بقلم ذ. المصطفى القادري ـ لندن

على خلفية نقاش مع صديقي الحالم عبر آليات التواصل الإجتماعي لتوضيح بعض النقاط المرتبطة بأحد التعليقات التي شاركنا بها مشكورا الصديق من كتالونيا، و الذي أشار إلى اعتراضه على لغة السب و الشتم التي قد يمارسها البعض للتشكيك في التمثيلية الشرعية للمفاوضين الدوليين في حل ملف الصحراء الغربية، مشيرا إلى أن هذا الخطاب متجاوز دوليا منذ أن قبلت الدولة المغربية بتدويل قضية ملف الصحراء بعد الموافقة على ,وقف إطلاق النار وتعيين المينورسو لتوفير شروط الإستفتاء و الجلوس على طاولة المفاوضات الذي هو بمثابة اعتراف ضمني بالطرف الأخر، هذا الإعتراف يتعارض مع الخطاب الموجه للإستهلاك الداخلي الذي لايزال مشحونا بأفكار المسيرة التي تجلى عنوانها الأبرز في العلم و المصحف من جهة و خطاب التخوين من جهة أخرى، هذا الخطاب الذي جر ويلات على الوطن و القضية بل و حتى على الوطنيين من القيادات المغربية الذين عارضوا حل الإستفتاء بإعتباره قرارا ملكيا لم يرجع فيه إلى الشعب المغربي ليقول كلمته في الموضوع وفقا لرأي حزب الإتحاد الإشتراكي حينها، حيث كان عبد الرحيم بوعبيد الشخصية الأبرز التي لم تدخر جهدا في إبداء تحفضات حول قبول الراحل الحسن الثاني بحل الإستفتاء، و اعتبار أن الديموقراطية الحقة هي المدخل الحقيقي للحل من خلال نظام ملكي يسود و لا يحكم… الرأي الذي أفضى إلى إعتقال القيادي الإشتراكي.
ومضت الأيام و السنون دونما توقف، و تغيرت الأحوال حيث باع من باع و إشترت الدولة كثيرا من المواقف و الضمائر من أسواق النضال و دكاكين الطموح، وغير القادة أفكارهم و نسي النقابيون العمال و أحرقت الأحزاب البرامج و هاجر المناضلون و المناضلات بحثا عن الأفاق في دول “الديموقراطية” في وقت عاد فيه أخرون منها بعد عقد الصفقات جعلت منهم قادة الوطن في زمن التناوب البئيس حيث أقسم الملك على المصحف واعدا بتحقيق الديموقراطية كما صرح أحد القيادات العائدة يوما ما، وتوالت حلقات مسلسل مكسيكي ونسي القسم، فالشعب كان منبهرا بألفريدو و كوادالوبي في نفس التوقيت الذي كان فيه صديقي المناضل الحالم يرسم وشما لحنضلة على كتفه الأيمن رفقة أخيه النقابي المعروف بمنطقة خيرونا حتى تذكرهم المرآة عند كل صباح بقضية العرب… رغم أنها لم تعد قضية العرب، لكن الوشم الشامخ وفاء باق على كتف صديقي العنيد يذكره ببعض نوستالجيا الزمن الجميل، حيث قراءة بيان كان فعلا يصنف في خانة البطولات لنذرة الشجعان آنذاك، على خلاف زمن الضياع الفايسبوكي حيث أصبح المخبر مناضلا و الرويبضة عالما فقيها و صاحبات الأعلام مقاولات وقائدات لحركات سياسية.
مشكلة صديقي الحالم، تتلخص في كونه و بالرغم من أنه جالس يرتشف قهوته الصباحية في حديقة بيته الريفي بشمال ألمانيا الفيدرالية الديموقراطية التي تستضيفه بكل احترام لأنه مواطن أوروبي قادم من أرض الشمس و البحر التي يعشقها الألمان، إلا أن عقل رفيقي لايزال قابعا في إحدى زنازن معتقل ميسور، حيث تجولت يوما بعض الأفكار و المواقف التي أمن بها و حفرها في ذاكرته لتستقر بذات الطريقة التي استقر بها الوشم بين خلايا الجلد.
كان الصراع حتميا في حياة صديقي الحالم, و هو المنحدر من أسرة شاونية مارست السياسة لعقود، ففي كل محطة إنتخابية جماعية أو برلمانية، كان صديقي يجول رفقة والده قرى و مناطق شاسعة من تراب الوطن في إطار حملات إنتخابية بنكهة مختلفة، حيث لا قيمة للبرامج و لا مجال لتطبيق نظريات العلوم السياسية التي يتلقاها طلبتنا بإسطبلاتنا الجامعية، هناك فقط، ينجح في الإقناع من خبر نفوس الإنسان البدوي، المرشح الذي له سعة خاطر و صبر أيوب للتصدي لقضاء حوائج الناخبين و حل مشاكلهم التي لا نهاية لها على طول العام، مشاكل الأرض و الماء، الزواج و الطلاق و الشرف، الغنم و البقر, و التين و الزيتون و الكيف و بطولات لا تعد و لا تحصى في مواجهة عناصر الدرك. أيها السادة صديقي تجول في مناطق الوحل حيث الفقر بالرخصة و الأمية رحلت بعد أن تعبت من تفشي الجهل المجتمعي بكافة أنواعه.
صديقي المناضل الإشتراكي، كان شاهدا على عصر السقوط للحزب العتيد، وهو يتمزق ألما عند حضوره مفاوضات التزكية الحزبية لخوض الإنتخابات، حيث طولب أباه البرلماني ببيع ممتلكاته لتغطية الحملة مقابل إمضاء فاسد الحزب، و لكل حزب فاسده طبعا فلست أريد أن أبخس الناس أشياءهم. ليقلب الطاولة راحلا إلى وجهة أخرى استقبلته دون شرط أو قيد. وبالرغم من ذلك ضل مرتبطا بالأممية ممزقا الحذاء بعد الحذاء في قرى الشمال الكطلاني متحملا عنصرية إخوان الإشتراكية الأممية من الرضاعة التي شكلت النقطة التي أفاضت الكأس ليكون الفراق.
وبالرغم من الطلاق و البعد و مرور الوقت، و صديقي يتمرغ في أحضان حرية اللإنتماء، ققد أضحى هجالا سياسيا، لكن عقله لازال وفيا لشعارات أزلية قدموسية رنت في زمن المهدي الداعي إلى الإصلاح من الداخل و حلم النقابات المتحدة و الديموقراطية الحقة كمدخل لحل ملف الوحدة الترابية، و نظام حكم حيث الملك يسود و لا يحكم و ما إلى ذلك من شعارات مضحكة مبكية من قبيل اعتماد النزاهة في تزوبر الإنتخابات، كتبت أغلبها بعد منتصف الليل في أغلب الأحيان.
صديقي الحالم، يؤمن أن المهدي المنتظر قادم لينقذه من براثن التهاجالت ـ الوضعية الإجتماعية للمطلق أو المطلقة ـ و كشأن أي هجال ينتظر منقذا، فهو يأبى أن يتغير، تراه واقفا في مواجهة الرياح العاتية في محاولة لإتباث الشرف وحسن الخلق… أخوف ما أخاف عليك يا صديقي أن تموت واقفا هناك دون صليب يسند ظهرك أو حفرة تداري غذر الزمان بك، و أنت منغمس في دونكيشوطيتك الطائشة تقاتل أعمدة النور ليلا متحالفا مع بعض الفراش و البعوض المنتحر، غير آبه بحلوف الغابات الذي يتجول ليلا بكل حرية لعله يسد رمقه ببعض فضلات الطعام السهلة المنال، أو نظرات ماكرة تأتيك من بعض الثعالب، لتعلن الإنتصار عند ساعات الصباح الأولى بعد إنطفاء المصباح، و كأنك لم تعلم أن المصابيح يتحكم بها من خلال أزرار حمراء…في قصور مشيدة… فوق منضددة ذهبية مزركشة بأنفس الأحجار حولها حراس من نار، قادرين على إرسالك إلى عالم الشهداء بغمزة عين أو تقطيب حاجب… لتغذو شهيد الجماهير، يضعون صورك في المواسم و المناسبات و على طاولة الندوات و في صفحات الجرائد التي يمولها مالكي الكهرباء و مصابيح الطرق السيارة….فالعهد جديد، و لكل عهد شهيد…


RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube