بقلم: عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

لا يمكنني وقد ترعرعت في مدينة الناظور أن أنسى كيف كانت سفن الشحن تصل إلى مليلية محمّلةً بسلع من أوروبا وآسيا و كيف كان يقوم التجار بنقلها بوسائلهم الخاصة عبر الحدود البرية باتجاه بني انصار، فرخانة والناظور من دون أن يدفعوا رسوماً جمركية. حياة التهريب، معيش لمزاولي الاقتصاد غير المهيكل وتحديات ضد التنمية.
لقد بلغت تجارة التهريب 25 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في الثغرين معا حسب تقارير إسبانية لسنة 2019 أي قبل جائحة كورونا التي أضفت بثقلها على حركة التجارة بينهما والمدن المحاذية بل و قارب عدد سكان بني أنصار، المدينة التوأم لمليلية، الكثافة السكانية لمليلية، فيما تخطّى عدد السكان في كاستييخوس عدد سكان سبتة، مدينتها التوأم.
فبعدما قررت الرباط إغلاق المعبرين من أجل هيكلة التجارة وتنمية الاقتصاد فقدت مدريد بوصلتها حول ما سيؤول إليه اقتصاد المدينتين السليبتين و كلفها ذلك الإغلاق خسائر هائلة تكبدها الاقتصاد المحلي في المدينتين المحتلتين.
فالتهريب يكلف خزينة الدولة المغربية خسائر سنوية تتراوح بين 700 و 900 مليون دولار و أن قيمة المعاملات التجارية للتهريب المعيشي تبلغ بمدينة مليلية لوحدها أكثر من ملياري يورو.
أما على المستوى الإجتماعي، فالملاحظ أن ثلثي ممتهني التهريب المعيشي هن من النساء والثلث المتبقي هو ما بين الرجال والأطفال القاصرين.
والأمر في هذا، هو أن وضع المغربيات الممتهنات للتهريب المعيشي مأساوي لايحفظ للمرأة المغربية أنوثتها ولا كرامتها حيث كن ينمن ليومين وأكثر في العراء.
إن التهريب الذي انتشر في المعبرين كانت له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني لكنه أدى وظيفة اجتماعية تحفظ العيش فقط لا غير في غياب المشاريع والاستثمارات و القصور الحاصل على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي راكمته المناطق المحيطة بالمدينتين منذ عقود. فكانت تلك المشاريع من شأنها تشغيل تلك اليد العاملة وحفظ عيشها الكريم و في غياب ذلك، لا يستطيعون أن يوفروا دخلا ماديا آخر إلا من خلاله.
و بالنظر إلى الحالة الاجتماعية لسكان الشمال بمجملهم يصعب القول إن إغلاق المعبرين البريين أمام التهريب المعيشي كان في مصلحة المواطنين.
ومن الملاحظ أن السياسة التي انتهجتها مملكتنا الشريفة في منح تحفيزات ضريبية وتمويلية وتبسيط الإجراءات الإدارية أمام الشركات الوطنية تشجيعا لها على التوسع في المناطق المحاذية لسبتة ومليلية تبقى ورقة مربحة اقتصادية لها أبعاد سياسية ضاربة في أهدافها.
فكيف اذن سيصبح الوضع بعد ما اكتشفت المملكة الايبيرية أن مغربنا الحبيب بسط يده على الثغرين وهلك اقتصادهما في مدة وجيزة حتى باتت تفكر في حفظ ماء الوجه دوليا بالانصياع إلى قرارات دبلوماسية صاحب الجلالة محمد السادس حفظه الله؟

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube