسفل الصفحة (48):”كل واحد أتى إلى هذه المدينة حاملا معه خرافته الشخصية، ويضيف لأسطورتها أوهامه التي يحملها معه”. على العموم لا تخيب الآمال. ذلك سر من أسرار تلك المدينة: ” فهي من عادتها تستجيب لما يطلب منها، أو عما يبحث فيها”. طنجة بالنسبة للكاتب هي أكثر من ذلك، ذكراها تحول المكان إلى أسطورة من البداية إلى نهاية الجزء المخصص لها في الكتاب، ويجعل منها جنة. ينطلق الكاتب من واقع بعينه، حياته في مدينة محددة، ويجردها من كل ما ليس له دلالة جمالية في ذاكرته.
وعن طريق الصور التي يحتفظ بها يعيد إحياء الحياة التي عاشها من جديد في هذه المدينة، ويمنحها إطارها الضروري. يقول: “لا أدري كيف هي الآن. لا أريد العودة إليها، مثلما لا أريد العودة إلى مدن أخرى عشت فيها في هذا العالم، خوفا من ألا أجد ذاتي فيها، وأن أستعيد ذكرياتي بشوق، وأن أبحث عن أسطورتي، الخاصة بي. أجدني في تلك الصور…أجد نفسي فيها، أكثريتها ليست سابقة لزماني فقط، بل قبل ولادتي: كأن قدر هذه المدينة المسبق، أن تستقبلني.”، “مدينة استضافت الجميع، لأننا ذهبنا إليها لنعيش فيها في فترة من حياتنا، و احتضنتنا دائما”( 84).
لا يستحضر الكاتب الذكريات، بل يأتي اختيارها نتيجة انتقاء لا إرادي، عفوي، (ما تحفظه الذكريات) (173). ويقول “عندما أكتب “أحلم”، لا أستعمل الكلمة مجازا سهلا: “أحلم” حقيقة عندما أنام، بمكتبة الأعمدة (Librairie des Colonnes)، وقاعة الشاي “مدام بورت” (أحسن شكولاتة إفريقيا) وحان “الجنينة”، وساحتها بشموعها الصغيرة، والطاولة عليها كأس “ويسكي” الكاتب الأمريكي “تينيسي ويليامس”، والماء المعدني “لإميليو سوطو”.
النتيجة هي أن ما كان محبوبا، له فعالية أكبر في الذكريات. “أنوثة طنجة هي ما كنت أنتظر أن أعثر عليه، والآخرون كانوا يبحثون عن سلوكيات أخرى، عن علاقات جنسية أخرى، وعن أحلام أخرى، وسافروا من بعيد ليجيدوها هنا، ويبدو أنهم وجدوا مرادهم. وأعتقد أن هذه الاستجابة للمدينة، هي جزء من أسطورتها؛ والقوة الغريبة، والمخدر الدائم، الذي تحيا به المدينة في الذاكرة.”
“كيف هي طنجة الآن؟…لا أعتقد أنني سأعود إليها أبدا. أنظر أحيانا إلى الصور: صور معرض: في الزوايا والأبواب والأزقة، والأشجار، وأتنفس معها، مرة أخرى ومن خلالها هواء طنجة، الذي يتحول مرات عديدة إلى ريح قوية قاسية، الشرقي الشهير الذي يقال عنه يسمو ببعض الناس، ويمنحهم أفكارا أخرى تهدئهم. ومع الريح الشرقية يضطرب نفسيا بعض الأشخاص ويخرجون إلى الشارع، وفي أيديهم سكين كبير، ويقتلون من يعترض طريقهم”.
حسب بعض الحكايات، كان يحدث هذا في طنجة في أزمنة قديمة، جزء من خرافتها، أمسيات طنجة حيث تتجمع الأوراق والأعشاب والنفايات، وترفع التنانير والجلاليب.
إن الأمكنة والفضاءات والأشخاص هي رموز تمثل المدينة كلها، وكل ما تسمح به المدينة أن يبقى في الذاكرة: يذكر شخصيات كثيرة عاشت بالمدينة: مدام “كايرجيلن”، مظلية شاركت في المقاومة الفرنسية ضد النازية، بطلة الجنرال “ديغول”، كانت تعمل في رئاسة الحكومة. “كانت تأتي إلى طنجة لتقضي إجازتها، تجلس في حانة فندق المنزه. و الأميرة “باسيلي” ابنة عم “البابا باسيلي” بيو الثاني عشر، كانت تخفي الصليب الكبير في فتحة عنق قميصها عندما كانت تعقر الخمر في الحانات الليلية. و “مارطا روسبولي” التي كانت تنحدر مباشرة من “لافاييط”. كذلك كان هنا “إدموندو دي أميسيس” الذي تنسب إليه مقولة: إذا ذهب أحد إلى المغرب عليه أن يمر طولا، و أن لا يقف بطنجة لأن الخطيئة تسكنها.
“أنخيل باسكيث” هو الشخصية التي يخصص لها المؤلف صفحات عديدة، ” الإنسان الكامل والمناسب للعمل في هيئة تحرير الجريدة، كان يتقن اللغة الإنجليزية والفرنسية، وكانت له ثقافة واسعة مدهشة…ولغته القشتالية (الإسبانية) كانت جميلة. عاش حياة المدينة بعمق. مشكلته في هيئة تحرير جريدة “إسبانيا”، هو أنه يمكن أن يختفي بسرعة: “كان يرغب في الاختفاء دائما، كنا نبحث عنه…كنا نجره ليعمل معنا في الجريدة”. وذات يوم اختفى “أنخيل باسكيث”، كان في الدار البيضاء. يعمل في إدارة ما. وصلنا الخبر بفوزه بجائزة “بلانيطا”. أكثر من خبر الجائزة، وهو خبر في حد ذاته مدهش، “اندهشت أنه استطاع أن يتم كتابة رواية، أن يصححها ويهيئها، ويقدمها لنيل أرفع جائزة أدبية في إسبانيا: فيما بعد علمت لولا “إميليو سوطو” ما كان يفعل ذلك أبدا”. بدأت تنهال على الجريدة المكالمات الهاتفية من مدريد وبرشلونة، الكل يبحث عن صاحب الرواية الفائزة “يشعل ينطفئ نور”. تم إخبار مراسل جريدة “إسبانيا” بالدار البيضاء، الذي بحث عنه و وجده في حديقة عمومية يلتهم سندويشا تحت سيل من المطر. عندما ذهب إلى برشلونة ليستلم الجائزة، وقيمتها المادية، رافقته سحابة من الأصدقاء المدين لهم، أخذوا من يده الشيك. صرفوه وقسموا القدر المالي فيما بينهم. “ولم يحصل هو على أي شيء”.
إن سبب الكآبة والمرارة التي يشعر بها إدوردو، تعود إلى رؤيته للعالم الحالي، الذي يحيط به، عالم ضائع اليوم، ولكنه حي في ذاكرته، وهذه الجنة ليست عالما متخيلا، بل واقعا حيا في ذاكرته: طنجة بنمط العيش فيها تشبه الجنة، برواسب الأجيال السابقة التي لجأت إليها…أحيانا كان الكاتب يحلم بأنه عاد إلى مدام “بورت”، وأحيانا أخرى يحلم أنه عاد إلى طنجة، ولم يجد قاعة الشاي “بورت” في مكانها المعتاد. ويحلم باختفاءات، وجزيئات لأشياء صغيرة مبعثرة، لا تشكل أي شيء”. ينتج عن هذا أن الكاتب عندما ينقل الواقع إلى المستوى الأسطوري، فإن عناصر الحكي تصبح إحالات، ويضفي على النص كله قيمة المعاني المتعددة لكلمات جديدة تماما.
إذا ركزنا على النص فقط، سيبقى كل شيء مختزلا في مدح مدينة يستحضرها الكاتب بنوستالجيا، و ما يحول النص إلى إبداع أسطوري، هو الدلالة التي برزت عند استحضاره التجارب الشخصية، التي عزلت عن مجموع ما نسميه الحياة، وبما أن تلك التجارب الشخصية انفصلت عن المجموع، فهي تقدم لنا رؤية جزئية عن الواقع، لكنها أكثر حدة، ذلك لأن التفاصيل التي يقدمها الكاتب تبرز استقلالها خارج المجموعة التي تنتمي إليها. الحياة كلها تختزل في مجموعة من الطرائف، عندما يتذكرها من جديد يبدع واقعا جديدا بعناصر تاريخية، ليست لها علاقة برابطها الداخلي الذي تولدت عنه.
وبالضبط فإن التاريخانية التي نعمل على كشفها هي التي يستند عليها الواقع الأسطوري، تصلح لكل مناسبة وظرف. أي إنسان قادر على الإحساس بمرور الزمن والحب، والرموز التي تمثل المدينة والتي تحمل عدة معاني لعالم فردوسي، عاش فيه الكاتب، والمدينة ما زالت مستمرة وموجودة إلى الآن.
إذن كل تجارب الماضي المتراكمة، من الحنين والشوق نحو ماض عاشه الكاتب، يحول المدينة إلى جنة ويمنحها حياة جديدة، ينقذها بالتذكر، الذي هو شهادة على جمالها الفريد. إن الكاتب يؤرخ لمدينة عاش فيها خلال فترة من حياته، و تعلق قلبه بها؛ و عند اختياره للذكريات يصبح أسيرا لذاكرته: الشوارع، البوليفار، مدام بورت، جنينة، مكتبة الأعمدة…حانة “التوقبة في الحيط”…(El agujero en la pared) المدينة وجدت من قبل، وسيستمر وجودها، و الزمن هو الذي يحدد علامات هذا الوجود الثابت و القار. وهنا نكون أمام طرحين: ثنائية عالم يقدم من خلاله رؤية عن مدينة ملموسة، أي طنجة، محولة إلى كائن أسطوري، جنة الأرض ليست عالما يخلق من الأوهام، بل يوجد في الواقع، ويمكن لمسه بالحواس. والإنسان في سيره البطيء يتوقف عند كل محطة من حياته، ويجد نفسه في الذكريات. مستويان يفصلهما التاريخ: مرحلة حياته بالمدينة، وحياة المدينة التي انفصل عنها. وبين المسارين، العيش في المدينة، ومغادرتها نهائيا، هناك مرحلة تحول تاريخي، حالت دون أن يصل الكمال إلى كمال تام، يجد الكاتب نفسه هنا أمام ما كانت عليه المدينة، وما يجب أن تكون عليه، وهكذا يبدع عالما خاصا به.
إن إدوردو يجد في الأسطورة واقع مدينة ملموسة، وجميلة جدا عاشها في مرحلة محددة، يرغب في العودة إليها، لكنه يخاف أن يجدها متغيرة: “لن أعود إلى طنجة. (البعض يعود) البعض الآخر لا يعود إلى المكان الذي خرج منه ضدا على إرادته”.
فهو يريد أن يرى المدينة كما كانت بالنسبة إليه من قبل، وليس كما هي الآن في الواقع، لذلك يحولها إلى أسطورة جديرة بالتحول…يتذكر المدينة كما كانت وكما هي في ذاكرته، والتذكر هو مفهوم المفتاح الذي من خلاله لا يمكن أن نحقق ما نطلق عليه المعجزة.
عرفت طنجة ازدهارا وبهاء في عقدي الأربعينات والخمسينات، مرحلة النظام الدولي … لن تستعيده أبدا.

*مداخلة قدمها إدريس الجبروني باللغة الإسبانية في الندوة العالمية “أصوات طنجة”.