أحمد رباص – حرة بريس

في لحظة تاريخية يصعب تحديدها، قدم ابن طفيل، الذي عاش تحت حماية أبي يعقوب يوسف (نجل ووريث معين للخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن)، الذي حكم من 1162 إلى 1184، الوليد بن رشد، أحد أفراد عائلة كبيرة من الفقهاء في قرطبة (كان جده، الذي حمل نفس الاسم ، مؤلفا لكتب على درجة كبيرة من الأهمية، وقاضيًا لهذه المدينة في الفترة المرابطية، الذي بدأ بعد ذلك مشوارا رائعا.
سيؤدي ذلك إلى أن يصبح قاضيًا في إشبيلية، ثم في قرطبة، وطبيبا رسميًا للبلاط الموحدي في عام 1182.
كان أقرب فكريا إلى أبي يوسف يعقوب المنصور (1184-1199)، رغم أنه عاش فترة من المحن في عهده بدت أنها كانت لأسباب سياسية أكثر منها شخصية، حيث أراد الملك كسب دعم الفقهاء الأندلسيين، الذين كانوا في غالبيتهم دائمًا كارهين لازدهار التفكير الفلسفي.
ترجع المكانة الهائلة لابن رشد في أوروبا العصور الوسطى إلى تعليقاته على كتابات أرسطو، التي كشف عن معانيها الحقيقية، والتي حجبتها نقل الكتابات الأفلاطونية الجديدة إلى العالم العربي؛ ذلك تالقليد الذي قلل من الاختلافات بين الفكر الأرسطي والفكر الأفلاطوني. لكن في العالم الإسلامي كانت شهرته كفيلسوف أقل أهمية، وكان معروفا عندنا كفقيه وعالم فقط.
تهدف هذه الإشارات الموجزة فقط إلى التذكير بتطور الفكر الفلسفي الذي لا يمكن اختزاله في هذه الأسماء القليلة، رغم أنها من أكثر الأسماء أهمية في هذا المجال.
تلقى ابن ميمون (1135-1204)، تعليمه وتكوينه في قرطبة، وربما كان تلميذا لابن رشد. ولكن في عام 1160 أُجبر على الهجرة إلى مصر حيث أصبح طبيب بلاط صلاح الدين الأيوبي.
من أجل الاطلاع على الحياة الفكرية في الأندلس في القرن الثاني عشر، ينصح بقراءة كتاب إيرفوا (مفكرو الاندلس) الصادر بالفرنسية في مدينة تولوز سنة 1990.
نعلم، من خلال حركة الترجمة، ان ابن باجة وابن رشد وابن طفيل وموسى بن ميمون مارسوا تأثيرا كبيرا على أوروبا المسيحية عبر بحثهم عن الفكر الحقيقي لأرسطو، وهذا ما اعترف به خوان فيرني في كتابه Ce que la culture doit aux)
Arabes d’Espagne, Paris, 1978)
والآن، تعالوا معي لنقف معا على الحرية والطبيعة الإنسانيتين عند ابن باجة. إن الإنسان، بما أنه يتكون من عناصر (مادية بسيطة)، لديه خاصية القيام ببعض الأعمال الضرورية والتي لا يتمتع فيها بحرية الاختيار، مثل السقوط من مستوى مرتفع إلى مستوى منخفض أو الإصابة بحروق بالنار أو ما شابه. ذلك. يوجد في هذه المثالين، كما في غيرهما، تطابق مع ما نعاينه لدى الكائن الذي يعيش فقط، مثل النبات. تصدر أيضا عن الإنسان تلك أفعال أخرى لا يتمتع فيها بحرية، مثل الإحساس. قد يحدث أحيانا أن يكون هناك شكل (من الفعل الذي يكون مدفوعا إليه) بالضرورة، كما هو الحال عندما يتصرف في ظل خوف شديد؛ مثلا عندما يهين صديقا أو يقتل أخيه أو والده بأمر من الملك. ومع ذلك، في هذه الحالات هناك حرية. تم شرح كل هذا في كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس لارسطو طاليس.
إن أفعال الإنسان، بطبيعتها، والخاصة به، هي تلك التي تُؤدَّى بحرية، ولا يوجد أي عمل يقوم به الإنسان بحرية في أنواع أخرى من الأجسام. الأفعال البشرية الصحيحة هي تلك التي تُؤدى بحرية، وكل ما يقوم به الإنسان بحرية هو عمل بشري، على اعتبار أن كل ما يتم تنفيذه بحرية عمل بشري. ويعني ابن باجة بالحرية الإرادة التي تنشأ من التأمل …
هكذا، فإن أي إجراء لا يتم تنفيذه للحصول على غاية متميزة عن العملية التي تم تنفيذها، أو لا يروم تخقيق أي غرض، أو إذا كان يهدف إلى غرض ما، لا يتم القيام به بطريقة واعية، فهو فعل حيواني و ينبع فقط من الروح البهيمية.
مثلا، إذا أكل شخص الخوخ لأنه يتوق إليه، والنتيجة هي ترهل البطن، يكون ذلك عملا بهيميا لم يتم إلا عن طريق الصدفة. لكن إذا أكلها شخص ما، يتمتع بنصيب من الذكاء، ليس لأنه يريد ذلك، ولكن لتحرير بطنه، ولأنه يمنحه المتعة، فسيكون هذا الفعل بشريا (في حد ذاته) وحيوانيا بالعرض.
في الواقع، المتعة التي نختبرها هي شيء يأتي بالعرض من المنفعة (المطلوبة). وهكذا، فإن المحرك الذي يعمل في روح الحيوان هو عاطفة سلبية تولد في الروح البهيمية، بينما الدافع (لأداء الأعمال البشرية) هو محرك يوجد في الروح ويولد من فكرة أو اعتقاد.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube