أحمد رباص – حرة بريس

أصدر البنك الدولي في نهاية عام 2021 تقريرا عنوانه “وضع البشر في صميم التنمية الخضراء الشاملة القادرة على الصمود”.
يتبنى البنك الدولي في تقريره مفهوم التنمية البشرية بحمولته التي تتضمن إمكانية الحصول على نوعية جيدة من التعليم والتكوين، والخدمات الصحية، والحماية الاجتماعية؛ واستفادة النساء والفتيات من فرص أفضل، غير هامل لتداعيات كورونا على التنمية البشرية التي سجلت تقدماً مطرداً، على النحو الذي يوضحه مؤشر رأس المال البشري، الذي أظهر أن العديد من البلدان المنخفضة الدخل قد قطعت أشواطاً هي الأكبر في هذا المجال. إلا أن تأثير الجائحة كان مدمراً على الكثيرين، لا سيما الفئات الفقيرة والفئات الأشد ضعفاً.
ففي عام 2020، ارتفع معدل الفقر المدقع على الصعيد العالمي لأول مرة منذ أكثر من عِقدين، مع انزلاق نحو 100 مليون شخص آخر إلى هوة الفقر المدقع، وتفاقمت مستويات عدم المساواة، التي كانت مرتفعة بالفعل، بشكل أكبر.
وللتصدي لهذا الأمر، خصصت مجموعة البنك الدولي أكثر من 157 مليار دولار لمكافحة الآثار الصحية والاقتصادية والاجتماعية للجائحة منذ بدايتها – وهي أكبر استجابة لأزمة في فترة من هذا القبيل في تاريخ المجموعة. ويشمل ذلك دعم إدارة الاستجابة للطوارئ الصحية، وتقوية الأنظمة الصحية، وحماية عملية التعلم وتمكينها من التعافي، وحماية الفئات الفقيرة والفئات الأشد ضعفاً، ومساندة أنشطة الأعمال، وتوفير فرص عمل، والبدء في التعافي الأخضر الشامل القادر على الصمود.
ومادمت اروم في هذا المقال مناقشة التقرير في الجانب المتعلق بالنهوض بالتعليم في الدول الإفريقية الفقيرة، يجدر بي، قبل ذلك، تقديم الخطوط العامة لتوجهه الهادف إلى إيجاد الحلول لأزمة هذا القطاع الاجتماعي الذي يكتسي أهمية بالغة في كل برنامج تنموي بشري.
ويذهب تقرير البنك الدولي إلى أن جائحة فيروس كورونا مارست تأثيرا مدمرا على التعليم في البلدان الفقيرة، حيث اضطرت فتيات كثيرات، طفلات ومراهقات، إلى البقاء في المنزل بسبب الجائحة. وأشار إلى أن الأزمة الصحية أعقبتها إضرابات المعلمين عن العمل في بعض البلدان، مما عزز من احتمال عدم عودة الفتيات إلى الدراسة.
وفي جميع أنحاء العالم، أثر إغلاق المدارس على نحو 1.6 مليار طفل، وظل ملايين الأطفال في العالم خارج التعليم لأكثر من عام. ويقل احتمال عودة الفتيات إلى المدارس بعد توقفهن عن الدراسة – لأنهن أكثر عرضة لأعمال العنف، أو الوقوع ضحية زواج الأطفال، أو الحمل.  
إن تعزيز البنية التحتية الرقمية يُعد أيضاً استثماراً رئيسياً لدعم طرق التدريس المبتكرة التي ستحد من تأثير أي أزمات في المستقبل. وما لم يتم حشد الموارد لتحسين سبل الحصول على تعليم جيد، فإن جيلا بأكمله يواجه خطر الإخفاق في التعلم وعدم تحقيق مكاسب مدى الحياة بسبب الجائحة.  
يتحدث التقرير عن ضرورة الحصول على تعليم جيد عن طريق ابتكار طرق جديدة للتدريس من خلال تعزيز البنية التحتية الرقمية. إلا أن التقرير سكت عن التكوين المستمر للمدرسين وتحسين اوضاعهم الاقثصادية والاجتماعية، عوض تركهم يواجهون مصيرهم المأساوي الناتج عن ابتلاعهم من طرف دوامة القروض بمختلف أنواعها، وتجميد أجورهم في وقت التهبت فيه أسعار العقار والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية.
وهكذا، يبقى حديث البنك الدولي عن الجودة المرتبطة بابتكار طرق جديدة مجرد أمان ونوايا حسنة لم يخصص لها البنك موارد مالية تفي بالغرض، ناسيا أو متناسيا أن التعليم في المغرب، مثلا، عرف مشاريع إصلاحية مست السطح كحامل للقشور دون النفاذ إلى الجوهر. وكان الفشل مآل هذه المشاريع التي لم تستطع الخروج بالمدرسة الابتدائية العمومية من أزمتها نظرا لعدم التفكير في التقليل من المهام المنوطة بالمدرسين في هذا المستوى وتغييب إيجابيات إسناد مهام التدريس حسب تخصصات المدرسين والعجز عن تعميم المدارس الجماعاتية في العالم القروي، وحتى العدد الضئيل من هذا النوع من المدارس ظل أسيرا للمنهجية القديمة التي لا تعير للتخصص أدنى اهتمام.
وإذا التفتنا إلى المتعلمين، لا نلمس لدى البنك الدولي اي وعي بحاجات أطفال اليوم واختلافهم عن أطفال أجيال المتعلمين السابقة. ولهذا لم تصدر عنه توصيات تصاحبها موارد مالية مناسبة تدل على احترام خصوصيات اطفال القرن الواحد والعشرين الذين يصعب حبس أغلبهم في حجرة دراسية خلال خمس ساعات من كل يوم دراسي، دون برمجة رحلات وخرجات مؤطرة ومنظمة يفترض فيها الترفيه عنهم وتمكينهم من فرص لربط علاقات إنسانية بينهم ومدرسيهم، الشيء الذي لا يمكن إنجازه في فضاء ضيق كله إكراهات وإخضاعات وضوابط تجعل التعليم والتعلم قطعة من جهنم.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube