بقلم مريم زكرياء

تقديم:

في القرن الثامن عشر أو ما يعرف بعصر التنوير ظهرت أفكار جديدة جريئة وأفكار جذرية إن لم نقل ثورية حول الكون والإنسان والمجتمع والدولة؛ حيث تتجذر أعمق فأعمق في الفكر الاجتماعي الأوروبي عامة والفكر الفرنسي خاصة، وقد اتسم منتصف ذلك القرن بفوران فكري دافق اتخذ شكل نظريات فلسفية واقتصادية وسياسية واجتماعية تهدف إلى اخضاع الحاضر لنقد مطلق وإلى رسم دروب التطور والتقدم في المستقبل فيما يشبه الممهدات الإيديولوجية لانفجار الحدث العظيم؛ ألا وهو الثورة الفرنسية التي دعا من خلالها كل من ديدرو وروسو إلى المساواة والحرية ؛ فكانت مجمل الانتاجات التي قام بها الأنواريون تنادي جميعها بالحرية كهدف أسمى. وقد شكلت فلسفة الأنوار لحظة مفصلية في تاريخ التطور الفكري للإنسان، حيث جعلت الإنسان مركزا للعالم ونظرت إلى العقل كأداة أساسية لفهم الكون والطبيعة؛ لذلك كان شعار كانط في مقالته “ما التنوير؟” نابعا من ثورة فكرية ومعرفية من خلال اتخاد قرار الجرأة على استعمال العقل دون قيود خارجية …. إذن ما هو تصور كانط لمفهومي القصور والرشد؟ وكيف يميز بينهما ؟ ما معنى الاستعمال العمومي والاستعمال الخصوصي للعقل ؟ وما الفرق بينهما؟ وكيف يمكن أن نجعل من الحرية والاستقلالية سمتين مميزتين للإنسانية في ظل شعار ” ما الأنوار”؟
معنى القصور و الرشد:
إذا نظرنا في معنى القصور سنجده تلك الحالة التي تصيب المرء حيثما لا يجرؤ على استعمال عقله؛ ولا يستطيع أن يوجه تفكيره الخاص ، إنه يقصد به العجز، أي عجز المرء عن استعمال عقله ؛ والذي يفسره البعض في الثقافة العربية بالاستبداد كأساس للقصور أو ربما الوصاية التي تهيمن على كل المجالات حتى الفكرية منها ؛ وفي المقابل يؤكد كانط على أهمية التحول من هذه الحالة وهي القصور والتي هي حالة العجز الذاتي ، إلى حالة أخرى وهي اللحظة التي سيتجرأ فيها المرء عن استعمال عقله وهي حالة الرشد المعرفي ، أي إلى حالة الاستقلال الذاتي ؛ يقول كانط في مقالته:
إ”ن خروج الإنسان من قصوره هو المسؤول عنه ؛ القصور ، أي عدم القدرة على استخدام ملكة الفهم (القدرة على التفكير) دون توجيه من الآخرين ؛ القصور الذي يكون هو نفسه مسؤولاً عنه (خطأ) لأن السبب لا يكمن في عدم الفهم ولكن في الافتقار إلى الشجاعة لاستخدامه دون توجيه من الآخرين”.
وكما قال كانط “تجرأ على التفكير، امتلك الشجاعة لاستخدام حسك الخاص ، وهذا هو مفهوم الأنوار.
ومعناه ” إن بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه” ، هذا يعني أن الإنسان مسؤول عن عجزه وقصوره، وبذلك فهو يتحمل كامل مسؤوليته في عدم بلوغه حالة الرشد وهي المرحلة التي يكون فيها الإنسان قادرا على التفكير بحرية دون وصاية ودون إرشاد الغير.
إن معنى حالة القصور عند كانط تكمن في عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير ، وهذا يعني أن المرء هو نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه ؛ وهذا لا يرجعه إلى نقص في العقل وفي ملكة التفكير ؛ بل إن السبب الأساسي يرجع بالأساس إلى نقصه في كونه لا يمتلك الحزم والشجاعة في استعماله دون قيادة الآخر، وفي ذلك يقول كانط في نفس المقالة ” تجرأ على أن تعرف ؛ كن جريئا في استعمال عقلك أنت ” ذاك كان هو شعار الأنوار.
إن معنى الجرأة في استعمال العقل هي أن يتحرر المرء من القصور ، وهذا القصور لا يتم تجاوزه إلا من خلال وعي الإنسان بأهمية الاعتماد على فهمه الخاص وإعماله دون توجيه من الآخر ؛ ويكون هذا الاستعمال العلني لتفكيره هو الخاص به ركيزة أساسية في جعله قادرا على اتخاذ قراراته بنفسه بشكل محكم ومثبت دون الاستناد إلى أية وصاية خارجية ؛ وبذلك يكون الإنسان يحسن استعمال فهمه الخاص، إلى جانب ذلك فمن مميزات إعمال الإنسان لتفكيره الخاص هو قدرته على الشجاعة في اتخاذ وتقرير مصيره بنفسه ؛ فالشجاعة تكون من الأمور التي تساعده على التجرأ في الخروج والتحرر من الوصاية التي فرضت عليه من طرف سلطة خارجية ؛ وهي بمثابة حاجز بل عائق يحول دون تفكيره، ودون بلوغ الأنوار.

ويشدد بذلك كانط على كون أن الإنسان عندما يعجز عن استعمال ملكة الفهم الخاصة به فإنه يتحمل بذلك مسؤولية هذا القصور ، وحيث أن السبب لا يكمن في عيب في الفهم ؛ بل في نقص الإرادة والجرأة وهذا يجعل الفرد غير قادر على استعمال ملكة فهمه الخاصة ؛ إلى جانب ذلك فإن ما يجعل المرء قاصرا هو الخمول والجبن ، وحتى إن كانت الطبيعة قد حررت الإنسان من كل إرشاد وتوجيه خارجي.
يعتبر كانط في بحثه وجوابه عن هذا السؤال ” ما الأنوار؟” أن السبب الأساسي الذي يجعل الإنسان عاجزا عن استعمال عقله هو الكسل والجبن ، بل هما السببان في أن عددا كبيرا جدا من الناس يفضلون البقاء قاصرين وعاجزين طوال حياتهم ، بعد أن حررتهم الطبيعة من كل إكراه أو توجه خارجي كما تمت الإشارة سابقا ، وهذا يجعلهما السببين المسؤولين عن هذا العجز والقصور ؛ فإنه من السهل على آخرين أن ينصّبوا أنفسهم أوصياء عليهم ، فالتحرر من القيود بواسطة الطبيعة يجعل المرء قادرا على أن يتحرر من وصاية الغير.
إن معنى الخروج من حالة العجز الذاتي ومن الوصاية هو القدرة على ترك الحرية للجميع في استعماله لعقله الخاص في كل أمور الضمير والمعتقد ؛ هذا يعني الاستعمال الحر للعقل والتصرف بحرية سواء في التفكير أو في التعبير عن الآراء مقترنا بالتحرر من قيود الطبيعة ، حيث أن الطبيعة نفسها حررت الإنسان وأعطته القدرة على الميل والاستعداد لحرية التفكير وفي ذلك بلوغ مرحلة الرشد.
وبالعودة إلى مشروع الأنوار لدى تودوروف في كتابه “روح الأنوار” يرى بلا شك أن هذا المشروع قد قام في الأصل على ثلاثة أفكار رئيسية ما انفكت تنمو وتتطور أيضا بحكم نتائجها وهي الاستقلالية والغائية الإنسانية لأفعالنا والكونية ؛ وبالتالي تكون أول سمة تكوينية لفكر الأنوار تتمثل بالأساس في جعل الإنسان يفضل ما يختاره ويقرره بنفسه دون تدخل أي سلطة خارجية عن إرادته ؛ ويكون هذا الاختيار يحمل في طياته بعدين: بعدا نقديا وآخر تكوينيا ، فمن جهة يجب عدم الخضوع لكل وصاية مفروضة على البشر من خارج إرادتهم ومن جهة أخرى ينبغي الانقياد طوعا للقوانين والقيم والقواعد المرغوب فيها.
إن الحديث عن الأنوار لا يستقيم دون الحديث عن خاصيتين أساسيتين هما التحرر والاستقلالية وهما كلمتان تشيران إلى لحظتين ضروريتين بالتساوي لسيرورة واحدة لا يتسنى الانخراط فيها إلا بتوفر الحرية الكاملة في النظر والمساءلة والنقد والتشكيك.
يقول كانط موضحا معنى القصور في عدم استخدام المرء لعقله بجرأة ” وما أيسر أن يكون المرء قاصر ؟ فإذا كان لدي كتاب يقوم مني مقام العقل ومرشد يقوم مني مقام الضمير ، وطبيب يقدر أي نظام غذائي أتبعه ، عندئذ لا أحتاج حقا إلى بذل جهد ، ولا أضطر إلى التفكير ما دام بوسعي أن أدفع ، فسيتكفل آخرون فعلا بهذا العمل الممل عوضا عني”. نستشف من خلال هذا القول أن ما يجعل الإنسان قاصرا في استعمال عقله يكمن في عدم بذله أي جهد ذاتي ، مادام أن هناك من يقوم مقامه سواء في التفكير أو في القيام بوظائف أخرى ، الأمر الذي يجعل الإنسان لا محالة عاجزا عن التفكير .
وإنه من وجهة نظر كانط ؛ فإن السبب في القصور هو الوصاية، حيث أن العديد من الناس يظلون عاجزين عن إعمال فكرهم الخاص بسبب أنهم يظلون تابعين لأشخاص آخرين هم من يقودون تفكيرهم ؛ وهنا يظل المرء في حالة الجمود ؛ وبذلك ينظر تودوروف على أن معنى الأنوار هو التحرر من الوصاية غير أن الوصاية التي كان الناس يعيشون تحت وطأتها قبل عصر الأنوار ؛ كانت وصاية ذات طابع ديني في المقام الأول فهي إذن من أصل اجتماعي .
إن ما يميز الإنسان هي خاصية الاستقلالية والتي هي بلا شك قد وسمت وميزت الفكر الأنواري ، حيث أفضى مطلب الاستقلالية إلى تغيير المجتمعات السياسية وهذا ما جعل عملية الفصل بين الزمني والروحي تكتمل ، وبهذا فقد أدى الحرص على الاستقلالية خلال قرن الأنوار إلى ظهور لون من العمل السياسي ، وبالتالي أدى ذلك إلى ظهور الاستبداد المستنير الذي ينمي استقلالية العقل لدى الإنسان .
وفي حديث تودوروف عن خاصية الاستقلالية الفكرية والممارسة الحرة للعقل نجده يستشهد بالشاعر الانجليزي ميلتون الذي عبر عن أمله في أن تبلغ البشرية بفضل الممارسة الحرة للعقل سن الرشد .
من الواضح إذن أن الأنوار هي تعبير صريح عن الجرأة في استعمال العقل للخروج من مرحلة القصور إلى الرشد الحكيم ؛ بمعنى أن الإنسان عندما يكون راشدا يكون حينذاك قادرا على أن يستعمل عقله دون قيود أو ضغوطات خارجية ، ويستطيع أن يبلغ مرحلة السمو بذاته وهذا يعطيه قيمة أعلى بكثير من الكائنات الأخرى ؛ الشيء الذي يجعله يتحلى بالمسؤولية.
إن التحرر من القصور المعرفي هو رأس الإشكال في سؤال التنوير إذ يقول تودوروف: “ولهذا كان لا بد أن تكون استقلالية المعرفة في مقدمة ما يمكن من استقلاليات ” ؛ إن الحديث عن الاستقلالية لا يعني الاكتفاء الذاتي ، فالناس يولدون ويحيون و يموتون في المجتمع ؛ هذا المجتمع الذي تنبع منه قيمة الإنسان ، فكل كائن بشري يولد مصابا بقصور خلقي أي شعور بالنقص فيسعى إلى سده عن طريق التعلق بالبشر المحيطين به وطلب مودتهم ، وهذا ينبع من قوة حاجة الإنسان إلى غيره لكن ليس في استخدام العقل بل فقط من اكتمال وجوده داخل الجماعة.
ويمكن أن نستشف من القول السابق لتودوروف أن عصر الأنوار لم يقتصر على مبدأي الحرية والاستقلالية فقط بل راهن على العقل وجعل منه الأساس لشعار الأنوار ؛ لأن العقل هو الملكة التي تميز الإنسان عن الحيوان ؛ لذلك يجب إخضاع كل الخطابات إلى العقل باعتباره هو الذي يمكن أن يقرر وأن يحكم في مختلف النزاعات.
وعلى هذا الأساس لم يكتف كانط بأن قام بتحرير الإنسان من قصوره بدعوته إلى التجرؤ على استعمال عقله دون قيود ، بل أكثر من ذلك قد أرغمه بأن يصنع ذاته بذاته، فالمرء الذي يكون قادرا على استعمال فهمه الخاص يكون في مرتبة أعلى من سائر الكائنات الأخرى التي لم تحصل على هذه الملكة وهي التفكير ؛ وبالتالي يكون قادرا على أن يعبر عن أفكاره و أن يكسر ذلك الحاجز الذي يحول بينه وبين بلوغه حالة النضج والرشد والتي يكون في إطارها قادرا على أن يبلغ جميع الحقائق في جميع المجالات .
فإذا كانت تلّة من الناس تعتبر تلك الخطوة المحررة من القصور خطرة جدا ؛ فضلا على أنها مضنية فلأن هؤلاء الأوصياء يجدون في ذلك. إن محاولة الإنسان في التخلص من القصور باتت مسألة صعبة في نظر كانط ، بل على المرء أن يتدرج خطوة بعد خطوة في التخلص منه : حيث يقول كانط: “حيث من الصعب إذن على كل إنسان أو فرد أن يتخلص من حالة القصور التي كادت أن تصبح طبيعة لديه ؛ بل إنه تعلق بها وصار الآن عاجزا حقا عن استعمال عقله ، لأنه لم يترك له أبدا أن يحاول ذلك”. ويمكن أن نستشف من خلال هذا القول أن القصور عند كانط قد أصبح بالنسبة للإنسان أمرا طبيعيا ومن تم أصبح عاجزا ، بل لم تعد له القدرة على أن يحاول أن يعمل عقله.
وبحسب كانط فالذي يجعل الإنسان قاصرا ولا يستطيع بلوغ الرشد هو تلك القيود التي تقيده وتجعله غير قادر على إعمال فهمه الخاص ؛ أي أن تكون له الحرية في القيام بنشاط التأمل والتفكير .
يقول كانط: “قلة من الناس وفقوا في التخلص من القصور بفضل النشاط الخاص لأذهانهم وفي المشي بخطى ثابتة رغم كل شيء ” ؛ يتبين من خلال هذا القول أن القليل من الناس يتوفقون في محاولة الخروج من حالة القصور وهي مرحلة عجز الإنسان عن التفكير وفي إعمال عقله بفضل النشاط الخاص به ؛ وفي أن يسلك بنوع من الثبات وأن يسير ببطء نحو مرحلة جديدة وهي التحرر وبلوغ الرشد.
إن بلوغ الأنوار يكون من الصعب على الإنسان إذا لم يستطع أن يتحرر من كل التصورات المنغلقة ومن كل الدوغمائيات ؛ وفي هذا الصدد يقول كانط: ” لنشر هنا إلى أن الجمهور الذي أبقوه من قبل تحت هذا النير يضطرهم بدورهم فيما بعد إلى البقاء فيه ؛ بالتمرد عليهم عندما يدفعه إلى ذلك بعض أوصيائه ممن عجزوا تماما عن بلوغ الأنوار”. نستشف من خلال هذا القول أن من لا يستطيع الخروج من العجز ؛ يبقى تحت هذا القصور ؛ وذلك في محاولة البعض دفع الإنسان من قبل أوصيائه أو من كانت لهم الوصاية عليه إلى التمرد على العقل حتى لا يصل إلى الرشد ؛ وحتى بالتالي لا يبلغ الهدف الأساسي وهو الأنوار والتي يكمن معناها في الوصول إلى حالة الرشد.
وعلى هذا الأساس يؤكد كانط أن الأنوار تكون بذلك هدفا أساسيا يبلغه الإنسان بعد تمرده على القصور والعجز اللذين يجعلانه خاملا؛ ومعنى ذلك التفكير خارج الأحكام المسبقة ؛ إذ يمكن للجمهور في نظر كانط أن يبلغ الأنوار ولكن ببطء ؛ ويمكن فعلا للثورة أن تؤدي إلى الإطاحة بالاستبداد الشخصي والاضطهاد القائم على التعطش إلى المال والهيمنة ، ولكن هذا لا يعني أن يكون ذلك بمثابة إصلاح حقيقي لنمط التفكير ؛ لأن ذلك سيتم تقييده بأحكام مسبقة التي ستؤدي إلى إعاقة هذا التفكير.
في حديث كانط عن حالة القصور يشير إلى أن السبب في ذلك يرجع بالأساس إلى تلك الوصاية التي تمارسها الكنيسة على الفرد ؛ والتي تكون وصاية مدعومة بحجج وهي ذاتها الممارسة التي يقوم بها القسيس أو الكاهن في إقناع رعاياه أو تابعيه ؛ وذلك ليبين أهمية الخروج من القصور la minorité الذي هو حالة من العجز والكسل والجبن إلى بلوغ الرشد ( la majorité) والنضج ؛ وبالنسبة لكانط كل راشد حامل للقانون الطبيعي في داخله ؛ وبالتالي فهو وحده بعقله وقدراته قادر على الوصول إلى الحقائق .
إن الإنسان الراشد في نظر كانط هو الذي تكون له القدرة على أن يفكر خارج كل الأحكام المسبقة بل وأن تكون له الحرية التي تمكنه من ذلك.
وقد ميز كانط في حالة القصور عند ذكره العبارة المألوفة ” لا تفكروا ، بل أطيعوا الأمر” وهذا هو الشكل السلطوي الذي يحدد ممارسات النظام والسلطة السياسية والسلطة الدينية ؛ وفي نظر كانط إن الإنسانية ستتمكن من بلوغ رشدها أو نضجها الفكري عندما لم تعد تتطلب الطاعة ، ولكن عندما يقول شخص ما : أطيعوا ، وأنكم ستكونون قادرين على التفكير كما ترغبون ، وهذا ما يتبين من خلال كتب كانط أو النقود الثلاثة حيث يدعو كانط إلى التأكيد على أهمية التفكير كمرحلة تعبر عن النضج والرشد .
في الفرق بين الاستعمال العمومي والاستعمال الخصوصي للعقل: l’usage public et l’usage privée :

لا شك في أن الأنوار قد ارتبطت بالنسبة لكانط بالحرية، حيث لا يمكن نشرها إلا من خلال الحرية بمعنى أن هذه المرحلة ارتبطت أشد الارتباط بالحرية : يقول “كانط ” “أعني بالحرية ؛ حرية المرء في أن يستعمل عقله استعمالا عموميا في كل المجالات”
وفي هذا الصدد يرصد لنا كانط أو يميز بين الاستعمال العمومي للعقل وبين الاستعمال الخصوصي ؛ حيث أن معنى الاستعمال العمومي للعقل هو أن تكون للإنسان الحرية لاستعمال فهمه في جميع الميادين ؛ وفي ذلك يقول كانط ” غير أني أسمع الآن من كل صوت هذا النداء لا تفكر ! فالضابط يقول ” لا تفكر، بل قم بالمناورات ” وموظف المالية يقول ” لا تفكر بل ادفع ” والكاهن يقول ” لا تفكر ، بل آمن ” ( ولا يوجد في العالم إلا سيد واحد يقول ” فكر قدر ما تشاء وفي كل ما تشاء ” إنما أطع “
إن معنى هذا أن الاستعمال العمومي للعقل يكمن في كون للحرية حدود وفي كل الحالات هناك حد من الحرية ؛ ولكن أي التحديدات يحول دون الأنوار؟ وأيها لا يكون عائقا.
وكما تمت الإشارة سابقا ؛ نجد كانط يميز بين نوعين من الاستعمال للعقل ، هناك الاستعمال العمومي للعقل والذي ينبغي أن يكون دائما حرا وهو وحده قادرا على نشر الأنوار بين الناس ؛ في حين الاستعمال الخاص يكمن في أن يكون في العديد من الحالات بشكل صارم دون أن يعوق ذلك بوجه خاص تقدم الأنوار وفي ذلك يقول كانط ” وأقصد بالاستعمال العمومي من قبل المرء لعقله هو ، أنه يستعمل عقله بوصفه عالما أمام الجمهور بأكمله الذي هو عالم القراء ، وأسمي استعمالا خاصا ذلك الاستعمال للعقل المسموح به للمرء في ممارسة المسؤولية أو الوظيفة التي أسندت إليه بوصفه مواطنا ” ؛ من الواضح إذن أن الاستعمال العمومي للعقل يرتبط أشد الارتباط بالحرية ؛ بل الذي يستعمل عقله استعمالا عموميا هو الذي يكون قادرا على نشر الأنوار لأنه يكون متشبع بالحرية ، في حين الاستعمال الخاص يرتبط بالمسؤولية ؛ أو تكون للإنسان القدرة على استخدام عقله في ممارسة المسؤولية وفي التفكير بحرية محدودة .
في حديث كانط عن الاستعمال الخاص للعقل يشير بل يقدم بعض الأمثلة على هذا الاستعمال ؛ ومنها ممارسة الكاهن الذي هو ملزم بالتوجه إلى تلاميذه في التعليم الديني وإلى رعيته وفق شعار الكنيسة التي يخدمها ؛ لأنه قد عين بموجب هذا الشرط ، ولكنه بصفته عالما له كامل الحرية ؛ بل يمتلك الأهلية في أن يبلغ الجمهور كل أفكاره حول عيوب هذا الشعار ، وفي هذا الصدد أيضا لا شيء يقلق ضميره لأن ما يعلمه بحكم مهامه كمفوض عن الكنيسة ؛ فهو يقدمه على أنه شيء لا يملك الحرية في تعليمه بحسب رأيه الشخصي .

ويبدو أن استخدام المعلم لعقله أمام جماهيره يعتبر استخداما خصوصيا ؛ ومن هذا المنظور فالقسيس ليس حرا ولن يكون كذلك ، فهو يحمل أوامر من غيره ؛ لكنه بوصفه عالما تخاطب كتاباته العامة ، فقد تكون له الحرية المطلقة في استخدام عقله ممثلا نفسه ؛ وبهذا المعنى فإن امتلاك الإنسان للعقل وقدرته على استخدامه استخداما خاصا يمكنه من الوصول بل من بلوغ جميع الحقائق .
ويبدو جليا من خلال قراءة مشيل فوكو” لمقال ما التنوير؟” أن المهمة الفلسفية الجديدة التي يضطلع بها كانط هي الاهتمام بالحاضر والنظر إلى التنوير كموقف ؛ من خلال استحضار مفهوم الحرية بوصفه ممارسة ليوضح أن كانط قد كان واعيا بأن التطور التاريخي للبشرية بلغ في عصره مسارا هاما من التحولات فهو عصر وسم بالنقد ؛ ولا شك أن فكرة الخضوع التي يستنشد بها كانط في نظر فوكو عبارة عن مرحلة التي كانت الإنسانية تهدف إلى بلوغها والمتمثلة في الرشد .

وفي نظر مشيل فوكو فإن نص ما الأنوار قد أبدع نموذجا جديدا من التساؤل في حقل التفكير الفلسفي ؛ ومن المؤكد أنه لا يمثل النص الأول سواء بالنسبة لتاريخ الفلسفة أو بالنسبة لكانط نفسه الذي يعرض سؤال يتعلق بالتاريخ ؛ إن هذا النص المتعلق بالأنوار يندرج ضمن نظرية حول التاريخ الإنساني من وجهة نظر كونية ؛ وإنه لسؤال الحاضر الراهن ، هذا الحاضر باعتباره وضعية تاريخية محددة والتي يمكنها أن تشكل أهمية خاصة بالنسبة للتفكير الفلسفي.

=خلاصة عامة:
يمكن أن نخلص من خلال ما تناولناه في هذا العرض الموجز حول مفهومي القصور والرشد في فلسفة كانط النقدية ؛ أن هذا الشعار الذي جاء به كانط كان نابع من رسالة وهي دعوة الكل إلى التجرأ على استخدام الفهم الخاص بكل فرد شريطة أن يكون هذا الاستعمال مقترنا بالحرية ؛ حيث حاول كانط انطلاقا من هذا الشعار ” تجرأ على استخدام فهمك الخاص” دليل على بلوغ الإنسانية لمرحلة جديدة في التاريخ الإنساني وهي مرحلة الرشد والنضج الفكري ؛ التي طالما عجز الإنسان عبر مراحل حياته عن بلوغها .
وانطلاقا من بعض القراءات التي حاولت أن تستقرأ هذا الشعار ومن بينها ما حاول فوكو هو نفسه أن يبينه من وجهة نظره عندما نظر إلى أن شعار الأنوار بالنسبة لكانط قد حمل في طياته لحظة راهنية الإنسان التي تسير بلا شك نحو التقدم؛ هذه اللحظة تعبر عن حاضر الإنسانية ومستقبلها ؛ وبالرجوع إلى سؤال الأنوار الذي حاول كانط أن يقدم له جواب وإن كان كافيا ؛ يأتي كانط في آخر هذا المقال ويتساءل مرة أخرى عندما يقر بأن حلم البشرية بالوصول إلى سن الرشد هو لا محالة من التحقق اليوم ؛ لذا يبدو أنه غير مدرج في مصير الإنسانية ؛ ولما سئل كانط عما إذا كان الناس قد ولجوا بعد عصر الأنوار أي عصر مستنير يعبر عن الرشد والخروج من القصور الذي يجعل الإنسان عاجزا عن اللجوء إلى فهمه الخاص ويسترشد بالآخرين ؛ فأجاب كانط على السؤال بلا شك ” كلا بل نحن في عصر في طريقه إلى التنوير” .
= إن كانط كما سبقت الإشارة قد حاول الإجابة عن سؤال ” ما التنوير؟” والذي عرفه بطبيعة الحال بأنه خروج الإنسان من وضع العجز الذي هو نفسه مسؤول عنه . يعني عجز الإنسان عن استعمال عقله دون وصاية غيره ؛ فالإنسان مسؤول ذاتيا عن هذا الوضع ؛ والسبب في ذلك لا يعود إلى قصور في عقله ولكن إلى قصور في اتخاد القرار وإلى افتقاده الشجاعة في استعمال هذا العقل دون اللجوء إلى الغير ليتجرأ على المعرفة.
” فالتنوير” شرطه الوحيد هو الحرية والحرية التي نقصد هي تلك الأكثر ممارسة ؛ أي حرية الاستعمال العمومي للعقل في كل المجالات ، ولا يمكن لعصر أن يستحجر العصر الذي يليه ويقرر الزج به في وضع يمنعه من توسيع معارفه ونهوض تلك التي تحظى باهتمامه الخاص ومن تخليص هذه المعارف من الأخطاء ، ومن تقدمه على سبيل التنوير عموما.

،
صفحةفلسفةالسؤال


البيبليوغرافيا:

لائحة المصادر والمراجع باللغة العربية:
كانت ، إيمانويل ؛ ثلاثة نصوص : تأملات في التربية ؛ ما هي الأنوار؟ ؛ ما التوجه في التفكير ؟ ، تعريب وتعليق محمود بن جماعة ؛ دار محمد علي للنشر ؛ الطبعة الأولى 2005 .
تودوروف تزفيتان ؛ روح الأنوار ؛ تعريب حافظ فويعة ؛ دار محمد علي للنشر ؛ الطبعة الأولى ماي 2007 .
ملف = مالأنوار؟ قراءة مشيل فوكو ؛ ترجمة عبد الله البلغيتي العلوي ؛ ضمن مجلة الأزمنة الحديثة – أبريل 2008 .
الهلالي محمد ؛ ضمن ملفات مجلة الحرية : مفهوم الأنوار ؛ إيمانويل كانط ؛ موسى مندلسون ، جوزيان بولاد أيوب ؛ رقم الإيداع القانوني 162/1995 ، رقم ملف الصحافة : 44/1995 ؛ رقم الملف : 1-2020 .
مدونة الإحيائية NEOREVIVALISM ؛ ترجمة حسين إسماعيل .

المصادر و المرجع بالفرنسية :
KANT. IMMANUEL ; Qu’est- ce que les lumières ? )1784) ; traduction piobetta .
Michel. Faucault : what is Enlightemment ? in politics of truth , semio text offices ; U.S.A.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube