مصطفى الزِّيــن

كلما سمعت “طوطو” تبادر إلى ذاكرتي ذلك القرد المسكين الذي كان حبيس قفصه بأحد أركان القصبة التاريخية بمدينة الشاون أواسطَ سبعينيات القرن الماضي؛ كنا ، ونحن تلامذة يافعين بالإعدادي، ندفع عشرين سنتيما حتى ندخل ذلك الفضاء الساحر، فنتجه رأسا إلى حيث طوطو قراندي، أو قراندي طوطو، فنتملى طلعته البهية، ونناوشه ،أو نرمي إليه ببعض حبات الفول السوداني( الكاوكاو)..
وكم كانت دهشتي ،في أواسط التسعينات، عندما علمت أن سكان منطقة تلاسمطان، حيث يوجد ذلك المنتجع الطبيعي السياحي الرائع ، أيضا بضواحي الشاون، أعلى باب تازة، يتفادون الحديث حول قردة المكاو التي نراها تتقافز- و” تنقز وتحنقز “كبعض برلمانيينا- هناك بين الأشجار على جانب الطريق، وافترضت أن سبب تجاهل أولائك السكان الالتفات إلى تلك القردة وتحاشي الحديث عنها، هو افتضاحها وفضائحيتها وقلة أو انعدام حيائها..
كالطوطو تماما..
وكنت أومن بالمثل الشعبي السوري الذي يقول : “أكثر من القرد ربنا ما مسخ” عندما يلاحظون تقردن بعض البشر وانمساخهم حتى لا مزيد. لكني رأيت ما يزيد على القرد ،والخنزير، انمساخا وعلى قراندي طوطو قصبة شفشاون، فنانا ووزيره، أو وزيرا وفنانه، بل فنانينه وفناناته وإعلامه وقنواته الروتينية اليومية.. وليس لنا، بعد هذا، أن نعجب إذا رأينا قراندي طوطو المسيخ ، ينتقل من فضاءات الإعلام والثقافة السعيدية السعدانية( والسعدان ، أيضا ،جنس من القردة، أو من القرندي طوطو) ومن هرج ومرج مهرجاناتها، والسوشل مديا.. إلى مؤسسات وزارة التعليم الأولي والتربية والتعليم والرياضة والشباب ومشتقاتها الموسوية( وعندي أن ذلك لمْعَلّْم الذي فتح محلا لإعداد وبيع السفنج والحرشة والملاوي وغيرها من هذه المخبوزات والفطائر، فاختصر تسمية المحل ب “السفنج ومشتقاته” ؛ هو عندي أبلغ من هؤلاء الذين يسمون وزارات ومجالس ودولا تسميات طويلة ركيكة ،كتلك التسمية الممتدة لليبيا القدافي).
نعم، لا عجب إذا رأينا قرندي طوطو أستاذا مدرسا في مدرستنا العمومية ممسوخا مصبوغا موشوما مبرمجا مبهرجا، له رأس وشعر ووجه مادونا، ولسان وخطاب من سماه أبواه (طه) تيمنا بحرفي الآية القرآنية الكريمة ..فمسخ الإسم الكريم إلى طوطو بعدما تقردن وتفنن في السفالة والتفاهة والبلاهة /”تبهلا وسريق الفلوس”..
فلم أعجب ، ولم أندهش لما فتحت فديو بعثه إليَّ أحد الأصدقاء، على الخاص، تحت عنوان : “أساتذة آخر زمن” ؛ يظهر فيه أحد هؤلاء المدرسين الجدد المسخ ، بإهابه وهندامه، بشعره وعجره وبجره، يشرع قميصه عن صدره وثديه، ليس عاطلا ، وإنما يضع في أصابعه ويده جواليق ومعاليق كتلك التي كان يضعها هدَّاوة أيام زمان ، تبدو على وجه عروق متشعبه ، ظننتها وشوما ،لكن ابنتي الصغرى ، التي التحقت حديثا بالمدرسة العليا للأساتذة طالبة ، أخبرتني أن ما تلك إلا انعكاس تحدثه عملية من عمليات سمارتفون ،تسمى الفلتر Filre.
يخبرنا ، مزهوا بانتصاره الحاسم ، كيف أنه عندما كان داخلا [هذا الصباح] إلى “مؤسسته” التعليمية ،استوقفه المدير وسأله ما هذه الحلاقة (الحسانة ، التي هي من الحُسن والحَسن والتحسين) التي فعلتها برأسك؟ فأجابه أستاذنا المتطوط : وما بها؟ فقال المدير: يحتمل(يقدر) أن يتأثر بك التلاميذ..، فأفحمه الطوطو قرندي بأن التلاميذ سيتأثرون بما في رأسه وليس بشكله ومظهره ..التلاميذ يأتون ليسمعوا ،وهو سيقدم إليهم “ثقافته” ودوروسه، وسيحببهم في مادته التي ما هي إلا اللغة الفرنسية ،وهم من شأنهم ألا ينظروا إليه إن كان طويلا أو جميلا..، وإنما إلى ما يحمله في رأسه، وما يسمعون ويتلقون منه..لأن المظاهر خداعة ، قالها أيضا بالفرنسية ( L’apparence trompeuse)،وختم حاسما الأمر : “سالينا”
لا (ما سليناش ) سي طوطو ؛لم ننته بعد إلى هذ المنحدر . مدرس آخر صرعة هذا ، أو آخر زمن، يعرف -ربما – أنه سيقدم أو يدرس “ثقافة” – وهو لا شك ، يحمل مفهوما سطحيا بئيسا للثقافة- وليس مجرد معطيات أو معلومات ومضامين، كما لو كان التلاميذ الأطفال أو اليافعون المراهقون سيتلقونها عن راديو، وليس عن أستاذ مدرس، معلم -يا حسرة على المعلم والتعليم- يفترض أنه قدوة ومثال ، ليس فقط في ما يحمله في قلبه ووجدانه من ثقافة ومعرفة، وإنما في كل حركاته وسكناته، وفي كل سلوكه، وفي شخصيته، و شخصه الذي يعتقد أنه محايد، أو يمكن تحييده ؛ كما يفترض أن يكون الأب ، أو الأم، أو الخال أو الخالة، والعم أو العمة..مثالا للنشأ، وكذا النجم الفنان ،أو السياسي أو الإعلامي الذي يمر، أو يمرر، عبر مؤسسات الدولة والمجتمع، وفي طليعتها المدرسة العمومية مؤسسةً، وليس مرتعا للهو والزهو و”الطوطولوجيا”-(هذه المرة ،من الطوطو ، وليس مصطلحا يعني تحصيل الحاصل). وأنت ، أيها الأستاذ المدرس ،إنما تربي على قيم، نعم، في مقدمتها قيم الصدق والاحترام والجد والعمل ، والسلام والمحبة ، ومنها حب الأوطان والإنسان ،والإنسانية التي لا تكون إلا بالتطلع إلى العلم المعرفة، والسلام . وتعتقد ، يا سيد طوطو، أن مظهرك: جسَدك و هندامك، ورأسك وقَصَّة وتلوين شعرك..، كلها جوانب من حريتك الشخصية.…ولا تعرف أن حريتك الشخصية تلك تنتهي عند باب المؤسسة التربوية التعليمية ،ليبدأ نظامها وقانونها الخاص ككل المؤسسات، فمثلما أن الحرية الشخصية تنتهي عندما تتجند في الجيش فتلتزم بزي ونظام وهندام وضوابط؛فكذلك الأمر عندما تتجند في مؤسسة للتربية والتعليم ، فتلتزم وتخضع لقانون وتشريع ونظام وضوابط، منها هندام الأستاذ المعلم الذي يجب أن يكون، في عمومه ، كلاسيا مكرسا،كما هو شأن كل الموظفين في الإدراة العمومية والخصوصية ، كالوكالات البنكية أو إدارات الأمن والمطارات وغيرها . ومثلما يفترض، ويفرض، على التلاميذ هندام ومظهر ليس هو الهندام الذي يذهبون به إلى الشاطئ أو الحمام أو الملهى أو للقنص أو للصيد، فكذلك يفترض الهندام المناسب المتعارف عليه – من المعروف لا المنكر – على الأستاذ المعلِّم الذي كاد أن يكون رسولا،لا غسولا، يا سيد غسول! بل حتى نُدْل المقاهي والمطاعم والفنادق، وسواقو سيارات الأجرة يفترض فيهم الالتزام بالمظهر والهندام المحترم المناسب لتلك المهام والوظائف، ثم لهم حرياتهم الشخصية متى انتهوا من أعمالهم وانصرفوا إلى حيواتهم الشخصية؛ بل إنهم يكونون، ونكون جميعا، ملزمين بأن يحترموا آباءهم وأمهاتهم.. وحمواتهم، فيبدون في حضرتهم بمظهر مناسب..
استشرت سيد جوجل حول صور رجال التربية والتعليم في البلدن المحترمة المتقدمة كاليابان أو ألمانيا أو البلدان السكندنافية ، فعرض علي صورهم وفديوهاتهم وهم يقدمون دروسهم مع تلاميذهم،وكلهم في مظاهر وهندمات محترمة، جلهم بربطات عنق وقمصان كلاسية مكوية ..ليس بينهم الطوطو،ولا بين تلاميذهم ؛ لأنهم في مؤسسات لها أنظمتها وضوابطها وأعرافها وتقاليدها، وكلها تربي على قيم الحرية والديموقراطية والحداثة والعقل والعقلانية وملكة الحجاج ..لا على التحلل والانحلال..و(الطوطولوجيا القراندية المتقردنة)، ولم استطلع السيد جوجل حول المدرسين بفرنسا؛ لأني أدرك أن فرنسا لم تعد مثالا يحتذى ، أويقتدى به ، وأن الفرنسية ، بعدما أعياها أن تنافس علميا وتقنيا وفكريا، لم تعد، اليوم، على العموم، إلا وسيلة لمثل “هذ الحيالات” والسفاسف، وصرعات التفاهة و”الطوطلة”
.
فابحث لك عن (البوز) خارج المدرسة، أيها المدرس الذي يفترض أن يكون ،فعلا، موظفا متعاقدا، له حريته الشخصية -النسبية دوما وأبدا- ولكن خارج حدود وظيفته وأسوار مؤسسته. لا شك أنك موهوب ، وستجد مؤسسات وفضاءات وقنوات التفاهة والبذاءة والابتذال ..حيث يمكنك أن تصرف “مواهبك” وتغدو سريعا نجما، أو بالونا ملونا منفوخا منفوجا بالريح والروائح غير الزكية قطعا. صفرو-الأحد 23 أكتوبر 2022.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube