أحمد رباص – حرة بريس

وتتميما لتصور ابن باجة للحرية والطبيعة الإنسانيتين كما رأينا في الجزء الثاني، نقول إن الجزء الأكبر من أفعال الإنسان الموجودة في الأشكال الأربعة للحياة (الاجتماعية) عبارة عن (مزيج) من أفعال الإنسان والحيوان، لأن هناك القليل من الأعمال البهيمية الخالية من “الإنسانية”. وذلك لأنه في معظم الحالات وباستثناءات نادرة، عندما يجد الإنسان نفسه في الحالة الطبيعية، رغم كون القوة الدافعة (لأفعاله) هي الروح الحيوانية، فإنه يفكر بالضرورة في الطريقة التي يفعل بها هذا الأمر.
وهكذا، في الإنسان، تستعمل الروح الحيوانية الجزء إنساني لكي تتصرف، وبالمقابل، ما هو إنساني يخلو أحيانا من اي سمة بهيمية. يندرج الشفاء ضمن هذا النوع من الأشياء.
ومع ذلك، في هذه الحالة، يوجد أحيانا شغف مصاحب للروح الحيوانية: إذا كان هذا الشغف يساعد على التفكير، فسيكون الدخول إلى العمل أكثر تواترا وأقوى؛ وأما إذا عاكسه فيكون أضعف وأقل.
والجدير بالذكر هنا أن كتب الفلسفة انتشرت في الأندلس منذ عهد الحكم الثاني. لهذا الخليفة نحن حقا مدينون بإدخالها إلى البلاد، إلى جانب الكتب النادرة التي تم تأليفها في الشرق للتعليق على الفلاسفة القدامى وشرحهم.
كان ابن باجة أول من كرس نفسه قبل غيره لقراءة هذه الكتب، سعياً إلى إلقاء الضوء على المعنى الخفي لمضامينها وتوضيحه. كل من سبقوه في هذه المهمة لم يأخذوا من هذه الكتب سوى الأخطاء، والأسوأ من ذلك، أخلوا بمعناها بدلاً من تفسيره. وهذا ما فعله ابن حزم كما نعلم.
ومع ذلك فقد كان ابن باجة أشهر فلاسفة عصره، أبان عن قدر أكير من الجرأة في الدفاع عن آرائه، ونجح، بسبب ذكائه الفائق، في التغلغل في عمق الأسئلة التأملية.
وهذا أمر مؤكد لدرجة أن ابن حزم وابن وهيب، معاصري ابن باجة، يعتبران بحق المبادرين للمنهج العقلاني أو التأملي في الأمور الفلسفية. ومع ذلك، كتب ابن وهيب القليل جدا عن هذه المسائل، وفقط في المبادئ الأولى لفن المنطق، ولم يتطرق أبدا سوى على نحو سطحي للمشاكل الميتافيزيقية، التي كان دائما يتجنب مناقشتها خوفا من الاتهامات الافتراءية التي قُدمت للقاضي ضد أرثوذكسيته، وقد يطالب برأسه بسبب آرائه الفلسفية. ورغم كونه كرس نفسه بعد ذلك للعلوم اللاهوتية، حيث وصل إلى منصب المعلم الحقيقي أو ما يقرب من ذلك، لم تظهر آراؤه الفلسفية على متن رسائله اللاهوتية. فابن باجة نفسه، في مؤلفاته الفيزيائية والمنطقية، لم يتعامل مع الميتافيزيقيا إلا قليلاً.
من المستحيل أن يكون من تعمّق (مثله) في هذه العلوم السهلة نسبيا (المنطق والفيزياء)، بعد أن تمكن من أن يحلل ببراعة جميع فئات العالم المادي، قد يكون عندئذ ناقصا وسطحيا في العلم الذي هو قمة جميع العلوم الأخرى (الميتافيزيقيا) ، لأنه يوضح تمامًا كل ما قلته للتو عن مواهبه الرائعة في الميتافيزيقا وفي كل العلوم بشكل عام. بل أكثر من ذلك، ربما سيجد القارئ ملاحظات أصلية لدرجة أنها لم تكن لتحدث لأي شخص آخر؛ لهذا توصلنا إلى فكرة أنه لم يكن هناك بعد الفارابي فيلسوف آخر مثل ابن باجة في فروع الفلسفة التي زرعها. لأنه في الحقيقة، إذا قارنا بعناية الرسائل التي كتبها حول هذه الأمور مع تلك التي كتبها ابن سينا ​ أو الغزالي … فسنرى بوضوح تفوق كتابات ابن باجة في مدى نجاحه في شرح أعمال أرسطو أفضل من أي شخص آخر.
اخيرا، ربما يستحسن ختم هذه السلسلة بالحديث عن لقاء ابن رشد بالخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف تحت إشراف ابن طفيل.
وقد روى عبدالواحد المراكشي نقلا عن أحد تلامذة ابن رشد خبر قدوم الفيلسوف على الخليفة فقال: (سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة، لما دخلت على أمير المؤمنين ابي يعقوب وجدته هو وابن طفيل ليس معهما أحد، فأخذ أبو بكر بن طفيل يثني عليَّ ويذكر بيتي وسلفي ويضم الى ذلك أشياء لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم ابي ونسبي، اذ قال لي: ما رأيهم بالسماء ـ يعني الفلاسفة ـ أقديمة هي أم حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف وأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، فالتفت الى ابن طفيل وجعل يتكلم عن المسألة التي سألني عنها ويذكر ما قاله ارسطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة ويورد على ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن، ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك، فلما انصرفت أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب..).

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube